ممنوع من الحياد: قوة "داعش" أم ضعف وانهيار الأنظمة؟ - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Aug.
24
2019

ممنوع من الحياد: قوة "داعش" أم ضعف وانهيار الأنظمة؟

الجمعة 5 سبتمبر 2014
نسخة للطباعة

النتيجة الأولى المهمة التي يمكن استخلاصها أمام الاخبار اليومية بشأن امتداد «داعش» بعد أن تحول  الى تهديد عابر للحدود لم يكن نتيجة قوة  هذا التنظيم الذي يسمى كذبا وبهتانا بتنظيم «الدولة الإسلامية»، وهو الذي لا يحتمل أن يوصف أو يرتبط بالإسلام أمام حجم الفظاعات والانتهاكات التي ارتكبها ويواصل ارتكابها في حق الأقليات المختلفة، من  المسلمين أو المسيحيين أو غيرهم من  الطوائف،  في العراق أو سوريا أو لبنان، أو حتى من الافراد من غير المسلمين كما حدث للصحفيين الأمريكيين.

بل الواقع، وهذا ما تؤكده كل المؤشرات، أن امتداد هذا التنظيم كان نتيجة الضعف  السياسي والاستراتيجي وحالة  الفراغ الأمني والاستخباراتي وغياب الإرادة وانهيار الوطنية وروح المسؤولية وما أحدثته من انقسامات وفتن وصراعات حول السلطة مع وجود أنظمة وحكومات دخلت مرحلة اليأس المبكر وكشفت عن عجز في تجاوز حالة المراهقة السياسية التي استبدت بها، فساعدت عن وعي أو عن غير وعي في تقوية التنظيمات المسلحة بمختلف تسمياتها وألقابها الدينية الرافعة لأسماء الخلفاء ممن لو كتب لهم أن  ينطقوا لاستنكروا  امتلاك «داعش» استراتيجية قتالية مدروسة وواضحة..

ولكن الأصل أن غياب استراتيجية أمنية واضحة وغياب نظرة استباقية والافتقار لخيارات أمنية وسياسية للتصدي للإرهاب وتجفيف منابعه ومحاسبة المتورطين في التمويل أو التخطيط أو التنفيذ للأعمال الإرهابية ساهم في هيمنة «داعش» وما لف لفها على المشهد، وكل ما يحدث اليوم حصيلة لا يمكن أن تثير الاستغراب للفشل في التعامل مع الأوضاع في الدول والمناطق المهددة من الجماعات الإرهابية المسلحة. وقد كان العراق ومن بعده سوريا أكبر مثال على ذلك..

واليوم فإن المثال الأكثر حضورا في الاذهان كنتيجة حتمية للفراغ السياسي والأمني وحتى الأخلاقي والثقافي ما يحدث في الجوار الليبي من صراع للميليشيات قد تمتد حممه الى مختلف الدول المحيطة بليبيا... بل ان الذين يرفعون اليوم أصواتهم محذرين من حرب أهلية انما يعيدون الى الاذهان ما حدث من قبل في العراق من تحذيرات مماثلة، والحال أن الحرب الاهلية لم تكن  بالأمر البعيد، بل هي قائمة وتأكل أبنائها يوميا، ولكن الكثيرين يرفضون الاعتراف بذلك رغم أن التنين يكبر كل يوم...

ليبيا اليوم وبعد وقوعها في قبضة الجماعات المسلحة باتت مشروع دولتين فاشلتين (أو أكثر) أقرب ما تكونان الى الصومال أو نيجيريا التي تحاصرها «بوكو حرام»...

واذا صدقنا  ما أوردته صحيفة «الاندبندنت» البريطانية بالأمس فإن ما يسمى بتنظيم «داعش» أصبح يشبه الدولة بالفعل إذ يسيطر على منطقة ذات مساحة  تقدر بنفس مساحة البحرين وتتجه لمزيد التوسع والانتشار أمام ما يحققه يوميا من مكاسب مالية بفضل عائدات النفط الى جانب أموال الفدية التي يحصل عليها من اختطاف الرهائن.

تقارير «الاندبندنت» تشير الى أن التنظيم الذي يمتلك نحو عشرة آلاف مقاتل من مختلف الجنسيات يمنح مقاتليه أفضل الأسلحة ويقدم لهم منحا شهرية تفوق ما تمنحه غيره من التنظيمات وتناهز في أحيان كثيرة الخمسمائة دولار وهو مبلغ مغر بالنسبة للكثيرين ممن افتتنوا بدعوات التنظيمات الإرهابية المتنافسة ووقعوا في أسر عقولها المنظمة ممن لا يترددون في ارسال ابناء العامة الى الجحيم باسم «الجهاد» ويرسلون في ذات الوقت أبناءهم الى أفخر الجامعات في الغرب...

كل التقارير ترشح أن طموحات التنظيم عريضة في إقامة «الدولة الإسلامية» في سوريا والعراق ومنها الى بقية أنحاء العالم. ولعل ما يتعين الإشارة اليه أن هذا التنظيم كان في حوزته قبل السيطرة على الموصل نحو 870 مليون دولار، ولكن وبسبب حالة الفوضى وانهيار المؤسسة الأمنية وفشل حكومة المالكي الموبوءة بداء السلطة في الانتباه لحجم الخطر القادم، تمكن من وضع اليد على مليارات من البنوك في الموصل واستطاع تأمين نحو ستمائة ألف جنيه إسترليني يوميا من عائدات النفط العراقي والسوري فضلا عن عائدات الفدية واختطاف وأسر المدنيين. كما أن سيطرة «داعش» على السوق السوداء للنفط جعل في قبضتها نحو ثمانين ألف برميل نفط يوميا .

المصيبة الثانية التي قد لا يستوعبها الكثيرون أن «داعش» وجدت في متاحف العراق وكنوزه الاثرية موردا اخر، وقد استفادت حتى الان وفقا للتقرير المذكور بـ28 مليون دولار من مناطق في سوريا وحدها عبث التنظيم بكنوزها التي تعود الى الاف السنين والتي لا يعرف حق قيمتها التاريخية والاثرية... وقد لا يكتشف العالم حجم ما سببه التنظيم من افلاس وخراب قبل سنوات وربما قبل عقود...

ومن هنا نعود الى مشهد الانسحاب المخزي لقوات الجيش العراقي الذي سهر على تدريبه وتمويله وتكوين عقيدته الحاكم الأمريكي بول بريمر أمام هجوم «داعش» والهروب المذل أمام التقدم السريع لقوات «داعش»...

صرخة الفزع التي أطلقتها السعودية قبل أيام بشأن حجم الخطر الذي يمثله «داعش» قد لا تكون الأخيرة  أمام استمرار حالة الفوضة الأمنية السائدة وغياب استراتيجية واضحة قادرة على لجم  امتداد الإرهاب المتسلل عبر عقول شباب يراد له أن يكون وقود معارك شعارها الظاهر ديني ولكن باطنها تدميري يمهد لحرب بسوس تغرق فيها الشعوب العربية والإسلامية يقتتل فيها أبناؤها ويهدرون دم بعضهم البعض وينتهكون أعراض بعضهم البعض فيما يمتص الاخرون بطريقة أو بأخرى قدراتهم وثرواتهم ويحكمون عليهم وعلى غيرهم من الأجيال بالغرق في الاوحال ويمنعون عنهم كل طوق ممكن للنجاة...

آسيا العتروس

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة