الأسبوع السياسي: حلول أخرى بدل التسوّل والإطاحة بمنظومة الدعم - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Jun.
18
2019

الأسبوع السياسي: حلول أخرى بدل التسوّل والإطاحة بمنظومة الدعم

الاثنين 24 مارس 2014
نسخة للطباعة
"رئيس الحكومة في سباق مع الوقت...ونظريا الانتخابات على الأبواب ولا بدّ أن يترك أشياء ايجابية للحكومة المقبلة"
الأسبوع السياسي: حلول أخرى بدل التسوّل والإطاحة بمنظومة الدعم

تونس - الصباح الأسبوعي

 

 يُخيّل للكثيرين أن جولة مهدي جمعة الخليجية وما تخللها من وعود وما بُني على أساسها من آمال، كانت بمثابة تخدير موضعي في الجسد التونسي المتهالك وتحديدا على مستوى العقل لإحداث شلل مؤقت فيه ومواز للفترة الانتقالية بما يمكّن الحكومة الحالية من تدشين مرحلة التعامل بواقعية مع الأزمة الاقتصادية؛ وهنا تكون الصعوبة مزدوجة بما أنها تكمن في الشكل والمضمون أي البحث عن وسيلة مقبولة لتمرير مبدإ مرفوض (بالنظر إلى النتائج المحتملة على ضعفاء الحال والطبقة المتوسطة) ؛ وهو رفع الدعم عن المواد الضرورية ـ ولو تدريجيا ـ دون التسبّب في انتفاضات وكوارث اجتماعية.

ولو عدنا إلى حكومة علي العريّض لاتضح أنها فشلت في تمرير بعض إجراءات رفع الدّعم لأنها انتهجت سبيل المواجهة المباشرة أي فرض القرارات دون ضمانات للرأي العام؛ لكن حكومة جمعة فضلت الاعتماد على الوعود الخارجية لتنشيط الاقتصاد والإيحاء بأن المستجدات الاستثمارية والاقتصادية عموما كفيلة بالحدّ من قسوة إجراءات رفع الدعم والترفيع في الأسعار.

ولا يقف الأمر عند حدّ الجولة الخليجية لأن الزيارة الأمريكية لرئيس الحكومة تمثل تواصلا في سياق تكثيف الوعود السياسية والاقتصادية قصد طمأنة الإدارة الأمريكية بأن تونس تنتهج طريق الإصلاح الاقتصادي بعيدا عن الشعبويّة ، وفي الأثناء إرسال إشارات مطمئنة إلى صندوق النقد الدولي بكوننا شرعنا في تنفيذ شروطه وإملاءاته من خلال خطوات "ثورية" بهدف الإطاحة بمنظومة الدعم.

 وليس من قبيل الصدفة أن يقرر الصندوق الإفراج عن القسط الثالث من القرض الذي تبلغ قيمته الإجمالية 2.1 مليار دينار والمخصص لتمويل ميزانية الدولة لعام 2014 قبل بضعة أيام من زيارة واشنطن، فيما ينتظرالإعلان عن زيادة في أسعار المحرُوقات في جوان القادم!!

وحتى لا نخطئ في حق أنفسنا لنعترف بأن تونس بصدد التسوّل رغم ما تعنيه هذه العبارة من ألم، لكن لا مفر من ذلك في فترة ما بعد حكومتي «الترويكا» ! ولكي لا نصبح في موقف من ينتظر الحسنات على موائد اللئام لا بدّ من القول مع احترامنا للدولة وهيبتها وللدول الخليجية الشقيقة أن جولة خليجية وحيدة لا يمكنها إحداث نقلة نوعية لكي تعيد الدول الخليجية إجراء بعض التغييرات على خريطة استثماراتها الخارجية.

فهل يعقل أن تكون لنا ديبلوماسية فعالة وفاعلة وناشطة ومبتكرة بين عشية وضحاها؛ لأن مهدي جمعة يترأس الحكومة ولدينا وزير خارجية غير متحزب؟ لا يجب مغالطة أنفسنا لأن الديبلوماسية تُبنى على تراكمات عقود طويلة ومساهمة أجيال ومشاركة خبراء ومختصين في مجالات عديدة.

هل قرأ مهدي جمعة السياق الحالي بدقة لكي يحث رؤوس الأموال الخليجية على الاستثمار في بلادنا؟ رئيس الحكومة بدا وكأنه في رحلة علاقات عامة يعرّف بتونس وما تتيحه من إمكانيات للاستثمار والتعاون وهو ما جعل الإعلام والسياسيين في تونس يقدّمون الوعود في حدّ ذاتها كمؤشر نجاح للجولة في تبسيط وصل إلى مستوى السذاجة والتسطيح ّ جعلنا نهجُر المنطق ونسقط في مغالطة النفس ومغالطة الآخرين.

ويبدُو أن رئيس الحكومة في سباق مع الوقت ...ونظريا الانتخابات على الأبواب ولا خيار له إلاّ أن يترك أشياء إيجابية للحكومة المقبلة ، ويسهل لها بعض القرارات الصّعبة مثل إلغاء الدعم أي إن الهدف يتمثل حاليا في توفيرالأموال والاستثمارات والوعود بالاستثمار لتعبئة خزينة الدولة بما يمثل إصلاحا للسياسة الاقتصادية الفاشلة لحكومتي «الترويكا» وخدمة مسبقة لأية حكومة ستفرزها انتخابات 2014.

وفي حالة فوز حركة «النهضة» في الانتخابات أو حتى عند مشاركتها في حكومة ائتلافية مقبلة، تبقى آفاق التعاون مع جانب من الدول الخليجية مطروحة لأن الاكتفاء بمنطق عدم التدخل في الشأن الداخلي التونسي وحرية الشعوب في اختيار حكامهم لا يمكنها عمليا أن تتجاوز مبادئ الدول في سياساتها الخارجية.

 هنا لا مفرّ من الأخذ بعين الاعتبار موقف بعض البلدان الخليجية من تنظيم الإخوان المسلمين سواء كانوا في الحكم أو خارجه. فتونس تُصنّف في خانة بلدان ''الربيع العربي'' ولا بدّ من الإقرارأن هناك بلدانا عربية تعارض هذا التوجّه ؛ والسؤال هو: كيف يمكن لتونس أن تتجاوز هذا التصنيف الذي قد يمثل عائقا في تطبيع علاقاتها ببعض البلدان العربية وتكون موضع ثقة كبلد لا يصدّر الثورة ولا يتدخّل في شؤون الآخرين؟

المسألة لا تحسم بإجابة حاسمة إذ لا بدّ من العمل الدؤوب وهنا لا بد للديبلوماسية التونسية من الصّبر والتأني لتصحيح بعض الأخطاء التي وقعت فيها حكومتا « الترويكا» وحركة «النهضة» خاصة قطع العلاقات مع سوريا وغض الطرف عن خروج شبان تونسيين لـ "الجهاد" ضدّ الجيش السوري والإعلان عن مواقف غير مدروسة بشأن الوضع في مصر تتداخل فيها المنطلقات الحزبية مع المواقف الرسمية.

ولأن أية دولة لا يمكنها أن تعيش بمعزل عن الدول الأخرى كبيرة كانت أو صغيرة، فإن قدر تونس أن تتعاون وتتشارك وتتبادل، فليس من خاصيتنا التسول لأنه حتى وإن لجأنا إليه فلظروف قاهرة ولايتعين العودة إلى منطق الأشياء الذي يقول إن الإصلاح الاقتصادي أمر ضروري ولا بدّ من معالجة كل المظاهرالسلبية مثل التهريب والتجارة الموازية والفساد والتهرّب الضريبي وغير ذلك من السلبيات التي تنفر الاستثمارات الأجنبية وتعرقل المبادرات الخاصة المحلية.

ليت مهدي جمعة اهتم باتخاذ قرارات وتفعيل القوانين لمواجهة تلك السلبيات قبل تحوّله إلى الخليج والإيحاء بأن تونس تستجدي والحال أن لها خيرات وثروات تمكنها ـ نظريّا ـ من تعبئة موارد ميزانية الدولة وأكثر من ذلك، لكن عمليا يبدوأن خيار ترك الأمور على حالها تجاه تلك السلبيات مرشح لأن يتواصل مع سياسة غض الطرف وقد نمضي وقتا طويلا نعيش بالوعود!

ومن المفارقات أنه بقدرما بدا تطبيق القانون فيما يتعلق بتلك السلبيات صعبا وأقرب إلى المستحيل، بقدر ما تمثل عملية الإطاحة بمنظومة الدعم ملاذا لأية حكومة يسهل عليها ضرب الفئات الضعيفة، بينما يستعصي عليها أصحاب النفوذ والمال المتهرّبون من الضرائب والمتمعّشون من التحيّل على الدولة والمجتمع، وعلى القيم والقوانين.

نور الدين عاشور

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة