ممنوع من الحياد: ماذا بعد الصدمة؟ - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأربعاء 14 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
15
2018

ممنوع من الحياد: ماذا بعد الصدمة؟

السبت 12 أفريل 2014
نسخة للطباعة

الامر لا يتعلق بكذبة أفريل ولا بنكتة ثقيلة ولا حتى بخبر كنا نتمنى أن يكون زائفا في زمن تواتر الأخبار المفجعة التي ما انفكت تصيب العامة بالصدمة تلو الأخرى، ولكن بحقيقة محبطة ومدمرة لكل الاحلام والتطلعات التي بنيت بعد الثورة بعد إقرار رئيس الحكومة السيد مهدي جمعة بالأمس باضطرار الدولة لاقتراض مبلغ 350 مليون دينار لتسديد أجور شهر أفريل الجاري، وهو ما كان عديد الخبراء ورجال الاقتصاد حذروا منه منذ فترة، قبل حتى أول حديث يتوجه به رئيس الحكومة للرأي العام بعد توليه منصبه وكذلك قبل خروج الناطق الرسمي باسم الحكومة لرفع كل التباس حول هذه المسالة والتأكيد على حساسية وتعقيدات المشهد الراهن .
ولعله من المهم الآن التساؤل جديا: ولكن ماذا عن الشهر القادم والمرحلة القادمة؟ وهل سنواصل طريق الاستجداء ومد اليد والاقتراض لمجرد الاستهلاك وتأمين الأجور وتفادي الأسوأ عندما تعم الفوضى البلاد؟
قديما قيل: لا خير في أمة تأكل ما لا تنتج، وهي بالتأكيد حكمة لا تسقط مع مرور الزمن. فأغلب الأمم والشعوب التي استطاعت أن تفرض موقعا لها بين الأمم هي تلك التي استطاعت تحقيق أمنها الغذائي والمائي وأن تحقق كرامة ورفاهية شعوبها واستقلاليتها، ولنا في المثالين الألماني والياباني بعد الحرب العالمية الثانية أكبر وأعظم عبرة، ومن بعدهما نمور آسيا التي نجحت في تخطي الأزمة المالية للتسعينات وغيرها من الدول التي تصدت للفساد والاستبداد وجعلت مواطنة المواطن وحقه في ثروات البلاد فوق كل الاعتبارات، فعززت ثقته في فرص الحياة وجعلت منه شريكا في المجال الاقتصادي وفي العمل السياسي، فخيّر بالتالي أن يكون مسؤولا واعيا بدل أن يكون عالة وعبئا على مجتمعه .
قد يكون من السذاجة أن نسأل: لماذا بلغت بلادنا ما بلغته من تدهور وتراجع اقتصادي كان يمكن أن يؤدي الى ضياع سيادة البلاد لو أن المجتمع الدولي لا يزال يعتمد تلك القوانين الجائرة السالبة للحريات والتي كانت وراء انتصاب القوى الاستعمارية والهيمنة على خيرات الشعوب وثروات الدول المحتلة طوال القرون الماضية، والحال أن أصوات أهل الاختصاص والخبراء من رجال الاقتصاد طالما دقوا ناقوس الخطر.
أما وقد تغير الحال ولم تعد الديون الخارجية سببا في الاحتلال المباشر للأوطان فإنها حتما ستظل سببا في مصادرة القرار الوطني ومنطلقا لتغييب السيادة تحت عناوين مختلفة كلما كانت هناك حاجة للاقتراض واللجوء الذي ليس منه بد للمنظمات المالية الدولية وغيرها. وربما تغني تصريحات مدير البنك المركزي الشاذلي العياري بأن عجز الميزان التجاري الوطني أخطر من العجز في الميزانية العامة للبلاد نظرا لما يتطلبه من موارد مالية من العملة الصعبة والتي تتراوح اليوم بحدود 98 يوما، عن أي تعليق...
طبعا لسنا نملك رفاهية الخيار ولا مجال اليوم للانتظار الى حين اعلان افلاس البلاد نهائيا، وربما كان أحرى برئيس الحكومة لو أنه بكّر في مصارحة الرأي العام والاعتراف بما بلغته البلاد من انهيار في أعقاب مرحلة الفشل التي سادت بعد الثورة وسوء التقدير والتوقعات المبالغ فيها بشأن عائدات الأملاك المصادرة وما بني عليها آنذاك من آمال وأحلام تحولت لاحقا الى سراب مع تفاقم افلاس خيارات ورهانات الحكومات المتعاقبة لإنقاذ الاقتصاد والبلاد وغلبة منطق الغنيمة على المصلحة الوطنية في تحديد الحلول المطلوبة للازمات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية فزادت الإضرابات والوقفات الاحتجاجية المتكررة في تردي المشهد مع امتداد عقلية المصالح الذاتية بما زاد في نفور المستثمرين المحليين والأجانب وتراجع السياحة في بلد كانت ولا تزال السياحة احد أهم موارده...
كل ذلك طبعا اذا ما أضيف اليه سوء التصرف الحاصل وما تردد عن سوء استغلال لهبات ومساعدات مالية أجنبية لفائدة البلاد قبل أن تجد طريقها بشكل أو بآخر توظف لصالح جمعيات شعارها العمل الخيري وباطنها حسابات حزبية سياسية...
الآن وبعد زوال الصدمة ربما آن الأوان أيضا لمن يواصلون رفع راية الشرعية الانتخابية المفقودة والمجلس سيد نفسه وما يستلزمه من ميزانية غير مبررة بعد الانتهاء من الدستور ومعه الرئاسة الموقرة، الانتباه لحجم الكارثة والمبادرة بتقديم المثال فعلا لا قولا، واعتماد التقشف والتخلي عن لزوم ما لا يلزم في أسفارهم وتنقلاتهم والتوقف معها عن الحملات الانتخابية السابقة لأوانها واستغلال موارد الدولة لتحقيق ذلك في الداخل والخارج، حتى لا يكون المواطن وتحديدا الطبقة المهمشة وحدها دون غيرها، هم المطالبون كما في كل المصائب والشدائد بمزيد شد الاحزمة التي توشك أن تخنق أصحابها وتمنعهم من التنفس...
لا بديل اليوم وقد باتت الأرقام الرسمية تؤكد وجود 1,7 مليون نسمة تحت خط الفقر، من المصارحة والمساءلة الكاملة، فالأمر لم يعد يتعلق بحلول وهمية أو مسكنات تساعد في تهدئة الأوضاع الى حين، ولكن بالخطوط الحمراء التي لا يمكن لكل الخطب السياسية ولكل الحلول والخيارات الامنية أن تساعد على تجاوزها.

 

آسيا العتروس
    

إضافة تعليق جديد