انتهى مهرجان قرطاج وعاد الصمت الرهيب إلى صخور المسرح الروماني.. الخمسينية لم تكن علامة فارقة في مسيرة المهرجان.. لكن هل كنا نتوقع فعلا دورة استثنائية؟ - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 28 فيفري 2021

تابعونا على

Feb.
28
2021

انتهى مهرجان قرطاج وعاد الصمت الرهيب إلى صخور المسرح الروماني.. الخمسينية لم تكن علامة فارقة في مسيرة المهرجان.. لكن هل كنا نتوقع فعلا دورة استثنائية؟

الأحد 31 أوت 2014
نسخة للطباعة
◄ توقعنا ملحمة فنية تونسية تروي ما عاشه التونسيون بعد الثورة- الإعداد للخمسينية لا يتم في ظرف أشهر أو حتى سنة فقط قبل الموعد -نصيب وافر للتونسيين رغم طابع المهرجان الدولي.. ومع ذلك...
انتهى مهرجان قرطاج وعاد الصمت الرهيب إلى صخور المسرح الروماني.. الخمسينية لم تكن علامة فارقة في مسيرة المهرجان.. لكن هل كنا نتوقع فعلا دورة استثنائية؟

انتهى مهرجان قرطاج الدّولي في دورته الخمسين وعاد الصمت الرهيب إلى صخور المسرح الرّوماني. عاد الصمت لمدارج مسرح قرطاج الأثري بعد أن ظلت وعلى امتداد أكثر من شهر تعج بالجماهير. وإن كان هناك من ملاحظة يتّفق عليها النقاد بشأن الدورة الخمسين لمهرجان قرطاج الدولي المنقضية منذ أيام فإنها ستتعلق دون شك بالإقبال الجماهيري الواسع على المهرجان. أغلب السهرات واكبتها إما جماهير غفيرة فاقت طاقة استيعاب المسرح أو جماهير محترمة العدد أي أكثر من المتوسط بقليل. قلما هجرت الجماهير المسرح ربما باستثناء سهرة أو سهرتين صادف أن كانت في أيام الإحتفالات بعيد الفطر.

وإذ نتوقف عند مسألة الإقبال الجماهيري فلأن الدورة الخمسين انتظمت في ظروف أمنية استثنائية وقد ضرب الإرهاب الغادر خلال المهرجان حيث سقط عدد من الجنود التونسيين في الشّعانبي من ولاية القصرين وأعلن الحداد في البلاد لمدة ثلاثة أيام وتم على إثرها تعليق الأنشطة الإحتفالية ومن بينها مهرجان قرطاج . كان من الممكن أن تدفع الظروف الأمنية والمخاوف من ضربات إرهابية جديدة ممكنة الجماهير إلى هجر المسارح وعلى رأسها مسرح قرطاج الأثري. لكن حدث العكس تماما فقد وقفنا في العديد من السهرات على إقبال جماهيري واسع. ولعلنا لن نجد صعوبة في قراءة هذا المعطى الهام ذلك أن أغلب الملاحظين والمحللين وقفوا على ذلك الإصرار عند التونسيين على تجاهل الإرهاب وتجاهل الإرهابييّن الذين يهدفون إلى دفعهم إلى التقوقع على أنفسهم وإلى أن يلزموا بيوتهم حتى يسهل عليهم تنفيذ مشاريعهم الظلامية التي تقوم على التخويف والترهيب والترويع.

وإن كان الإقبال الجماهيري كبيرا فذلك ليس فقط لحاجة التونسيين للخروج والسهر وإنما لأن مهرجان قرطاج الدولي تحوّل وعلى امتداد السنوات إلى عادة لدى الكثيرة وإلى حاجة ملحة لديهم ثم هو اليوم بمثابة قلعة للثقافة ونافذة نطل منها على ثقافات العالم وخاصة على موسيقات العالم كما أنه يتيح الفرصة لحضور عروض موسيقية وفرجوية عالمية كبرى ولعلنا في هذا السياق نعلن عدم تحمسنا بالمرة إلى التصريحات وإلى المواقف التي تنقد أو تنتقد فكرة استضافة نجوم عالميين كبار وتنظيم سهرات لمشاهير الفنانين في العالم بدعوة أن الوضع المادي والإقتصادي الصعب لا يسمح لنا بذلك.

إننا نعتقد أنه على العكس كلما تضايقنا على المستويين الإجتماعي والإقتصادي كلما كان علينا أن نركز على المبادرات الثقافية ونؤمن على غرار ما يؤكده أغلب المهتمين بالشأن الثقافي أن كل مبلغ يستثمر في الثقافة يعود على المجتمع بفوائد جمة بالنسبة للمجتمع ولعلها تكون فوائد مضاعفة عدة مرات لأنه ببساطة استثمار من أجل النهوض بالإنسان وبعقله وملكاته وذائقته وبنظرته للحياة. نحن نعتقد كذلك أنه من حق الجماهير التونسية التمتع بعروض موسيقية وفرجوية في نفس مستوى وقيمة العروض التي تقدم في المسارح الكبرى بالعالم. وقد ضمت الدورة الخمسين المنقضية لمهرجان قرطاج الدولي بعض العروض العالمية التي واكبتها جماهير غفيرة من ذلك مثلا أنه تم إضافة سهرة ثانية للموسيقي الشهير «ياني « لكثرة الإقبال الجماهيري. وقد غصت فعلا مدارج مسرح قرطاج في السهرتين ( 21 و22 جويلية ) بالجماهير.

سهرة الفنان نجم الموجة الموسيقية الجديدة ستروماي كانت من بين أنجح السهرات على المستوى الجماهيري. وقد ركز المنتقدون لإدارة مهرجان قرطاج الدولي ولوزارة الثقافة على هاتين السهرتين وانطلقا منها للدفاع عن مواقفهم الرافضة لمثل هذه العروض على أساس أنها مكلفة بالنسبة لميزانية البلاد وتستنزف رصيدها من العملة الصعبة. النقاش في هذا الباب يطول لكننا نعتقد أنه من حق الجماهير التونسية التي قد لا تتوفر لها أبدا خارج تونس فرصة حضور عروض كبرى أن يقدم لها مهرجان قرطاج الدولي هذه الخدمة ثم إن الجماهير التونسية مطلعة جيدا على الساحة الموسيقية في العالم ولها اختياراتها الواضحة ثم لا بد من الإقرار بأن مهرجان قرطاج يتوجه إلى نوعيات مختلفة من الجماهير.

عموما كانت الدورة الخمسين دورة ناجحة جماهيريا وحتى وإن كان الإقبال الجماهيري متفاوتا بين سهرة وحتى وإن تمنينا لو أن بعض السهرات حالفها النجاح أكثر على مستوى الحضور الجماهيري.

على مستوى البرنامج توقعنا أن لا تكون الدورة استثنائية لأنه ببساطة لا يمكن أن نتحدث عن برنامج استثنائي ومدير مهرجان قرطاج الدولي يقع تعيينه أشهر قليلة قبل انطلاق المهرجان. ونحن في هذا السياق نعتبر أن قبول الفنانة سنيا مبارك بتولي الدورة الخمسين للمهرجان كان فيه مجازفة كبيرة فالأمر يتعلق باليوبيل الذهبي للمهرجان والأكيد أن الفنانة سنيا مبارك كانت تدرك جيّدا أنها ستحاسب على اساس أنها مديرة الدورة الخمسين لمهرجان قرطاج الدولي. وإذ نحسب لمديرة المهرجان إصرارها على تحمل المسؤولية لوحدها وقولها بلا تردد أنها مسؤولة عن التنظيم وعن البرمجة فإنه لا يغيب عن ذهننا أن القضية تتجاوز سنيا مبارك.

فالإعداد لخمسينية المهرجان لا يتم في ظرف بضعة اشهر أو حتى عاما كاملا من قبل. الإعداد يتم أعواما قبل الموعد وبالتالي فإننا وعلى ضوء الظروف التي مرت بها البلاد والتي حكمت بإعادة النظر في الأولويات حتى أنه لاح لفترة أن هناك توجها لتغييب الثقافة والفنون أو في أفضل الحالات ركنها في أسفل درجات السلم وفي ظل عدم الإستقرار السياسي والأمني والإجتماعي الذي نعيشه بعد الثورة كنا نتوقع أن لا تكون الدورة الخمسين لمهرجان قرطاج الدولية دورة استثنائية.

كثيرون شعروا بخيبة أمل مثلا لغياب سهرة فنية عربية تجمع نجوم العرب على ركح مسرح قرطاج ونحن ومن جانبنا توقعنا أن يضم البرنامج سهرة تونسية كبرى كأن يقدم فنانو تونس مثلا ملحمة فنية يعبرون فيها عن التحولات التي شهدتها البلاد في الفترة الأخيرة. توقعنا مثلا أن تقع استضافة فنانين عرب كبار من المغرب العربي ومن المشرق العربي ومن الخليج العربي لكن كل ذلك يتطلب وقتا وإعدادا كبيرا.

حتى الأسماء التي كان وزير الثقافة الحالي مراد الصكلي ( كان قد أدار المهرجان في الدورة التاسعة والأربعين ) شبه متأكّد من حضورها على غرار الفنانة العالمية آديل والفنانة الكبيرة فيروز لم تسجل حضورها لان الأسماء الكبيرة لها برنامج محدّد قبل سنوات. وربّما نستغل هذا الحيّز للإشارة إلى أن مقارنة مهرجان قرطاج الدولي مع مهرجانات عربية وأجنبية لا تصح لأن لمهرجان قرطاج طابعه الخاص. فعروض المهرجان لا تقام في الشوارع والساحات العمومية بل في مسرح عريق وله خصوصياته وآدابه كما أن الدول الأخرى لم تتردد في إنفاق المليارات للنجوم وللدعاية كي تتمكن مهرجاناتها من فرض نفسها وانتظرت طويلا قبل أن تتمكن من تحقيق شيء من التوازن بين النفقات والمداخيل.

أما إذا ما عدنا لبرنامج مهرجان قرطاج الدولي في دورته الخمسين المنقضية فإننا نقول أنه لم يكن دسما ولم يكن ضعيفا كذلك. هناك عدة عناوين ولحظات مهمة. فإلى جانب سهرتي ياني وستروماي هناك بعض السهرات الأخرى التي كانت ناجحة جماهيريا وفنيا ونذكر من بينها عرض « بوليود أكسبريس» الهندي وقد كان عرضا رائعا يبث فيك ذلك الفرح الداخلي الذي تشتاقه. هناك ايضا عرض الفنان الرائع جورج بانسون الذي قدم سهرة راقية جدّا كما أنه برهن على أنه مازال يتمتع بامكانيات صوتية كبيرة وأن صوته حافظ على شبابه الدائم وتمكن هو أيضا من نشر الفرح في المسرح وفي قلوب الجماهير. كان هناك الرائع مرسال خليفة مرفوقا بالأوركاستر السمفوني التونسي وبالفنانة ذات الصوت الطروب والعذب أميمة الخليل. من السهرات الأخرى التي نجحت جماهيريا وفنيا كذلك سهرة الفنان صابر الرباعي لكن مقابل ذلك نعتبر أن سهرة الفنانة نانسي عجرم ورغم حضورها الركحي الباهر كانت جد عادية فنيا في حين فوجئنا بالآداء العادي جدا للفنانة كارول سماحة التي لم تكن مقنعة بالمرة في سهرتها المشتركة مع الفنان محمد الجبالي. كما أن شيرين عبد الوهاب خيبت آمال الجماهير ولم تقنع النقاد.

وإن كانت سهرة الإفتتاح ( 10 جويلية ) ناجحة جدا على مستوى الإقبال الجماهيري وإن كنا نعتبر أن أنور براهم كسب الرهان بتقديم نوعية من الموسيقى عادة تصلح للفضاءات الحميمية والمغلقة, قدمها في مسرح قرطاج للهواء الطلق واستقطب الجماهير الذين استمعوا إليه في صمت رهيب فإن سهرة الإختتام ( 16 أوت ) كانت من منظورنا فاشلة تماما حتى أن الظروف المناخية لم تكن مواتية ليلتها وكنا نتمنى لو أن الإختيار لم يقع على مجموعة «موزار أوبيرا روك « لأن السهرة كانت باهتة ومخيبة للآمال.

لعلنا نشير إلى أنه من بين إضافات مهرجان قرطاج في الدورة المنقضية تقديمه لأسطورة «بيتر بان» الشهيرة على الجليد وهي بادرة قوبلت بترحيب خاصة وانه تم تحويل ركح مسرح قرطاج إلى فضاء للرقص على الجليد.

على مستوى البرمجة السينمائية فوجئ الجمهور بإلغاء فيلم « عمر « لهاني أبو اسعد الذي انتظره كثيرا خاصة وأن الفيلم حظي بترحيب النقاد أينما حل مقابل ذلك تم تقديم الفيلم التونسي الجديد لرجاء العماري « ربيع تونس» في عرضه العالمي الأول كما تم عرض فيلم مانديلا على الشاشة الضخمة بمسرح قرطاج الأثري. المهرجان قدم عرضا من انتاجه الخاص بمناسبة الخمسينية وهو عرض «المنسية «من أخراج لسعد بن عبد الله الذي استلهمه من التراث الموسيقي التونسي الخاص بجهة الشمال الغربي والجنوب الغربي كما سجل عودة الموسيقي رياض الفهري في عرض جديد بالمناسبة. الدورة الخمسون للمهرجان شهدت عدة عروض تونسية أخرى نذكر منها «عرض أناشيد السلام « لمحمد الماجري وعرض ناقوس لمنير الطرودي. قدم شكري بوزيان عرضا له بالمناسبة وقدم نور شيبة عرضا ناجحا خاصة على المستوى الجماهيري وحضر الأمين النهدي بعرضه الجديد «ليلة على دليلة « وكان الجمهور في الموعد بكثافة في حين قدمت نبيهة كراولي عرضها في متحف قرطاج. وكانت نسبة الحضور التونسي عموما في هذه الدورة وافرة رغم طابعه الدولي ومع ذلك فإن عدة أصوات ارتفعت منددة بما أسمته منح الأولوية للأجنبي على حساب التونسي. وهذا أيضا موضوع يطول النقاش حوله.

انتهى المهرجان في دورته الخمسين بعد أن تواصل من 10 جويلية إلى 16 أوت بسلام خاصة وكما سبق وذكرنا كان كل شيء ممكن في ظل ظروف البلاد المعروفة لكن السؤال الذي يطرح منذ عدة دورات ويطرح اليوم مجددا متى تنتهي عملية مراجعة التشريعات في مجال الثقافة ومتى يعلن عن بعث مؤسسة مهرجان قرطاج الدولي؟

حياة السايب

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة