عرض «المنسية» بمهرجان قرطاج: لسعد بن عبد الله يعزف على أوتار الذاكرة الشعبية.. وتفاعل جماهيري فوري - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Mar.
19
2019

عرض «المنسية» بمهرجان قرطاج: لسعد بن عبد الله يعزف على أوتار الذاكرة الشعبية.. وتفاعل جماهيري فوري

الجمعة 15 أوت 2014
نسخة للطباعة
◄ صالح الفرزيط والتليلي العماري وعبد الرحمان الشيخاوي حيّروا الأشواق والشجن
عرض «المنسية» بمهرجان قرطاج: لسعد بن عبد الله يعزف على أوتار الذاكرة الشعبية.. وتفاعل جماهيري فوري

من خصائص مهرجان قرطاج الدولي في دورته لهذا العام أنه يقوم بين سهرة وأخرى بمنعرج قد يبلغ 380 درجة دفعة واحدة. ويمكن أن ينتقل بنا مثلا من الموجة الموسيقية الجديدة والموسيقى الإلكترونية الصارخة إلى أعمق ما يترسّب في ذاكرة التونسيين من فن شعبي وموسيقى تقليدية.

تغيّر قانون الجاذبية (في الليالي الأخيرة في المهرجان) بين سهرتي « ستروماي» نجم الموجة الجديدة وبين عرض»المنسية « للفنان لسعد بن عبد الله وما بينهما سهرة الفنانة نانسي عجرم تغييرا كاملا. لكأننا انتقلنا من كوكب إلى آخر ومن عالم إلى آخر. وإذ كانت سهرة ستروماي سهرة من طراز حديث جدا, الكلمة فيه لللقيثارة الكهربائية والباتري ولوحة مفاتيح آلة الأورغن فإن عرض « المنسية « أعلن ليلتها تتويج آلات القصبة أو الزكرة والدربوكة والدف وغيرها من آلات النفخ والإيقاع التقليدية نجوما في السهرة.

عرض» المنسية « أبحر بنا إلى داخل الذات. كل شيء فيه نابع منا. لغته, الأشعار والألحان والرقصات. اللوعة والفرح واليأس والأمل كلها تعبرعنا. ومنذ أول نقرة على «الدربوكة» هاجت أشواق الجماهير بمسرح قرطاج واندفعت الناس لترقص بكل جوارحها. التجاوب كان فوريّا. ولم تكن الجماهير في حاجة للتركيز على ما يحدث على خشبة المسرح فقد كانت وكأنها تستجيب إلى نداء داخلي.

كانت تحتاج فقط لمن يحرك فيها الرغبة في القيام برحلة في أعماق الذات بعد سفر طويل في العصر جعل الناس تكاد تفقد مرجعياتها وتكاد تنسى ماضيها على الرغم مما فيها من جمال ومن فرح ومن ابداع. وهو ما قام به تحديدا لسعد بن عبد الله عندما مدّ يده إلى التراث الثري ليقطف منه باقة مشكّلة صنع منها عرض المنسية.. كل ما قام به أنه نفض الغبار عن معادن نفيسة فظهر بريقها وانبعثت أشعتها إلى كامل المسرح. استعان بطبيعة الحال بفنانين كبار منهم من ساهموا في تشكيل الذاكرة ومن بينهم صالح الفرزيط وكذلك الفنان المعروف جدا خاصة في منطقة الجنوب الغربي التليلي العماري.

كان هناك أيضا نجم الأغنية الشعبية عبد الرحمان الشيخاوي. نذكر كذلك الفنانين والشعراء الشعبيين علي العبيدي والعروسي الزبيدي وسليم المبروكي وايوب بن مسعود وغيرهم. وقد استضاف العرض الفنان الشعبي الجزائري سعيد اللموشي الذي قدم أغنيتين في السهرة وشدد على الوحدة التي تجمع بين « الجزائر البيضاء « وتونس الخضراء.

كانت السهرة قد انطلقت بتحية إلى المرأة التونسية في عيدها الوطني ثم البعض من الشعر الشعبي ثم انطلق العرض واتخذ نسقا تصاعديا. موسيقى ورقص وغناء شعبي ومواويل وانخراط كامل في طقوس المناطق التونسية الممتدة على كامل الشريط الحدودي الغربي مع الجزائر المعروفة بتراثها الفني الغني والمتنوع والمعروفة بأن الفن بالنسبة لأصيلي هذه المناطق عبارة عن طبيعة ثانية.

أغلب الأغاني المنتقاة بالمناسبة على غرار « يا حمامة طارت « و»في يوم فراقك يا شامّة « و»لسود مقروني» و»يا لمّيمة « و»قالولي روّح برّاني « وغيرها كثير أثارت حماسة الجماهير التي شاركت بالغناء والثناء على آداء المطربين والعازفين والتي هللت وهتفت وانطلقت الزغاريد في عدة مناسبات من حناجر النساء وعبقت رائحة البخور وتحركت في الجماهير نشوة الإنتماء لهذه الأرض.

نهل لسعد بن عبد الله من «الرقراقي» والصالحي وغيرها من الأنماط الموسيقية التقليدية التي أدخلت الجمهور في « تخميرة « حقيقية وحررته منذ اللحظة الأولى التي استمع فيها إلى صوت القصبة يدغدغ أحاسيسه وإلى صوت الدف والدربوكة وكل آلات الإيقاع التقليدية حتى أمضى السهرة مشاركا في العرض أكثر منه متفرجا أو ملاحظا.

فقد انتقى لسعد بن عبد الله الذي استعان بمصمّمي رقصات محترفين وبعازفين وملحنين معروفين ( رشيد يدعس ومحمود الورتاني وغيرهم ) انتقى جيدا الألحان والأغاني التي تستدرج الجمهور وتفك قيوده وتحرره من آخر دفاعاته فينخرط مع الجميع في الرقص وتصدر عنه من حين لآخر هتافات وتحية لهذا المطرب الشعبي أو للآخر. فالعرض من التونسي وإليه.

العديد من الأغاني ووجود بعض الأسماء على غرار التليلي العماري وصالح الفرزيط مثلا في حد ذاته يحيّر المواجع ويثير الشجون ويفتح باب الذكريات واسعا. فنتذكّر أفراحنا وأوجاعنا واجتماع العائلة وطقوسنا وحتى تلك التفاصيل الصغيرة من ذلك مثلا محاولات شباب الحي اقتحام الأعراس بالقوة. وقد ضم الحفل عدة لوحات كوريغرافية نفذها شباب رياضي ومتمكّن أطلوا على الجمهور كاشفين الصدور ومستعرضين لقوة العضلات ولعنفوان الشباب.

معركة فرض فيها الشباب لونه إلى حين ارتفع صوت الرصاص ليقتل الشباب الذي يرقص على نغم الحياة.

بقي أن البعض تساءل عن مفهوم آداء الشباب لرقصة الحزام التي هي من المفروض رقصة نسائية بالأساس وهو ما يقودنا ربما للتساؤل عن غياب المرأة في هذا العرض.

 مهرجان قرطاج الدولي كان قد أعلن أنه يقدم في سهرة 13 أوت عرض «المنسية « للفنان لسعد بن عبد الله احتفالا بالعيد الوطني للمرأة التونسية. لكن الجماهير الحاضرة بالمناسبة تفطنت إلى أن العرض رجالي بحت حتى أن الرقصات التي يمكن أن نقول أنها نسائية صرفة أداها بدلا عنها رجال. وربما نعترف في هذا السياق أننا كنا وعلى امتداد فترات العرض الذي دام أكثر من ساعتين نتوقع في كل لحظة أن تطل علينا راقصات أو مطربات لكن لسعد بن عبد الله أصر على اختياره حتى أن طيف المرأة الذي ظهر للحظات على الركح لم نجد صعوبة كبيرة في اكتشاف أن الأمر يتعلق برجل حتى وإن كان الطيف قد أحكم القبضة على « السفساري ( الغطاء التقليدي للمرأة التونسية ).

ربما للمخرج والفنان لسعد بن عبد الله قراءته الخاصة وقد تكون المنسية هي الروح التونسية والذاكرة الشعبية التي يراها مهددة بالتلاشي والذوبان المهم أن النساء جسديا كن غائبات تماما مقابل ذلك كانت المرأة كموضوع وكمحور اهتمام حاضرة بقوة في الأغاني والأشعار والأزجال.

«المنسية» وهو الإنتاج الجديد الذي قدم في عرضه الأول في مهرجان قرطاج الدولي (سهرة الإربعاء) وفي إطار دورته الخمسين التي تختتم غدا هو عبارة عن حفريات في الذاكرة الفنية والشعبية للمنطقة الغربية للبلاد التونسية الممتدة من الشمال والجنوب والتي تقع على الشريط الحدودي مع الجزائر.

هي إن أردنا مواصلة لمشاريع مماثلة انطلق فيها الفاضل الجزيري الذي أحيا طقوس الحضرة وقام بها أيضا مسر العقربي وغيرهما. هي مواصل كذلك لمشروع انطلق فيه لسعد بن عبد الله منذ عرض «المنسيات» الخاص بتراث منطقة الكاف. المهم أن الحفريات الفنية متواصلة فالتراث الفني والثقافي التونسي وكما يؤكده المختصون بحر واسع كلما اكتشفنا البعض منه إلا واستدرجنا إلى ما هو أعمق.

حياة السايب

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة