رأي اقتصادي : قراءة في حتمية إصلاح أنظمة التقاعد - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 21 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
21
2018

رأي اقتصادي : قراءة في حتمية إصلاح أنظمة التقاعد

السبت 5 أفريل 2014
نسخة للطباعة

إن المتابع للوضعية المالية الحالية لصناديق الضمان الاجتماعي يدرك بطريقة تكاد تكون بديهية بأن إصلاح أنظمة التقاعد أصبح حتميا وعاجلا، وذلك لعدة عوامل نذكر أهمها  :

- العجز المسجل على مستوى نظام الجرايات والذي ينبئ، إذا ما بقيت الوضعية على حالها، باختلال كبير في التوازنات المالية للصناديق .
-  التزايد المطرد في عدد المتقاعدين بنسق أسرع من تطور عدد النشيطين المباشرين الذين يمولون نظام الجرايات وفق مبدأ التكافل بين الأجيال الذي يستند عليه النظام التوزيعي، وذلك نتيجة تدهور المؤشر الديمغرافي.
- انخفاض عائدات التوظيف المالي المرتبط أساسا بتآكل الاحتياطات.
- ارتفاع مؤمل الحياة ليبلغ خلال 2012 معدل 75,6 سنة،  يمثل فيها مؤمل الحياة عند النساء مقارنة بالرجال 106,4%، حسب إحصائيات اليونيساف، بعد أن كان في حدود 51,5 في سنة 1970 و 68,8  في سنة 1990، مما انجر عنه ارتفاع في مدة الانتفاع بجراية وبالتالي تطور ملحوظ في النفقات .
- النقص المسجل على مستوى استخلاص المساهمات الراجع أساسا إلى تدني حجم الاستثمار وتفاقم نسبة البطالة بسبب الأزمة الاقتصادية.
- إثقال كاهل الصناديق بعملية التسريح لأسباب اقتصادية، والتي لها تأثير مضاعف على الوضعية المالية من حيث حرمان الضمان الاجتماعي من المساهمات من جهة والتزامها بصرف الجرايات قبل بلوغ السن القانونية للإحالة على التقاعد من جهة أخرى.
ونتيجة لذلك، فإن النظام التوزيعي للتقاعد المعتمد من قبل صناديق الضمان الاجتماعي يصبح فاقدا للديمومة، بما أن عدد المتقاعدين ومبالغ الجرايات سيشهد ارتفاعا متزايدا، مقابل تقلص عدد النشيطين ، مما سيتسبب في تفاقم العجز.
كما يستمد النظام التوزيعي للتقاعد شرعيته من مبدأ الثقة بين الأجيال. حيث أنه لا يعمل إلا إذا كان الناشطون الحاليون على يقين من أن جراياتهم ستمول عن طريق دفع المساهمات من طرف جيل  الناشطين الذين سيأتي من بعدهم. وانطلاقا من هذا المبدأ، فإن الموافقة على دفع المساهمات مشترط بضمان توفير مبلغ الجراية عند وصول السن القانونية للتقاعد.
وفي صورة بلوغ نسبة العجز درجة يستحيل معها لا قدر الله، صرف الجرايات لمستحقيها ، ليجد النشيطون الحاليون أنفسهم أمام فرضية اللجوء إلى التمويل الذاتي للتقاعد ، فإن النظام التوزيعي للتقاعد، بفقدانه ركيزتين من ركائزه الأساسية المتمثلتين في مبدأي الثقة والتضامن بين الأجيال، لن يتمكن من لعب الدور الذي وضع من أجله، وبالتالي يتم التخلي عنه ليحل محله نظام يعتمد الرسملة، حيث يساهم كل نشيط حسب إمكانياته المادية وحاجياته المستقبلية المتوقعة.
وإذا ما أردنا التمسك بالنظام التوزيعي التضامني الذي يعرف لدى الدوائر المختصة بنظام التقاعد "Pay-as-you-go" والذي أثبت جدواه في الدول التي قررت إتباعه، من حيث صموده أمام الصعوبات الاقتصادية. خصوصا وأن الأزمة المالية العالمية قد بينت فشل أنظمة الرسملة بعد انهيار صناديق التقاعد الأمريكية (les fonds de pension américains)، مما ولد لدى صناديق الضمان الاجتماعي يقينا بعدم المجازفة بأموال المضمونين الاجتماعيين، فإنه بات من الحتمي الشروع في عملية إصلاح نظام التقاعد.
كما أن الركود الاقتصادي الحاد وتفاقم الدين العمومي قد يزيد من الحاجة إلى إجراء التعديلات اللازمة لضمان ديمومة النظام التوزيعي على المدى الطويل.
ولنا العديد من التجارب الناجحة في هذا المجال، لعل أهمها تلك التي عرفتها الدول التي كانت تنتمي للإتحاد السوفياتي سابقا (Ex-URSS) ودول أمريكا اللاتينية ودول منظمة التعاون والتنمية الأوروبي (OCDE).
إلا أنه هناك من يدافع على صناديق التقاعد التي تعتمد الرسملة بحجة أنها تمتلك العديد من الخصائص تجعلها قادرة على التصدي أكثر من البنوك والمؤسسات المالية الأخرى للأزمة الاقتصادية، تتمثل في إتباع إستراتيجية استثمارية على المدى الطويل جدا (تفوق عادة 30 سنة)، مما يمنحها القدرة على تجاوز تقلبات السوق. كما أن هذه الصناديق تصنف ضمن المستثمرين الحذرين (Investisseurs prudents) الذين يتصرفون في محفظة توظيفات تقليدية متنوعة متكونة أساسا من أسهم وسندات.
وللحديث عن طرق إصلاح أنظمة التقاعد، فإن العديد من الأخصائيين قاموا ببحوث في هذا المجال، نذكر منهم على سبيل المثال Nicolas Drouhin، الباحث الاقتصادي بمدرسة المعلمين العليا بـCachan بفرنسا الذي تمكن بالاعتماد على ما يعرف بنموذج الأجيال المتداخلة (Modèle à Générations Imbriquées)، المنسوب لرجل الاقتصاد الفرنسي Maurice Allais 1947) من التوصل إلى استنتاجات دقيقة بخصوص طرق وكيفية الإصلاحات الواجب تطبيقها ومدى نجاعتها، لعل أهمها تلك التي تتعلق بأن النظام الأمثل للتقاعد هو الذي يسمح بإدخال بعض الرسملة إلى جانب التوزيع، الشيء الذي يمكن أن يثري النقاش حول مسألة الإصلاح.
كما استطاع إثبات أن النظام التوزيعي يقلص من حجم الادخار وبالتالي من تراكم رأس المال، بل يعتبره عائقا للتنمية إذا  كان الاقتصادي يتسم بنسب فائدة عالية، وأن وضع حيز التطبيق هذا النوع من الأنظمة يقتصر على كونه وسيلة لإدخال حيوية على الاقتصاد إذا كان هذا الأخير يفتقدها.
والإصلاح نوعان، إما متعلق بالمتغيرات (réforme paramétrique) ويكون الهدف منه الترفيع في المداخيل والتقليص من المصاريف، كالزيادة في سن الإحالة على التقاعد أو في نسبة المساهمات، وإما هيكلي (réforme structurelle) ، يكون الهدف منه التحول إلى نظام مختلط يعتمد الرسملة إلى جانب التوزيع أو إلى نظام رسملة صرف.
أما على أرض الواقع، فإن جل البلدان اختارت خلال العقود الأخيرة، الانتقال إلى أنظمة مختلطة، تعرف بالأنظمة متعددة الركائز (multipilier) تشتمل على مكونات من النظام التوزيعي وأخرى من نظام الرسملة.
وفي هذا الإطار، قام كل من السيد Edward PALMER، الخبير الجامعي وعضو مجلس التأمين الاجتماعي الوطني بالسويد والسيدة، Louise Fox خبيرة لدى البنك العالمي، خلال مؤتمر الجمعية الدولية للضمان الاجتماعي الملتئم بهلسنكي من 25 إلى 27 سبتمبر 2000، بتقديم دراسة حول المناهج الجديدة لأنظمة التقاعد متعددة الركائز (New approaches to multi-pillar pension system). ويتكون هذا النظام، حسب الدراسة المذكورة، من 4 ركائز يتم تعريفها كالآتي :
- الركيزة 0 : تشمل الجراية الدنيا المضمونة، وتمول عادة من الضرائب.
- الركيزة 1 : تشمل التقاعد التوزيعي مع رسملة أو رسملة جزئية، يشبه إلى حد بعيد نظام الحسابات النظرية ( système de comptes notionnels )، الذي تم تطبيقه بالسويد وإيطاليا وبولونيا ودول البلطيق، وهو عبارة على نظام توزيعي ذات مساهمات محددة.
- الركيزة 2 : تشمل نظام رسملة إجباري لدى صناديق تقاعد خاصة أو عمومية.
- الركيزة 3 : تشمل نظام رسملة اختياري.
عموما يعد إصلاح نظام التقاعد في حد ذاته من السياسات الهيكلية بامتياز، بما أنه  يساهم  بشكل دائم في تصحيح مسار الاقتصاد على المدى الطويل. ومن هنا يستمد حتميته، كنظام توزيعي يرتكز على المتغيرات (paramètres) لتحقيق التوازن المنشود.  بيد أن استخدام تلك المتغيرات لا يخلو من هنات يمكن اختزالها في النقاط التالية  :
- تأخير السن القانونية للتقاعد : لا تثقل كاهل الاقتصاد، لكن ليس لها مفعول آني.
- الترفيع في مبلغ المساهمات : مفعوله آني، لكنه يساهم في ارتفاع تكلفة التشغيل ويقلص من المردودية.
- التقليص في مستوى الجرايات : مفعوله آني، لكنه يساهم في تدهور الطاقة الشرائية للمتقاعدين.
- الترفيع في مدة المساهمات : ليس له تأثير سلبي على الاقتصاد، لكن مفعوله غير آني.
 

مصطفى الفرحاني، خبير اقتصادي 

إضافة تعليق جديد