رحيل الموسيقار الكبير الدكتور «صالح المهدي» ... الساحة الموسيقية التونسية تودع العازف والملحن والأستاذ والمؤسس - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأربعاء 3 مارس 2021

تابعونا على

Mar.
4
2021

رحيل الموسيقار الكبير الدكتور «صالح المهدي» ... الساحة الموسيقية التونسية تودع العازف والملحن والأستاذ والمؤسس

السبت 13 سبتمبر 2014
نسخة للطباعة

فقدت الساحة الموسيقية التونسية  أمس أحد أعلامها الكبار فقد غادرنا الموسيقار الكبير الدكتور صالح المهدي الشهير بزرياب عن سن تناهز 89 عاما تاركا مسيرة حافلة ورصيدا دسما ومتنوعا من الألحان ومن المبادرات ومن الإنجازات التي استفادت منها أجيال متلاحقة من الفنانين ومن الموسيقيين فصالح المهدي من جيل المؤسسين ويحسب له العديد من المبادرات الهامة لعل أبرزها تاسيسه الفرقة القومية للفنون الشعبية والاركسترا السمفوني التونسي.

 

وقد نعت وزارة الثقافة الموسيقار الراحل وذكرت بمسيرته الحافلة بالانجازات، فهو إلى جانب المبادرات التي ذكرنا ساهم في تأسيس عديد المهرجانات تحت إشراف وزارة الثقافة، ويعتبر الدكتور صالح المهدي من أهم الموسيقيين التونسيين في القرن العشرين حيث جمع بين العزف والتلحين والتدريس والأداء إذ ألف العديد من الموشحات الشرقية وتخرج على يده العديد من الفنانين التونسيين.

 

وقد عم الساحة الثقافية حزن كبير اثر رحيل الموسيقار صالح المهدي فأغلبهم إما تتلمذ عليه أو تعلم منه أو كانت له أفضالا عليه. وفيما يلي نورد البعض من الشهادات لزملائه الذين تعاملوا معه أو تتلمذوا عليه أو هم ببساطة يعترفون بفضله على الساحة الموسيقية وعلى الأجيال

 

 إعداد: نزيهة الغضباني ونجلاء قموع

 

 

 

  فتحي زغندة:  لقد كان مؤسسا بامتياز

 

من جهته وصف الموسيقي فتحي زغندة الراحل بـ»رجل الفرقة» متعدد الاختصاصات الذي سخر حياته وجهده واهتمامه للموسيقى والفن لا غير. وأكد أن عوامل عديدة صادفته في الحياة جعلته يكون قريبا منه في ردح هام من مسيرته على نحو يكون من بين أكثر الناس التصاقا بصالح المهدي الموسيقي. انطلقت بالتتلمذ على يديه والعمل معه في الإدارة لمدة عقد ونصف إضافة إلى مشاركته العزف أو مواكبة ومتابعة أعماله وبحوثه في عالم الموسيقى. وبيّن محدثنا أنه، فضلا عن تخصصه في العزف على آلة الناي يتقن العزف على مختلف الآلات الموسيقية..

 

وأضاف قائلا:» الراحل ترك بصمة واضحة في الساحة الثقافية وتحديدا الموسيقية على مستوى وطني وعربي. فهو قيمة ثابتة يعتد بها على مستوى علمي وفني إقليميا. لذلك فإن انجازاته ورؤاه الموسيقية ستكون مرجعا للمختصين والباحثين في المجال لقرون قادمة مثلما كانت في القرن العشرين ولا تزال».

 

كما اعتبر فتحي زغندة فقيد الساحة الموسيقية والعربية مؤسسا لقواعد الإدارة الفنية في تونس فضلا عن دوره في تأسيس قواعد عديد الهياكل الوطنية والعربية التي اضطلع بمهام على رأس إدارتها أو في صلبها أو عضوا في لجان تنفيذية لعدة هياكل أخرى عربية وغيرها على غرار المجلس العربي للموسيقى وإدارة الموسيقى بوزارة الثقافة بتونس وغيرها. واعتبره مرجعا في الموسيقى على مستوى وطني وعربي وعالمي نظرا لبحوثه ودراساته العديدة في المجال وملاذا للفنانين والموهوبين في الغناء والعزف والتدوين. لذلك اعتبر رحيله بمثابة انطفاء شمعة كانت تضيء سماء الساحة الثقافية والفنية وتنعش ذائقتها بأعمال وبحوث نوعية ساهمت بقدر كبير في تطوير الموسيقى التونسية.

 

الفنانة سلاف: منحني اسمي الفني

 

بدأت الفنانة سلاف حديثها عن الراحل بقولها:»في الحقيقة أنا مدينة للراحل بما قدمه لي في مسيرتي الفنية فضلا عن دوره الإنساني باعتبار أنه عم أبنائي ومستشاري في عديد الأمور. فهو من أدخلني الساحة الغنائية من بابها الكبير في أواخر الستينات بعد أن سماني «سلاف» ودرّسني الموسيقى وغنيت له أول قصيد «أنا أهواك» للشاعر عبد المجيد بن جدو و» ياما قلبي يطير ويجنح» لمحمود بورقيبة وغيرها من الأعمال الخالدة».

 

وأضافت أن فضل الراحل صالح المهدي على الساحة الثقافية والفنية في تونس والعالم العالم العربي يتجاوز الألحان والأغاني والقصائد التي يقدمها للفنانين ليشمل ما هو إنساني وتعليم وتأطير غيرة على الفن وحبا في احتضان المواهب ورغبة في تطوير الموسيقى التونسية. واستدلت على ذلك بسرد ما قدمه لأبناء جيلها وغيرهم من الناشطين في القطاع من احتضان وتوجيه وتعليم. فهو من منح أيضا اسم علية ونعمة الفنيين والراحلة «حٌبابة».

 

سنية مبارك:  معلمي ومرجعي الموسيقي

 

عدّدت الفنانة سنية مبارك مناقب وخصال فقيد الساحة الثقافة والموسيقية التونسية صالح المهدي أو الملقب ب»زرياب» الذي غيبه الموت صباح أمس، ووضعته ضمن الحلقات المضيئة في الساحة الثقافية في تونس من خلال تصنيف قراءتها لمسيرته وشخصه ومنجزه الفني والعلمي إلى ثلاث جوانب مستندة في حديثها إلى علاقتها المتينة والمقربة من الموسيقي الراحل باعتباره كان صديقا مقربا لعائلتها من ناحية ولكونها تلقت تكوينا أكاديميا على يديه لسنوات فضلا عن التقائهما في عديد الأعمال التي اعتبرتها بمثابة المنعرج الحاسم في مسيرتها الفنية. وقالت في سياق متصل :» أحمد الله أني كرمت هذا الرجل وقدمت له تحية كأبهى ما تكون السنة المنقضية من خلال عرض «تحية لزرياب» الذي قدمته في شهر أكتوبر الماضي وضمنته مختلف الأنماط التي لحن فيها الراحل من موشح وقصيد وأغاني شعبية وموسيقى تونسية. أعترف أنه من القلائل في القرن العشرين يعود له الفضل في التأسيس لسياسة موسيقية في تونس». وأضافت «أنا فخورة أنه صديق عائلتي ومعلمي ومرجعي الموسيقي، وقد لحّن لي مجموعة من الأغاني الدينية من بينها «الشوق للنبي» و»يا رسول الله» وأغنية «نداء» التي شاركت بها سنة 1992 في مهرجان الأغنية التونسية. وما يميز  الرجل أنه كان نبيلا وراق في تعامله يحب الشباب ويشجعه. ومن سوء الحظ أنه لحّن لي مجموعة من الأغاني الأخرى التي لم نتمكن بعد من تسجيلها».

 

وقالت سنية مبارك مديرة الدورة الخمسين المنقضية لمهرجان قرطاج الدولي أن رصيد الموسيقار الراحل وما تميز به من تنوع وثراء وتعدد وانفتاح على مختلف الأنماط الموسيقية كان كافيا لتأكيد أنه فاعل في الساحة الموسيقية ويعود له الفضل في تطوير الأغنية التونسية وإرساء قواعدها وفرض نمطها ليس على مستوى وطني فحسب وإنما على مستوى عربي. وبينت أن الراحل لم يقتصر في تلاحينه في الأغاني التونسية والموشح والقصيد والأغاني الشعبية على التعامل مع فنانين من تونس دون سواها بل تعامل أيضا مع فنانين عرب واستدلت على ذلك بالتجربة التي خاضها مع الفنان السوري الكبير الراحل صباح فخري الذي لحن له مجموعة من الموشحات.

 

أما الجانب الثاني الذي ميّز مسيرة وإسم الراحل صالح المهدي فصنفت فيها سنيا مبارك ما هو علمي من خلال البحوث والرؤى الموسيقية التي وضعها سواء أثناء عملهفي صلب وزارة التربية والتعليم أو وزارة الثقافة خاصة أنه كان مقربا من شخصيات فاعلة في الدورة وكانت تؤمن بأهمية الفعل والثقافي وتحرص على تطويره كالراحل محمود المسعدي أو الشاذلي القليبي. فكانت جملة ما تركه إرث هام حول الموسيقى إدارة وعلما ومنجزا ضمنها في كتابات ومؤلفات مشهود بها على مستوى عربي، مما أهله ليكون خبير عربيا ودوليا في المجال يتم الرجوع له في أبسط الأمور الموسيقية. فكانت أعماله وتجاربه ودراساته مراجع لكل الأجيال.

 

أما الجانب الثالث الذي ميز الراحل حسب تأكيد سنية مبارك فيتمثل في ما هو إنساني. وبينت ذلك بقولها:» لقد كان الراحل يحظى بحب واحترام الوسط الفني في تونس والعالم العربي وذلك يعود لما يتميز به من نبل ورقي في التعامل مع الناس وتفهم وصدق في توجيه كل من يتعامل معه لأنه كان غيورا على الموسيقى وحريصا على تطويرها وتقديم أعمال متميزة

 

 

 

صالح المهدي: مسيرة حافلة

 

كان الراحل صالح المهدي  الذي ولد سنة 1925 وتوفي يوم أمس 12 سبتمبر الجاري قد بدأ دراسته بالكتاب ثم التحق بمدرسة الجمعية الخيرية نهج الورغي في باب سويقة ثم  جامع الزيتونة حتى أحرز على شهادة التحصيل.  والتحق سنة 1951 بسلك القضاء. ونظرا لحساسية خطته، اقتصر في هذه المدة على التلحين، وحمل لقب زرياب. واستمر في القضاء إلى سنة 1957، ليلتحق بعد ذلك بوزارة التربية القومية ووزارة الثقافة التونسية. بدأ بالعزف على الناي، ونشط في الحركة الكشفية، وكان يقدم للكشافين حصة أناشيد أسبوعية. وانتمى إلى جمعية الكوكب التمثيلي إلى أن ترأسها سنة 1949  كما ترأس فرقة الرشيدية. ويمكن اعتباره  من أهم الموسيقيين التونسيين في القرن العشرين، جامعا بين العزف والتلحين والدراسة والأداء، إذ ألف العديد من الموشحات الشرقية، وتخرج على يديه عدد كبير من المطربين والموسيقيين التونسيين، منبينهم نعمة وعلية. ولحن لأغلب الفنانين. أسس صالح المهدي الفرقة القومية للفنون الشعبية سنة 1962، والأوركسترا السمفوني التونسي سنة 1969 وكلاهما تحت إشراف وزارة الثقافة، وكان له دور كبير في بعث عدد من المهرجانات وتنظيمها لاسيما من بينها مهرجان الفنون الشعبية. كما كان صالح المهدي وراء تأسيس جمعية المحافظة على القرآن الكريم والأخلاق الفاضلة في أواخر الستينات.لصالح المهدي حوالي ستمائة لحن من بينها «نشيد العروبة» الذي لحنه بمناسبة الذكرى الثانية لتأسيس الجامعة العربية سنة 1947، والنشيد الرسمي التونسي  «ألا خلدي» سنة 1958.

 

وله أيضا عدد من الموشحات والبشارف والأغاني المختلفة، ولعل من أشهر أعماله أيضا: أغنية (يا خيل سالم) و(دار الفلك) للمطربة صليحة.

 

ومن الأناشيد الكشفية التي لحنها «الأوطان»، «تركنا الفلاة»، «هيا للميدان»، «يا شبابا»...

 

ويمكن القول أن الراحل كان بحرا من الموسيقى وهو كما قال الاستاذ فتحي زغندة « الرجل الفرقة«.

 

الحبيب محنوش:  صالح المهدي لم يمت

 

  من جهته، حدثنا الشاعر الغنائي الحبيب محنوش عن ذكرياته مع صالح المهدي حين كان طفلا في الرابعة عشر من العمر وكيف استقبله بتواضع كبير منوّها بموهبته بعد أن استمع لأغنية من كلماته وألحان محمد رضا بلغيث كان قد كتبها للفنانة صفوة بعنوان «ريتو والله ريتو» وأردف الحبيب محنوش عبارته بالقول أنه كان يستشير صالح المهدي طيلة سنوات عمله في المجال الفني مضيفا أنه لم يمت ففضله على الموسيقى التونسية وانجازاته تجعله حيا في تاريخنا وذاكرتنا فهو مدرسة وقامة فنية من أبرز الموسيقيين العرب في القرن العشرين.

 

الزين الحداد: هرم من أهرامات الفن التونسي

 

   قال الفنان الزين الحداد أن انجازات الراحل صالح المهدي في مجال الموسيقى لا تعد ولا تحصى فهذا الموسيقار هو هرم من أهرامات الفن التونسي وآخرحبات عنقوده مشيرا إلى فضله الكبير على قطاع الموسيقى خصوصا في مسألة الحفاظ على هويتها كما أثرى صالح المهدي خزينة الموسيقى الوطنية بأعمال استثنائية من أغاني ومالوف.   وشدد محدثنا على أن لصالح المهدي الدور الكبير في تأسيس عديد الهياكل  الفنية في البلاد على غرا ر المعهد الرشيدي من خلال إشرافه على فرقة الرشيدية وتأسيسه للفرقة الوطنية للفنون الشعبية، التي كانت تمثل تونس في مختلف بقاع العالم وتعرف بثقافتها الموسيقية، هذا إلى جانب تأسيسه للأوركستر السمفوني التونسي ومساهمته الكبيرة في إنشاء المعهد الوطني للموسيقى.

 

  وعن علاقته الشخصية بزرياب الأغنية التونسية، أضاف الزين الحداد بأنه غنى «اضحك يا قلبي الحزين « مع مجموعة الرشيدية بموافقته وهي أغنية معارضة لنغم «ليه يا بنفسج» قائلا في هذا السياق: «كان لصالح المهدي صوت جميل ومميز وهو يلقننا المالوف كما أن له طريقة بيداغوجية متفردة في عمله مع المجموعة الصوتية لفرقة الرشيدية».

 

   وأفادنا الفنان الزين الحداد أن صالح المهدي كان جديا ومنضبطا مع المادة الموسيقية التي يقدمها وشغوفا بالأغنية التونسية وطبوعها فهو أشرس المدافعين عنها والأكثر إيمانا بها وقد برزت خصاله هذه في أعماله التي قدمها لكبار الفنانين على غرار صليحة ونعمة وسلاف.

 

أمينة الصرارفي: إدخاله  تدريس الموسيقى أهم إنجازاته

 

  الفنانة أمينة الصرارفي وبعد ترحمها على رحيل صالح المهدي تحدثت عن النقلة النوعية  التي حققها هذا الموسيقار بالميدان الفني منذ ستينات القرن الماضي، حيث اعتبرته أبرز أعلام الموسيقى التونسية مشددة على أن إدخاله للتعليم الموسيقي للمدارس والمعاهد كان من أبرز انجازاته إضافة لاهتمامه الكبير بنشريات المعهد الرشيدي وتوثيقها بعد أن تسلم المشعل عن الراحل محمد التريكي ومساهمته في تطوير التبادل الفني والثقافي بين تونس وغيرها من البلدان العربية وفي العالم من خلال ترأسه لمجمع الموسيقى العربية.   وعن آخر لقاءاتها مع صالح المهدي حين صورت معه فقرة لوثائقي يتحدث عن والدها قدور الصرارفي وذلك في احتفالية مائويته قالت أمينة الصرارفي أنه حدثها عن تعاونه مع موسيقيي سنوات الستينات والسبعينات من أجل بعث المعهد الوطني للموسيقى على غرار والدها والفنان هادي الجويني وإبراهيم صالح من الإذاعة الوطنية كما أقر بأنه وقدور الصرارفي من أكثر الموسيقيين في ذاك العهد تعاونا مع الإذاعة في أعمالها الفنية.

 

 

إضافة تعليق جديد