تحليل اخباري: محاضرة الغنوشي في أمريكا.. رحلة البحث عن بركات العم سام - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Sep.
19
2019

تحليل اخباري: محاضرة الغنوشي في أمريكا.. رحلة البحث عن بركات العم سام

الجمعة 3 أكتوبر 2014
نسخة للطباعة

 بقلم: اسيا العتروس

أن يختار زعيم حركة النهضة جامعة يايل الامريكية (Yale University) لإلقاء محاضرته حول النموذج التونسي والتجربة الديموقراطية ليس بالامر الاعتباطي، وربما في هذا الاختيار ما يعكس أول ثمار خدمات الشركة الامريكية للإشهار «سلام شالوم» التي لجأت اليها الحركة للترويج لصورتها لدى الحلفاء خارج الحدود التونسية، وليس مهما حجم التكاليف والتمويلات التي ستتكبدها الحركة طالما أن صورة الشيخ وخطاب المصالحة الجديد الذي يروج له في الميـزان.فجامعة يايل التي احتضنت محاضرة الغنوشي هذا الأسبوع من أعرق الجامعات الخاصة ولها ثاني أكبر وقف (22.8 مليار دولار) بين الجامعات في العالم بعد هارفارد يتبرع به خريجوها، وللحركة طبعا حكاية مع الأوقاف، خلال وضع الدستور تخلت عنها اضطرارا كما تخلت عن الكثير من الطموحات آنذاك، كما ينتمي للجامعة 19 حائزا على جائزة نوبل وتخرج منها خمسة رؤساء سابقين. وفي ذلك ما يكفي لإغراء المتتبع التونسي ولفت الأنظار في كل مكان.

الرهان على دعم العم سام في هذه المرحلة أمر يثير شهية أغلب السياسيين المتنافسين على السلطة والنهضة لا تخفي ذلك ولا تتحرج منه، بل بالعكس فإن زيارات السفير الامريكي جاكوب واليز الى مونبليزير خلال مرحلة الحوار الوطني المتعثر وتواتر زيارات المسؤولين الامريكيين القادمين الى تونس ليس سرا بالمرة.

وفي المقابل فإن حضور الغنوشي وغيره من قيادات الحركة احتفالات السفارة الامريكية والسفارات الأوروبية ليس أمرا خفيا، ولا حرج في وجود الاطباق المتنقلة التي تقدم كل أنواع الشراب بحلاله أو حرامه. والامر لا يستثني بقية الأحزاب ولكن الامر يتعلق بمحاضرة الشيخ في جامعة يايل والتي لم تخلُ من بعض التعليقات في الإعلام الأمريكي كما جاء في مقال آدم كريدو في «واشنطن فري بيكون» (washington free beacon) والذي استنكر استضافة يايل «للشيخ الراديكالي» بمقال تحت عنوان yale to host radical terror sheikh who advocates killing us soldiers... وهو مقال استعرض صاحبه مسيرة الشيخ ومواقفه من أمريكا والحرب على العراق و»حماس» وغيرها...

فيما كان للمقال الثاني الذي علق على الزيارة تحت عنوان أمسية مع راشد الغنوشي قراءة مختلفة انتهت بعد استعراض مسيرة الرجل الى التساؤل حول ما اذا كان زعيم الحركة، مؤيد الاخوان، تغير فعلا، ليخلص الى أن الاحداث وحدها كفيله مستقبلا بكشف ما خفي...

إذا أحبك الغرب ارتاح...

قبل شهر على موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة وفي خضم التنافس المستعر والتجاذب الحاصل في المشهد السياسي اختار الغنوشي زعيم النهضة وفي خطوة واضحة لاقتسام الأدوار الجبهة الخارجية للترويج للحركة وتلميع صورتها تاركا المسؤولية في الداخل لبقية قيادات الحركة منطلقا بذلك في رحلات مكوكية بين اسيا وأمريكا، فنيل رضا الحلفاء في الخارج لا يقل أهمية عن الحصول على رضاء الأنصار والناخبين في الداخل. أيام قليلة فصلت اذن بين زيارة الغنوشي الى بيكين عاصمة العملاق الصيني وبين زيارته الى واشنطن العاصمة السياسية الامريكية متسلحا بخدمات وتوصيات واحدة من أشهر الوكالة الامريكية للاشهار التي تعاقدت معها الحركة للترويج لصورتها في الخارج، وتحديدا لدى الغرب.

ولأنه لا مكان للصدفة بالنسبة للحركة التي تراهن على الفوز بالانتخابات القادمة فقد كان واضحا أن كل شيء بحساب وأن زعيم الحركة لا يترك شاردة أو واردة يمكن أن تؤثر على حظوظ الحركة في الاختبار القادم. ولاشك أن محاولة قراءة توجهات رئيس الحركة تقتضي التوقف عند جولته الامريكية هذا الأسبوع ومحاضرته في جامعة يايل وما يمكن أن تثيره من تساؤلات في هذه المرحلة عن التحولات الحاصلة في مواقف وتصريحات الغنوشي، وما اذا كانت تتنزل في اطار المناورة والحسابات السياسية أو ما اذا كانت نتيجة براغماتية الشيخ وقناعته بأن من أراد اقتحام مجال السياسية عليه أن يدرك أن أول دروسها أنه لا مجال لأعداء دائمين ولا لأصدقاء دائمين، وأن المصالح وحدها تحدد موقع كل طرف، بما يدفع من كان في موقع الغنوشي الى القبول بأنه لا مجال لتجربة الإسلام السياسي المعتدل التي يروج لها أن يكون لها موقع مستقبلا بدون دعم أصحاب الحل حتى وان كانوا من أعداء الامس ولكن أيضا بدون التزامات وتعديلات للكثير من المواقف... وعلى عكس زيارته الى الصين والتي اكتست طابعا رسميا رغم أن الغنوشي لا يضطلع بأي مسؤولية سياسية فان زيارة واشنطن اتخذت في ظاهرها صبغة أكاديمية بين المعهد الأمريكي للسلام وجامعة يايل التي ألقى بها الغنوشي محاضرته أمام نحو مائة من الطلبة والأساتذة الذين تابعوا المحاضرة التي ترجمت الى الانقليزية والتي استعرض خلالها الشيخ محطات من عملية الانتقال الديموقراطي في تونس وما يسميه بالنموذج التونسي، والحال أن المشهد لا يزال أبعد ما يكون عن نموذج قائم في ظل التحديات الأمنية والسياسية والاجتماعية وغيرها.

وبعيدا عن العودة لاستعراض محاضرة الشيخ التي نشرت على أكثر من موقع، فقد يكون من المهم التوقف عند بعض النقاط التي تستوجب الإشارة لها، وأولها جبة الضحية التي تحرك الشيخ والذي بدأ محاضرته بكلمات غارقة في العواطف «أتحدث اليكم اليوم كرئيس حزب النهضة الذي قضت حركته في النضال ضد الدكتاتورية أربعين عاما «. ولعل ما يدعو للتوقف أيضا في محاضرة الشيخ اعترافه بإنجازات دولة الاستقلال دون الإشارة الى أصحابها حيث يقول «أنه لا يمكن انكارها في مجال التربية والتعليم والصحة وحقوق المرأة»، وفي ذلك فك للارتباط مع مواقف سابقة طالما أنكر معها الغنوشي وهو العائد حديثا من المهجر في لندن كما صقور حركته أي إنجازات لدولة الاستقلال.

ثوب الضحية على الدوام

الشيخ لم يفوت الفرصة خلال استعراض أحداث السنوات الثلاثة الماضية في تونس للإطناب بشأن حكمة وحنكة وتضحيات الحركة في تغليب مصلحة البلاد على مصلحة الحزب مقارنة ببقية أحزاب المعارضة. وكرر ما كان روج له في السابق بأن «الحركة تتحمل مسؤولية تاريخية في اسقاط قانون العزل السياسي رغم المخاطر الكامنة في السماح بعودة رموز العهد السابق». وطبعا لم ينس الغنوشي الإشادة بما أقدمت عليه الحركة من «تضحيات» لتحقيق التوافق ومنها التخلي في مرحلة أولى عن وزارات السيادة، ثم مغادرة الحكومة، ليخلص في نهاية المطاف الى التضحية الكبرى بالامتناع عن الترشح للانتخابات الرئاسية. النقطة المثيرة التي توقف عندها الشيخ مطولا تتعلق بالإرهاب مشيرا الى «أن تونس تخوض حربا ضد الإرهاب بدأتها الترويكا برئاسة النهضة في 27 أوت 2013 بتصنيف أنصار الشريعة تنظيما إرهابيا».

الغنوشي ذهب الى أبعد من ذلك في اشارته عن الارهابيين الذين يقبعون في جحورهم معزولين منبوذين يخوضون معركة خاسرة ستؤدي الى هزيمتهم بعد الضربات الموجعة التي تلقوها خاصة بعد تصنيف تنظيمهم «أنصار الشريعة» بالارهابي... الحديث عن النموذج التونسي ليس نهاية المطاف وربما يتناسى زعيم حركة النهضة أن مصطلح النموذج أصبح يثير الحساسيات بين التونسيين ويعيد الى الاذهان محاولات تغيير النمط المجتمعي التونسي بعد الثورة مع تغلغل مظاهر التطرف وسيطرة السلفيين والذين وصفهم الشيخ في احدى لقاءاته بأنهم «يبشرون بثقافة جديدة ويذكرونه بشبابه»... والحديث عن النموذج التونسي يبقى دوما مثيرا للشكوك والمخاوف في الاذهان مع تواتر مشاهد ومظاهر العنف والإرهاب وتراجع هيبة الدولة وسلطة القانون لا سيما مع عديد الاحداث الدموية التي مرت على التونسي والتي لم تفلح كل التحقيقات المعلنة في إزالة الغموض بشأنها وأولها الاغتيالات السياسية والعمليات الإرهابية و»غزوة السفارة» وحادثة جامع الفتح وغيرها...

أخيرا وليس اخر فقد يكون الأستاذ الذي قــدم الشيخ خلال المحاضرة أراد عن وعي أو عن غير وعي أن يوثق للتغيير الحاصل في مواقفه وهو يلوح بنسخة من الدستور ويؤكد في تقديمه للشيخ أنه رفض ادراج الشريعة في بنوده وانه انتصر لحقوق النساء، وفي ذلك أيضا رسالة أنه اذا رضي عنك العم سام فإن في ذلك ما يستوجب الكثير من التنازلات... وصديق الكل -حسب أرسطو- ليس صديق أحد...

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة