د. سامي الجلولي الباحث في الأنظمة السياسية والعربية لـ«الصباح»: هدف زيارة لافروف إلى تونس البحث عن مركز نفوذ عسكري في المنطقة - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأربعاء 19 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
20
2018

د. سامي الجلولي الباحث في الأنظمة السياسية والعربية لـ«الصباح»: هدف زيارة لافروف إلى تونس البحث عن مركز نفوذ عسكري في المنطقة

السبت 15 مارس 2014
نسخة للطباعة
◄ تغيير النظام في أوكرانيا ليس لصالح الشعب الأوكراني بل لضرب روسيا في أحد حلفائها التقليديين

 

تعددت الزيارات الديبلوماسية على أعلى مستوى لتونس منذ تولي مهدي جمعة رئاسة الحكومة.. ونشطت الحركة الديبلوماسية وهو ما من شانه ان يساعد بلادنا على اكثر من مستوى وخاصة الاقتصادي والأمني ويدفع علاقات التعاون مع أكثر من دولة.

في خضم هذه الزيارات طرحت زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الى بلادنا اكثر من تساؤل خاصة ان الغموض رافق فحواها وخلفياتها مما ولدّ عديد الاستنتاجات والقراءات. حول هذه الزيارة والوضع السياسي والديبلوماسي الراهن في تونس كان لـ «الصباح» هذا اللقاء مع الدكتور سامي الجلولي المختص في الحقوق الأساسية والعلوم السياسية والباحث في الأنظمة السياسية والعربية والنظام السياسي السويسري والمسؤول في «مركز الدراسات الاستراتيجية للعالم العربي بجنيف»:

 

* يبدو أن لكم ما تعلقون بشأن زيارة وزير الخارجية الروسي الاخيرة الى تونس وقراءتكم ذهبت الى أبعد ما صرحت به الاطراف السياسية ووسائل الاعلام؟

- بالفعل، يبدو ان أطرافا ضغطت من اجل عدم ايلاء زيارة لافروف اهمية كبرى... فزيارة وفود صغيرة من بلدان لا نفوذ لديها قد لقيت في السابق اهتماما اعلاميا وسياسيا من طرف أنظمة ما بعد 14 جانفي..

زيارة وزير خارجية روسيا رغم التجاهل الاعلامي لم تمنع ظهور بعض التفسيرات وقد تكون حقائق وهي ان لافروف جاء لتوصيل رسالة تأنيب واضحة للسلطة في تونس لتساهلها المفرط في التعامل مع من ذهبوا للقتال في سوريا من التونسيين ومع بعض المؤامرات التي تحاك ضد الجزائر خاصة بعد عودة بعض المقاتلين وثبوت علاقتهم بتدابير تتخّذ ضد هذه الدولة لإثارة البلبلة وصناعة ربيع عربي آخر بالجزائر، كان سيفجّر المنطقة بأكملها وسيجعلها بركانا لن يخمد لعقود قادمة بحكم امكانية تواصل عقد الجماعات الارهابية في ما بينها بعد اتصّال الجبهة الليبية والمالية والنيجيرية بالإضافة الى وجود تحركات على الجانب التونسي الجزائري بالمنطقة الغربية لتونس.

فالروس يعتقدون ان مركز التوتر في العالم لم يعد منطقة الخليج او الشرق الاوسط بل منطقة شمال افريقيا وعلى هذا الاساس وجب القضاء على نقاط التفريخ، وهذا ما يتطابق تقريبا مع ما أسره لي احد الاصدقاء الديبلوماسيين كان على علاقة بدوائر القرار الروسية من أن الهدف الاصلي لزيارة لافروف الى تونس كان البحث عن مركز نفوذ عسكري بتونس...

فزيارة وزير خارجية روسيا الى تونس في هذا الظرف الاقليمي خاصة في ظلّ التوتر الحاصل بين روسيا واوكرانيا لا يمكن ان تكون مجرّد زيارة عادية. وللتاريخ فإن زيارات من هذا النوع تكاد تعدّ على أصابع اليد. اجمالا تأتي زيارة لافروف في سياق ما يحدث بالمنطقة. فهي ليست زيارة منفصلة. ومثلما يبحث الامريكان عن موطن قدم بتونس فإن الروس ينتهجون نفس الاسلوب: البحث عن موطن قدم بشمــال افريقيا وخاصة تونس لما لها من اهمية استراتيجية.. وهذا ما فهمه الجانب الروسي.

 

* لقد ركزتم على ان الجزائر في قلب زيارة لافروف الى تونس.. فماذا كانت الطلبات الروسية بهذا الشأن، وأي مصالح لروسيا في هذه المنطقة؟

- بالنظر الى العلاقات التاريخية والجيواستراتيجية بين روسيا الوريث الشرعي لما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي، والجزائر هي علاقة اكثر من قوية. فالتعاون العسكري الجزائري الروسي كبير جدا والمتأمل في حجم التسلّح الجزائري في السنوات الاخيرة سيلحظ مدى وعي النظام الجزائري بما يحدث.

روسيا خسرت حليفها الليبي وليست مستعدة لخسارة سوريا وايران والجزائر التي تمثّل سوقا كبيرا للسلاح الروسي وتأتي في المرتبة السابعة في قائمة المورّدين. روسيا لا تريد خسارة الجزائر ولا تريد ان يكون حليفها الاستراتيجي بين فكّي كمّاشة بعد سقوط النظام الليبي. فما يحكم العلاقات الدولية هو المصالح التي ليست بالضرورة متبادلة، ولكن على مستوى العالم العربي تظهر نوعية العلاقات المتبادلة في اسناد امتيازات عادة ما تكون امنية مقابل حماية النظام وهذا ما نراه في العلاقة بين الامريكان والقطريين مثلا.

لقد خرجنا من الحرب الباردة الى الحرب الفعلية ولكن بأشكال وطرق جديدة لم نعهدها في السابق. حرب اليوم تعتمد على اثارة النعرات او الاندساس داخل النظام لتحريك الشارع، والحجة في ذلك تحقيق مطالب تأخذ مسميات تلهب الجماهير وتخدّرهم مثل الحرية والديمقراطية وغير ذلك من الاساليب المحرّكة يساندها في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي التي أقدّرها من اقوى الاسلحة وافتكها في القرن الجديد. ألم تفتك هذه الشبكات مثل الفيسبوك والتويتر بأعتى الدول الدكتاتورية خدمة لأجندات ومصالح دول بعينها ولم يكن ذلك خدمة للشعوب المنتفضة؟.

لقد ذهب في ظن الشعوب (التونسية والليبية والمصرية...) انها انتفضت لنفسها ولكن هي انتفضت دون ان تدري لصالح التسريع بأجندات خارجية وضعت منذ التخلص من النظام العراقي ورموزه.

ان مراكز البحث الغربية وخاصة الامريكية وشبكات التواصل الاجتماعي التي هي بالأساس امريكية هي الاداة الفعالة اليوم التي تستعملها امريكا في حربها ضد الشعوب المستضعفة. لقد انتهى عهد السلاح التقليدي بعدما استنفذ خصائصه في كلّ من افغانستان والعراق والصومال وغيرها من بؤر التوتر في العالم التي دخلتها امريكا بغاية التدخل الانساني او لتحقيق الديمقراطية فتكبّدت امريكا خسائر مالية وبشرية كبيرة مقابل الدمار الحاصل. اليوم امريكا بإمكانها الحاق الدمار اينما شاءت ووقت ما شاءت دون خسارة في المال او في الارواح. تجنيد البعض وتلقينهم لتقنيات الفوضى وحشد الناس للقيام بذلك عملا ساعدت في تحقيقه ادوات يغلب عليها الطابع السلمي.

 

* لكن لماذا تتحدثون عن تعتيم سياسي واعلامي حول زيارة وزير الخارجية الروسي والحال انالزيارة تمت تغطيتها والتحدث عن اسبابها وخلفياتها؟

- يظهر ان رئيس الحكومة الحالي لم يتعظ بدروس الذين سبقوه. السيد مهدي جمعة وان كان صريحا بشان الظروف الخانقة التي تعيشها البلاد خاصة على المستوى الاقتصادي الا انه لم يكن بنفس الصراحة مع الشعب التونسي بشأن أسباب زيارة وزير خارجية روسيا.. كان على مهدي جمعة اقتناص زيارة وزير خارجية روسيا للدفع بعجلة الاقتصاد ولإظهار ان تونس بإمكانها ان تكون دولة يمكن الاعتماد عليها كحليف استراتيجي في رسم السياسات الدولية، ولكن رئيس الحكومة خيّر الصمت امام فرصة تاريخية فرضتها التحولات المدفوعة. من الاكيد ان زيارة كهذه تحمل في طياتها ملفات كبيرة قد لا يقدر لا جمعة ولا المرزوقي على البتّ فيها نظرا لأن ما طرحه الروس ربّما اكبر بكثير من مجالات المناورة التي يحوزها الرجلان ولا بد من اخذ الاذن ممّن لهم السلطة الفعلية في البلاد. ولئن اكتفى بن علي تاريخيا بدور المتفرّج في علاقات تونس الخارجية طيلة حكمه الا انه منذ خروج بورقيبة من الحكم سنة 1987 لم نستثمر وزننا الجغرافي. لاشك ان حكمة بورقيبة السياسية في العديد من القضايا الثنائية او الاقليمية والاحترام الكبير الذي ناله من القوى العظمى وخاصة الولايات المتحدة كان مفخرة للدبلوماسية التونسية طيلة حكمه وجنّبت تونس العديد من الكوارث السياسية.

لا شك اننا أضعنا فرصة تاريخية كان بإمكاننا اقتناصها للضغط بها على حلفائنا التقليديين الذي لم يجلبوا لتونس غير الخراب منذ 14 جانفي 2011 وان نستلهم من دروس التاريخ. اننا كمن وضع بيضاته في سلّة واحدة ويخاف ان ينقل ولو جزء منها في سلّة اخرى. وهذا ما حدث فعلا.

 

* بوصفكم خبيرا في الشؤون السياسية وباحثا في الانظمة السياسية، هل من قراءة في واقع الازمة الاوكرانية؟ وأي دور سيكون لروسيا في تطويق الأزمة؟

- تمثل أوكرانيا حاجزا امنيا وامتدادا استراتيجيا لروسيا وهي منفذ اقتصادي حيوي اذ عبرها يمر الغاز الروسي نحو اوروبا الغربية. وتغيير النظام سيضر بالمصالح الروسية بالمنطقة وهي مصالح جد هامة.. التغيير في اوكرانيا أضرّ بمصالح روسيا والاقلية الروسية (قرابة 60 بالمائة من السكان) بشبه جزيرة القرم حيث الغيت اللغة الروسية وهي لغة الاقلية القرمية واستبدلت باللغة الاوكرانية كلغة رسمية. ليس هذا السبب الوحيد او الرئيس في اشتعال الازمة بين روسيا واوكرانيا بل اتهام الروس الامريكان وحلفاءها الغربيين بإشعال نار الفتنة وان الانقلاب الذي حصل في اوكرانيا لم يكن دستوريا وأضرّ بمصالح روسيا بالمنطقة وهو في الاخير لا يعدو ان يكون المقصود منه النظام الروسي. الامريكان متهمون بالوقوف وراء التغيير الحاصل في كييف وبذلك فهم يبحثون عن موطئ قدم لهم وهذا لا يكون الا عبر قلب نظام الحكم في اوكرانيا ووضع نظام بديل يكنّ العداء لروسيا وهذا ما حصل.

الروس لم يتحركوا الا عند احساسهم بان النظام الجديد سوف لن يكون في صالحهم وسيكون جزء من منظومة التفكيك التي تعمل عليها الولايات المتحدة. تغيير النظام في اوكرانيا لم يكن الهدف منه بالأساس تغييرا لصالح الشعب الاوكراني وانما لضرب روسيا في احد حلفائها التقليديين والذي يكتسب مكانة الشريك الافضل للنظام الروسي. روسيا تعاقب من اجل تدخلها في ما يحدث في سوريا ونتيجة وقوفها مع نظام الاسد والحيلولة دون سقوطه حماية لمصالحها ولقاعدتها العسكرية بطرطوس. والقطريون كعادتهم هم من يدفع لإثارة الفوضى وهم لا يتجاوزون كونهم صندوقا للدفع لكن لا يقررون السياسات العامة... الامريكان يخططون ثم يجنون ثمار ما يخططون له.

 

* اذن، ما يجري في اوكرانيا اليوم هو صراع روسي-أمريكي بالأساس؟

- الصراع الدائر اليوم بين الروس والامريكان كما هو معروف هو صراع مصالح فمثلما تسعى امريكا للحفاظ على مصالحها الحيوية من امنية واقتصادية بمنطقة الخليج مثلا فان الروس كذلك يسعون للحفاظ وتدعيم مصالحهم التقليدية والبحث عن مصالح ومناطق نفوذ جديدة. كل ما يحدث بين الروس والامريكان لا علاقة له بمفاهيم الحقوق الاساسية كالحرية والديمقراطية بل حرب مصالح تتخذ مسميات عدة. فلقد اجتاح الامريكان العراق تحت ذريعة اسلحة الدمار الشامل واستطاعت فرنسا قلب نظام القذافي تحت ذريعة التدخل الانساني غير انه في الاخير لا الامريكان ولا الفرنسيين يؤمنون بمثل هذه القيم الكونية. تدخلهم وقلبهم للأنظمة يستجيب لمبدأ واحد وهو الحفاظ على المصالح.

هناك لاعبون اساسيون وهناك لاعبون ثانويون. قطر هي دوما لاعب خارج الملعب. انها كمثل رجل مثمول يبذّر ما في جيبه من اجل من يعتقد انهم خلاّنه، يصرف المال من اجل حماية مصالح الآخرين. النظام القطري وان كان يخضع لسيطرة الامريكان الا ان الامير الحالي للبلاد لا يملك من مفاتيح الحكم شيئا. فالأب هو من ينفذ السياسة الامريكية بالمنطقة وان كان وراء الستار، وهذا لتخفيف العبء الشعبي العربي عليه ولتنفيذ ملفات الوضع الراهن بعيدا عن كل نواميس وضوابط السلطة.

 

سـفـيـان رجـب

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد