في زمن الإفلاس.. المهمة إحصاء الضحايا - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 23 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
23
2018

ممنوع من الحياد

في زمن الإفلاس.. المهمة إحصاء الضحايا

الخميس 10 أفريل 2014
نسخة للطباعة

إذا كان للذكرى العشرين لمجزرة رواندا التي ذهب ضحيتها أكثر من مليون من البشر خلال فترة زمنية قياسية من أهمية، فهي بالتأكيد أنها تعود لتسقط بقية من أقنعة لم تعد تحجب الكثير وتكشف ما خفي من افلاس وعجز مجتمع دولي بلا إرادة فاعلة، وصناع قرار بلا قرار يذكر عندما يتعلق الامر بمصائب الشعوب البائسة التي باتت أشبه ببضاعة منبوذة في سوق الديبلوماسية التي اختلط فيها الجيد بالفاسد فطغى فيها الفاسد.

لم يتخلف زعيم أو سياسي في ذكرى مجازر رواندا عن ادانة ما حدث والدعوة الى تفادي تكرار المأساة التي شكلت صدمة للضمير الإنساني فيما لا يزال أهالي الضحايا ممن كتبت لهم النجاة، غير قادرين على لملمة جراحهم الغائرة في أعقاب أسوإ مجزرة في العصر الحديث والتي استهدفت أقلية التوتسي، الذين مازالوا ينتظرون تحقيق العدالة المصادرة.

والواقع أن في إصرار السلطات الرواندية على اقصاء فرنسا من المشاركة في هذه الذكرى واتهامها بالتواطؤ وتحميلها المسؤولية في تلك المجزرة لا يجب بأي حال من الأحوال أن يلغي مسؤولية الأطراف الاخرى على الساحة بدءا بالسلطات الرواندية، وصولا الى المنظمات الدولية والإقليمية التي جعلت من الحفاظ على الامن والسلم هدفا أساسيا من وجودها، وأفردت لذلك بنودا لتجميل ميثاقها، ولكنها تعمدت تجاهل الانتهاكات والخروقات التي استهدفت الأقليات، تماما كما غضت الطرف عن صفقات السلاح وأدوات القتل والدمار المستوردة من مصانع الغرب...

طوال عشرين عاما بعد مجزرة رواندا لم يفتح باب المحاكمات، والمحاكمة الوحيدة التي تمت لم تساعد أهالي الضحايا على بلسمة جراحهم، بل زادتهم قناعة بأن العدالة الدولية أمر مؤجل التنفيذ وقابل للتطويع حسب لعبة المصالح، وكل مذبحة بذلك الحجم لا يمكن أن تكون حدثا عرضيا في التاريخ.

بل الواقع أن مجزرة رواندا في ذكراها العشرين لا يمكن أن تغيب الاهتمام بمجازر آدمية أخرى لا تقل فظاعة عنها، ومنها ما تعرض له أهالي البوسنة من تصفية في سربرنيتشا، وما تعرض ويتعرض له الفلسطينيون منذ مجزرة دير ياسين وقبية... ولعلها الصدفة وحدها التي شاءت أن تتزامن ذكرى مجزرة جنين بالأمس مع المجازر المستمرة في العراق بعد أكثر من عقد على سقوط بغداد...

مهمة المجتمع الدولي اليوم، وللأسف، لم تعد تتعدى تقديم التقارير حول عدد الضحايا في مختلف الصراعات والحروب العرقية والاهلية القائمة، بل إن أكثر ما يمكن اليوم للمجتمع الدولي تقديمه رصد حصيلة القتلى وقوافل شهداء التفجيرات اليومية من العراق الى سوريا وليبيا واليمن ومصر...

لغة الأرقام لم تعد اليوم تعني القليل أو الكثير في حياة الشعوب، فلا أحد اليوم بإمكانه أن يؤكد ما اذا كانت حصيلة الحرب في العراق ستمائة ألف أو ثمانيمائة ألف ضحية، أو ما اذا كانت تعدت المليون ضحية، والأرجح أن الرقم لن يكشف يوما خاصة وأن القضاء على نظام صدام لم يحمل في طياته الديموقراطية الموعودة التي بشرت بها إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش، ولا هي حملت للعراقيين الامن والاستقرار وأبعدت شبح تقسيم بلادهم وجعلتهم ينعمون بحياة أفضل ويستفيدون من عائداتهم النفطية...

سيكون من السذاجة أن نسأل ان كان بإمكان العالم تفادي مذبحة رواندا أو ما سبقها من مجازر موثقة في عالم التكنولوجيا الحديثة وسرعة انتقال المعلومة، وما اذا بإمكان العالم تفادي الأسوأ، والحال أن ما يحدث في سوريا اليوم من صراع دموي ومن مجازر بشرية يتم تحت سمع وبصر العالم وبتواطؤ معلن من أطراف دولية وجدت في سوريا مسرحا مفتوحا لحروب وليس حربا واحدة تقاد بالوكالة ووجدت في مأساة الشعب السوري مجالا مفتوحا لاستعراض طموحاتها السياسية اللامحدودة وفي دماء السوريين بورصة للمزايدات والرهانات بآلام ومعاناة الشعوب، كل ذلك في زمن تغيب فيه الشرعية الدولية وتعجز معه القرارات الدولية ويصاب معه الضمير الإنساني بداء غياب الوعي المستمر الى درجة الموت السريري...

 ذلك هو زمن يفخر فيه المجتمع الدولي بأن أكبر إنجازاته باتت محددة في إحصاء ورصد سجلات الموتى، أما الاحياء فتلك مسألة أخرى ومعاناة منسية في المخيمات والملاجئ وما تخفيه لعبة الاقدار... وكما حدث في رواندا وسربرنيتشا وربما غيرهما، سينتظرون عشرين عاما وقد يأتي يوم يعلنون فيه الحداد على ضحايا المجازر اليومية في سوريا ويحصدون بذلك جوائز إضافية تشهد بعجز وإفلاس المجتمع الدولي...

 آسيا العتروس

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة