ممنوع من الحياد .. مهدي جمعة ليس أقل من كاميرون... - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Jul.
22
2019

ممنوع من الحياد .. مهدي جمعة ليس أقل من كاميرون...

السبت 20 سبتمبر 2014
نسخة للطباعة

ثلاثة أسباب على الأقل من شأنها أن تدعونا للتوقف عند نتائج الاستفتاء على استقلال أسكتلندا عن المملكة المتحدة والتي انتهت برفض الناخبين دعوات الانفصاليين واعتراف زعيمهم سالمون، الذي كان ينتظر اعلان ولادة دولة جديدة في حضن أوروبا، بالفشل ودعوته للقبول بقرار الشعب، كل ذلك بعد سنتين من الدعاية والتمهيد للانفصال عن التاج البريطاني.

 

وأول هذه الأسباب التي يتعين التوقف عندها في الاستفتاء الذي وصف بالتاريخي ما يتعلق بنسبة المشاركة الواسعة واقبال الناخبين على صناديق الاقتراع والتي قدرت بنحو 85 بالمائة من أصل أزيد من أربعة ملايين ناخب. أما السبب الثاني فيتعلق بإقبال الشباب على المشاركة في التصويت بعد أن سُمح، ولأول مرة، للذين بلغوا سن السادسة عشرة بالمشاركة. وأخيرا وليس آخرا موقف أصحاب القرار في لندن من نتائج التصويت وإقرارهم بضرورة الالتزام بتعهداتهم للاسكتلنديين والمضي قدما في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة في مجال الضرائب والرخاء الاجتماعي وغير ذلك من المطالب التي كانت وراء تنامي النزعة الانفصالية لدى شريحة من السكان الذين يحملون الحكومات البريطانية مسؤولية تردي الأوضاع في اسكتلندا...

 

تنفست المملكة المتحدة بالأمس الصعداء وهي تتفادى خطر التقسيم ومنحت بذلك دول الاتحاد الأوروبي، التي تخشى امتداد العدوى إلى كاتالونيا وكورسيكا وبلاد الباسك، بعض الطمأنينة، ولكن دولا أخرى مثلنا ستظل تحبس أنفاسها تحسبا لما ستأتي به نتائج الانتخابات التشريعية الغائبة عن ذهن المواطن على حساب الانتخابات الرئاسية التي طغت على المشهد...

 

ليس مُهمّا ان كانت نزعة الانتماء الى المملكة المتحدة هي التي انتصرت أو ما اذا كان الاستقلاليون فشلوا في اقناع الناخبين بجدوى الانفصال وتسويق مشروع الدولة الاسكتلندية، ولكنالأهم من كل ذلك أن تخرج المملكة أكثر إصرارا على التمسك بوحدتها عبر صناديق الاقتراع، ولاشك أن الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية - التي كان لها دور في تغيير خارطة العالم - أكثر من يدرك تداعيات لعنة التقسيم وآفة التشتت عندما تنخر وحدة الشعوب وتفككها وتخربها وتجعلها مستضعفة وقابلة للخضوع تحت ضغوط وإملاءات الأقوى...

 

للأسف نجد أنفسنا مدفوعين الى المقارنة بين ما حدث في اسكتلندا وبين ما يحدث في أكثر من منطقة عربية عندما يتعلق الامر باللجوء الى صناديق الاقتراع، وبالحسم بالقرارات المصيرية في مستقبل الأمم والشعوب، والامر لا يتعلق بما انتهى اليه مصير السودان من انفصال بين شماله وجنوبه في انتظار ما يمكن أن تؤول اليه نهاية الصراع بين المتناحرين في الخرطوم وجوبا، ولا بين ما ينتظر دولا غارقة في مخاطر الفتن العرقية والطائفية من سيناريوهات مماثلة سواء تعلق الأمر بما يشهدهالعراق وسوريا من تناحر وحرب دموية مع امتداد إرهاب «الدواعش»، أو ما تعيش على وقعه اليمن بعد تقدم الحوثيين الى صنعاء، أو كذلك ما آلت إليه ليبيا الواقعة تحت سيطرة الميليشيات المسلحة في ظل حكومتين وبرلمانين متناحرين...

 

ولاشك أننا في تونس لسنا بمنأى عن كل المخاطر والتهديدات بمزيد الانقسامات بين التونسيين في ظل التناحر والسباق المحموم على الحكم، بين أحزاب لا هم لها سوى التمكن من السلطة مهما كانت قذارة الأموال والحملات الدعائية والأساليب التي تنتهجها. وقد بدأت رائحة الانتخابات تفوح منذ فترة منذرة بما يمكن أن تنزل اليه حملات التشهير واستهداف المتنافسين بعضهم البعض. وحتى الآن، فقد أمكن للرأي العام الاطلاع على بعض من عينات استهداف المترشحين لسباق الانتخابات الرئاسية الذي اختارت حركة «النهضة» ألا تخوضه، ويتابعون تصريحاتهم ومواقفهم وهم يضربون بعضهم البعض ويوجهون سهامهمالى بعضهم البعض ويستنقصون من إمكانيات وحظوظ بعضهم البعض بما لا يزيد الناخبين إلا نفورا وعزوفا واشمئزازا من السياسيين ومن اللعبة الانتخابية برمتها...

 

بل أكثر من ذلك، فإن المعركة الانتخابية في تونس كشفت للرأي العام أن نكث العهود بات الأمر الشائع وأن الالتزام الاخلاقي لرجل السياسة بوعوده تحول الى استثناء، أو هذا على الأقل ما حاولوا إيهام الناس به بعد اعلان رئيس الحكومة قراره عدم الترشح للانتخابات الرئاسية والانصراف الى إنجاح المرحلة الانتقالية الراهنة، والحال أن الجدل الذي أراد البعض اثارته في هذه المرحلة بشأن ترشح رئيس الحكومة للانتخابات الرئاسية ما كان له أن يحدث أصلا، وما كان لرئيس الحكومة أن ينفي الامر بتلك الطريقة الكاريكاتورية والحال أنه لم يكن معنيا بذلك منذ البداية، الا أن تكون اغراءات السلطة قد جعلته يقع تحت ضغوط البعض من بطانته...

 

وسواء كان يعتزم جمعةالانضمام للمتنافسين على قصر قرطاج أو تعلق الامر ببالونات اختبار، فقد يكون بقراره المعلن أول أمس قد خسر فرصة الدخول الى قصر قرطاج، ولكنه كسب في المقابل الأهم من كل الألقاب بالانتصار لمصداقيته وما سبق له أن تعهد به وأعلنه على الملإ، فجنب التونسيين مخاطر الانزلاقات والفتن والانقسامات...

 

لقد استبق رئيس الوزراء البريطاني الاستفتاء على استقلال اسكتلندا بدعوة الناخبين الى عدم «تحطيم العائلة»، ولاشك أن مهدي جمعة يرفض أن يكون أقل من نظيره البريطاني ولا يقبل أن يكون الأداة لتحطيم العائلة...

 

آسيا العتروس

 

إضافة تعليق جديد