تخلت عن حيادها الديبلوماسي وقبلت بالوساطة في الأزمة الليبية.. الجزائر ولعبة الكبار - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Aug.
22
2019

تخلت عن حيادها الديبلوماسي وقبلت بالوساطة في الأزمة الليبية.. الجزائر ولعبة الكبار

الاثنين 22 سبتمبر 2014
نسخة للطباعة
الجزائر لن تدخل معركة بالوكالة ولن تقبل الوصاية الغربية - في السياسة البراغماتية نتغلب على الأحقاد القديمة - بالحاج له ثقل عشائري وقبلي وعقائدي ستستفيد منه الجزائر
تخلت عن حيادها الديبلوماسي وقبلت بالوساطة في الأزمة الليبية.. الجزائر ولعبة الكبار

 تونس - الصباح الأسبوعي:في الوقت الذي تتجه أنظار العالم إلى منطقة الخليج العربي ويحبس الجميع أنفاسه في انتظار بداية مرحلة "اجتثاث" الدولة الإسلامية بالعراق والشام أو داعش ووأد التنظيمات الإرهابية في معاقلها وبؤر تشكّلها في اطار تحالف دولي أعلن عن نفسه عقب اتفاقات مؤتمر جدّة الأسبوع قبل الماضي و تغيير الموقف الأمريكي نحو الدخول في خيار المواجهة العسكرية حتى لو بطريقة غير مباشرة ،يشوب منطقة شمال إفريقيا هدوء غير متوقع في منطقة ملغّمة بكل "أنواع البارود المتفجّر" سياسيا وأمنيا ومن حيث أيضا نشاط التنظيمات الإرهابية المكثّف والمتواصل.

قبل مؤتمر جدّة وتغيير الموقف الأمريكي نحو التصدّي لداعش ومكافحة الإرهاب حيثما وجد ، لفت تصريح وزير الدفاع الفرنسي «جون ايف لودريان» في جريدة «لوفيغارو» الأنظار بتلميحه إلى إمكانية قيام بلاده والأسرة الدولية بـ"عمل عسكري في ليبيا" وأضاف "إن كل هذا الأمر سيتم بالتنسيق مع الجزائريين"..هذا التصريح المفاجئ حول تعاون فرنسي جزائري محتمل لكنس التنظيمات الإرهابية من المشهد الليبي أثار التخمينات حول الدور المستقبلي للجزائر في منطقة "ساخنة" مفتوحة على كل السيناريوهات، و رغم تفنيد الخارجية الجزائرية لما وصفته بمزاعم التدخّل الفرنسي في ليبيا بدعم جزائري.

الجزائر وفوضى الربيع العربي

منذ أكثر من ثلاث سنوات ومنطقة شمال إفريقيا على صفيح ساخن،من الاضطرابات والاحتجاجات والتهديدات الإرهابية المتنامية في منطقة تشهد تكاثرا لافتا للتنظيمات الإرهابية المتفقة حينا والمتنافرة أحيانا أخرى ،وما زاد الوضع الأمني تأزّما تدحرج برميل «البارود» الليبي على كامل المنطقة..

وسط هذه الفوضى السياسية و الأمنية ، تحاول الجزائر الصمود والثبات لحماية أمنها أوّلا ثم حماية كامل المنطقة لأن في ذلك حماية للأمن القومي للجزائر ،فليس من مصلحتها الإستراتيجية اندلاع بؤر توتّر أمني وسياسي متاخمة لحدودها ،ففي هذه المرحلة الدقيقة التي تشهد تنامٍ للجماعات المتشددة والتكفيرية التي استفادت من سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا لتضع يدها على مخازن الأسلحة وتحاول التأسيس لإمارة إسلامية تلتهم منطقة شمال إفريقيا ،من أجل كل ذلك لن تسمح الجزائر بوجود أي «شوكة في الإبط» أو حتى مجرّد وخز في الخاصرة من طرف هذه الجماعات التكفيرية وهي التي عاشت سنوات محنة طويلة زمن العشرية الإرهابية السوداء.

الجزائر التي قفزت فوق «ألغام» ما يسمّى بالربيع العربي ونأت بنفسها و بأعجوبة عن «فرقعاته» السياسية وتغيراته العميقة ،تجد اليوم نفسها تعاني من تبعاته رغم أنفها، فجارتيها تونس و ليبيا يعيشان وضعا داخليا تحدّق به المخاطر ولئن كانت تونس أحسن حالا من ليبيا التي تغرق في مستنقع الفوضى المسلحة الاّ أن تونس أيضا تعيش «غصرات» الربع ساعة الأخير من مرحلة الانتقال الديمقراطي.

دور الأخ الأكبر

الدبلوماسية الجزائرية المتحفّظة كعادتها كان لها دور محوري في تلطيف علاقات الجوار والنأي بالجزائر عن حشر أنفها في الشؤون الداخلية لجيرانها رغم بعض الاتهامات التي لاحقتها بكونها مسؤولة عن الفوضى في بعض هذه الدول لأنها أرادت قطع الطريق أمام الحركات الإسلامية في الوصول أو البقاء في الحكم.

لكن اليوم يبدو أن الجزائر تخلت عن حيادها التقليدي وتريد أن تلعب الوساطة في حل مشاكل جيرانها ،فبقطع النظر عن الدعم المعنوي والتقني للمؤسسة الأمنية والعسكرية في حربها على الارهاب والمساعدة المعلوماتية والاستخباراتية التي تحاول توفيرها لأجهزة الدولة الرسمية ،فان الجزائر غيّرت استراتجيتها ازاء ما يحدث في ليبيا،فمن ديبلوماسية الحياد الى ديبلوماسية نشيطة تحاول التوسّط في الأزمة الليبية والبحث عن حلول صلحية بين الفرقاء ،وهو ما دفع بالحكومة الليبية الى التصريح بأن «الجزائر كانت ولا تزال محل ثقة بالنسبة لنا، عكس مصر التي ظهرت أنها طرف أساسي في الأزمة الليبية»

كما وأن الاعلان عن زيارة مرتقبة لعبد الحكيم بلحاج زعيم الحزب الوطني الليبي الى الجزائر بوساطة من زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي،يعتبر خطوة الى الأمام وفي اتجاه نزع فتيل التوتر في المنطقة فبلحاج والى وقت قريب كان يعتبر عدوا للجزائر وهو الذي كفّر نظامها عندما كان أمير الجماعة الليبية المقاتلة وهي جماعة جهادية ساندت الإرهاب في الجزائر واعتبرت أن النظام مرتدوفاسد،

بلحاج تحتاجه الجزائر اليوم ليكون «صديقا» في ليبيا وـحليفا» فرضته البراغماتية السياسية ،خاصّة وأن عبد الحكيم بلحاج له ثقل عشائري وقبلي وعقائدي لا يستهان به.

اليوم تقدّم  البراغماتية السياسية على «الأحقاد القديمة» ويتحوّل بلحاج الى رجل تعتمد عليه الجزائر في تنقية الأجواء الليبية في نزع فتيل الحرب الأهلية في ليبيا والتي ستعود بالوبال على دول المنطقة ،كما وأن الجزائر لا يمكنها قتال الارهابيين على كل جبهات حدودها ناهيك وأن الأزمة المالية ما تزال كالنار تحت الهشيم ،وحتى فيما يتعلّق بعلاقة الجزائر بالاسلاميين في تونس فاننا نلمس نضجا وتطورا في العلاقة ..

ففي كل زياراته للجزائر بسط السجاد الأحمر أمام راشد الغنوشي بما لا ينسجم مع البروتوكول خاصة وأن الغنوشي ليس رجل دولة أو مسؤول رسمي اذ يبقى زعيم حركة حتى لو كان ذلك الحزب أكبر حزب في البلاد.

وكما بدأت الولايات المتحدة الأمركية بعد الثورات العربية  في ترويض حركات الإسلام السياسي الصاعدة إلى حكم وتلقينها السياسة الأجنبية والاقتصادية التي تتبناها، بدلا من تفسيرات الشريعة،مشترطة أن الأحزاب الإسلامية التي ستخضع لذلك سوف يتم اعتباره  «معتدلة» أما الباقي فسيتعبرون «متعصبين «و»تكفيريين»،فان الجزائر اكتشفت أن الاسلام السياسي بالمنطقة والذي تمثله حركة النهضة وراشد الغنوشي في تونس وعبد الكريم بلحاج وعلى محمد الصلابي في ليبيا هو واقع يمكن التعاطي معه، وخلق انسجاما بينها وبينه يقي المنطقة من صراعات طاحنة في السنوات القادمة.

الجزائر لن "تقاتل" بالوكالة

الوضع المتفجّر في ليبيا،والذي يزداد تأزما كل يوم دفع دولا غربية الى التفكير في التدخل ميدانيا لحماية مصالحها الحيوية في بلد ينام على بحيرات من النفط والغاز ويكتنز المعادن الثمينة كاليورانيوم والذهب،من بين هذه الدول فرنسا كما أسلفنا الذكر والتي حاول وزير دفاعها في تصريحه جرّ الجزائر الى المستنقع الليبي ،هذا الموقف دفع بالكثير من المحللين الى القول بأن الجزائر ربما تخوض حربا بالوكالة في ليبيا خدمة لأجندة فرنسا في المنطقة.

ولكن الحقيقة تبدو مختلفة تماما عن ذلك فالجزائر المتصلبة و الصلبة في مواقفها لن تقبل بوصاية فرنسية وأحداث «عين أميناس « دليل على ذلك..ولن تخوض أي معركة باملاءات خارجية كما أنها لن تقفز نحو المجهول من أجل عيون باريس في مشهد افريقي يتسم بالضبابية الاستراتيجية وبانفتاحه على كل الاحتمالات والنهايات.

 فهذا المارد الافريقي «النائم» يتحرّك على حقل من الألغام وأقل خطأ قد ينسف كل جهوده في جعل نفسه قوة اقليمية يقرأ لها حسابا في المستقبل كما وأن الكيمياء الجزائرية المعقدة لن تقبل بتنفيذ تعليمات الدول الغربية فقط من أجل إرضاء فرنسا أو غيرها .. فحتى بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية تبدو العلاقة بينها وبين الجزائر مشوبة بالحذر والتوجّس وأحيانا «الندية» أو التجاهل للرغبات الأمريكية من ذلك الحلم الأمريكي «القديم المتجدّد « بانشاء قاعدة عسكرية في المنطقة.

 فالجزائر القوية بخبرتها التي راكمتها لسنوات في محاربة ومكافحة الإرهاب الى حدّ يجعلها عمليا الدولة الوحيدة في العالم المتمكنة من حل "شيفرات" الارهاب تدرك اليوم وأكثر من أي وقت مضى أهميتها الاستراتيجية وثقلها الاقليمي بما يؤهلها ليس فقط لتكون «شرطي منطقة شمال افريقيا» ولكن أيضا حارس البوابة..بوابة القارة السمراء..مستقبل العالم ومطمورته لعقود وربما قرون قادمة.

منية العرفاوي

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة