الدروس المستفادة.. وتلك التي لم يستفد منها - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الاثنين 12 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
13
2018

بعد 20 عاما على أعمال الإبادة الجماعية في رواندا

الدروس المستفادة.. وتلك التي لم يستفد منها

الثلاثاء 8 أفريل 2014
نسخة للطباعة
بعد 20 عاما على أعمال الإبادة الجماعية في رواندا: الدروس المستفادة.. وتلك التي لم يستفد منها

بقلم: بان كي مون

اليوم، في جمهورية أفريقيا الوسطى، يكافح كل من الحكومة وقادة المجتمعات المحلية جاهدين من أجل مساعدة البلد على أن يجد طريق السلام.

وفي يوم الاثنين، في كيغالي، سوف أشارك شعب رواندا في الاحتفال بالذكرى العشرين لأعمال الإبادة الجماعية التي لا تزال أصداؤها تتردد عبر مساحات شاسعة تكتنفها حالة من عدم اليقين في منطقة البحيرات الكبرى الإفريقية، وفي الضمير الجماعي للمجتمع الدولي.

ولكل حالة من هاتين الحالتين دينامياتها الخاصة بها. وكذلك الأمر بالنسبة للنزاع في سوريا، حيث يسقط كل يوم ضحايا جدد.

غير أن كلا منها شكلت تحديا مستعصيا تحتدم فيه المعركة بين الحياة والموت: فما الذي يستطيع أن يبذله المجتمع الدولي عندما تذبح أعداد كبيرة من السكان الأبرياء، وتقف الحكومة عاجزة عن حماية مواطنيها، أو غير راغبة في حمايتهم - أو ضالعة في هذا العنف مع جميع من يمارسونه؟ وما الذي بمقدورنا أن نفعله لمنع هذه الفظائع من أن تحدث، في المقام الأول؟

إن أعمال الإبادة الجماعية التي ارتكبت في رواندا وسريبرينيتشا تبقى رمزا لإخفاق المجتمع الدولي. إن حجم الأعمال الوحشية التي ارتكبت في رواندا ما زالت تهز المرء في أعماقه:

000 10 قتيل كل يوم، وتتكرر المأساة يوما بعد يوم، لمدة ثلاثة أشهر، تصاحبها برامج إذاعية تبث الكراهية، وتشعل نار الفتنة بين الروانديين، وتحرضهم على أن يقتل أحدهم الآخر.

لقد قطع المجتمع الدولي، منذ ذلك الحين، خطوات هامة في العمل بناء على الدروس المستفادة من تلك الأحداث المروعة. ونحن الآن متحدون في كفاحنا ضد الإفلات من العقاب، مجسدا في إنشاء المحكمة الجنائية الدولية. وهناك محاكم دولية ومحاكم تتلقى المساعدة من الأمم المتحدة، ومن بينها المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، تسعى إلى تحديد المسؤولين عن ارتكاب تلك الجرائم، ولها أثر ردعي جلي على المنتهكين المحتملين للقواعد الدولية. ففي حكم تاريخي، أدين رئيس دولة سابق بارتكاب جرائم حرب.

لقد أكد المجتمع الدولي مسؤوليته عن تقديم الحماية، فلم يعد باستطاعة الدول أن تزعم أن الجرائم الفظيعة التي ترتكب فيها هي مسألة محلية تقع خارج نطاق اهتمامات المجتمع الدولي. فهناك أعداد متزايدة من الحكومات والمنظمات الإقليمية تقوم بإنشاء آليات مكرسة لمنع أعمال الإبادة الجماعية. وتقوم الأمم المتحدة وشركاؤها، على نحو أكثر تواترا، بنشر مراقبي حقوق الإنسان في المناطق المضطربة - إنهم عيون وآذان تقول للحكومات والجهات الفاعلة غير الحكومية، على السواء، إن العالم يراقب. ولما كانت هذه الجرائم تحتاج إلى تدبير، فإننا نستهدف عوامل الخطر الرئيسية، بدءا من الافتقار إلى المؤسسات، وانتهاء بالمظالم التي لا تجد من ينصفها.

ونحن نعمل أيضا بحزم أشد من أجل حماية المدنيين من العنف الجنسي المتفشي. وقد تسنى، باتباع نُهج حازمة في حفظ السلام، إلحاق الهزيمة بإحدى أشد الميليشيات وحشية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. وفتحت الأمم المتحدة في جنوب السودان أبواب منشآت حفظ السلام لإيواء عشرات الآلاف من الناس لحمايتهم من خطر الموت. وقبل عشرين عاما، ما كانت هذه الخطوات لتخطر في البال. واليوم تتجلى هذه السياسة بإصرار، مثالا على مبادرتنا الجديدة في العمل، وهي أن الحقوق تأتي في المقدمة - وذلك درس من رواندا أصبح واقعا ملموسا.

غير أن هذه الحالة واجهت انتكاسات متكررة. لقد انتهت الحرب الأهلية في سري لانكا في عام 2009 بعد سقوط عشرات الآلاف من القتلى وإخفاق الأمم المتحدة في أن تقول أو تفعل شيئا. وها هو المجتمع الدولي، بعد ما يزيد عن ثلاث سنوات، لا يزال منقسما بشأن كيفية الرد على الحالة القائمة في سوريا، ولا يقدم سوى جزء بسيط من التمويل الإنساني اللازم، في حين يؤجج نار الفتنة بتقديم السلاح إلى الجانبين كليهما، معتقداً خطأً بإمكانية التوصل إلى حل عسكري.

إن العالم بحاجة إلى التغلب على هذه المنظورات الأخلاقية العمياء. قد يكون لدى الدول الأعضاء تعاريف متعارضة لمصالحها الوطنية المتنافسة، أو قد تكون غير راغبة في التعهد بالتزامات مالية أو عسكرية جديدة. وقد تكون متهيبة من تعقيدات الأوضاع ومخاطرها، أو ربما يساورها القلق من أن مناقشة أزمة وشيكة في بلدان أخرى يمكن أن توجه الأنظار، في يوم من الأيام، نحو أوضاعها هي. ولكن النتائج المستخلصة من هذه اللامبالاة وهذا التخاذل تبدو جلية، وهي سفك دماء الأبرياء وتدمير المجتمعات. ويبقى القادة يرددون القول، المرة تلو الأخرى: يجب ألا يحدث هذا مرة أخرى أبدا، وهو أمر يدل، في حد ذاته، على إخفاق مستمر.

وعلى مدى العقد الماضي، كافحت جمهورية أفريقيا الوسطى من أجل التوعية على الصعيد العالمي بالمحنة التي تمر بها، وقد عانت، خلال العام الماضي، من انهيار الدولة، ومن الانزلاق في الفوضى، ومن جرائم قتل جماعي مروعة بثت الرعب على نطاق واسع، وأفضت إلى هجرات جماعية. فهناك أناس يستغلون الهوية الدينية للاقتتال من أجل تحقيق أهداف سياسية على المدى البعيد، مهددين بذلك تقاليد طويلة الأمد من التعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين.

وأود أن أناشد المجتمع الدولي أن يقدم الدعم العسكري اللازم بصورة ماسة لإنقاذ الأرواح، وإعادة الشرطة إلى الشوارع، وتمكين الناس من العودة إلى مجتمعاتهم المحلية. لقد قام الاتحاد الأفريقي وفرنسا بنشر قوات، ولكن الجهود التي بذلها الاتحاد الأوروبي لنشر قوات لم تفض إلى شيء حتى الآن. وهناك حاجة ماسة بنفس القدر إلى بدء عملية سياسية يبرز فيها عنصر المصالحة جليا. ذلك أن زيادة انتشار العنف قد تؤدي إلى اجتياحه منطقة أوسع نطاقا.

وعندما يكون الانهيار في بلد ما بهذه الفداحة، فقد تبدو التحديات عصية على الحل. غير أن التاريخ يثبت خلاف ذلك. لقد كان من شأن الدعم المستمر الذي قدمه المجتمع الدولي أن ساعد سيراليون وتيمور - ليشتي على خوض تحولات كبيرة. وحققت رواندا مكاسب ملحوظة في مجال التنمية. واستطاعت بلدان أخرى أن تضمد جروحها بعد حالات عنف لا توصف.

وتستطيع جمهورية أفريقيا الوسطى أن تسير على نفس الدرب. وسوف أواصل الوقوف إلى جانب الحكومة في رسم مسار يمكن أن يبني بلدا مستقرا ومزدهرا بإمكانه، بما لديه من موارد وتقاليد، أن يحققها.

وفي رواندا، سأقوم بزيارة النصب التذكاري لجريمة الإبادة الجماعية، وسوف أقوم بتأبين الضحايا، كما كنت قد فعلت في أحداث مأساوية أخرى شكلت تحديا للعالم، من أوشفيتز وكمبوديا قبل عقود من الزمن، إلى مآس أخرى في عصرنا هذا.

إن المجتمع الدولي لا يستطيع أن يدعي أنه مهتم بما يُرتكب من جرائم مروعة ثم يتراجع عن الالتزام بالموارد وإبداء الإرادة اللازمة لمنعها، بالفعل، من أن تحدث. وعلى قادة العالم أن يفعلوا المزيد لمنع ما يمكن منعه، وأن يتصدوا للأعمال الوحشية الجارية أمام أعيننا. وينبغي أن يضع الناس في كل مكان أنفسهم مكان أولئك المستضعفين، من سوريا إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، وأن يتساءلوا عما يمكن أن يقوموا به أيضا من أجل بناء عالم يقوم على إعمال حقوق الإنسان وتحقيق الكرامة للجميع. دعونا نظهر للناس الذين يتعرضون لتهديدات خطيرة أنهم ليسوا وحدهم، وأن الحياة التي يصبون إليها هي في طريقها إليهم.

 

(*) الأمين العام للأمم المتحدة

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد