الشباب التونسي المعطل.. المخترق والمجنّد ضد البلد - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الخميس 15 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
16
2018

مهرجان «العرض الأول»: مسرحية «النسور» أو عندما يعيد التاريخ نفسه

الشباب التونسي المعطل.. المخترق والمجنّد ضد البلد

السبت 15 مارس 2014
نسخة للطباعة
مهرجان «العرض الأول» :مسرحية «النسور» أو عندما يعيد التاريخ نفسه

أثبتت مسرحية "النسور" التي أخرجها سامي النصري وشارك أيضا في كتابة نصها إلى جانب نورالدين الهمامي أن الفن الرابع قادر على أن يكون مجالا للتوثيق لمراحل وأحداث أحدثت منعرجا حاسما في تاريخ تونس. خاصة أن مسرحية "النسور"، وهي من انتاج مركز الفنون الدرامية والركحية بالكاف، وتتناول ما عاشته تونس من تغييرات وتجاذبات وحراك على جميع الأصعدة في العقود التي تلت الاستقلال تفاعلا مع ما عرفه العالم من تغيرات وتطاحن بين الاشتراكيين والليبيراليين والاسلاميين وغيرها من الرؤى الفكرية التي طبعت وكان لها التأثير الواضح في الأنظمة السياسية، فنجمت عن تلك الاحتجاجات.. تململ واضطرابات اجتماعية أدت إلى حدوث صراعات سياسية. لتنطلق أحداث "النسور" على إثر إضرابات عمالية بجهة قفصة أو ما سمي بأحداث جانفي 1978 احتجاجا على الوضعية المزرية والحرمان وانسداد أفق العيش أمام متساكني مدينة قفصة والمناطق التابعة لها كأم العرايس والمتلوي والرديف وغيرها من المدن المهمشة والمحرومة وما عرفته من استنفار أمني من أجل مقاومة التمرد. لتنطلق أحداث المسرحية من عائلة تونسية تسكن معتمدية "القصر" التابعة لولاية قفصة بالجنوب الغربي بعد سجن الأب "عمار الفالح" على إثر أحداث جانفي 1978 واتهامه بتكوين عصابة والانتماء إلى مجموعة مخرّبين. فتحاول الأم "قمر"، الذي جسدته الممثلة القديرة العائدة إلى الساحة شادية عزوز، مواجهة الأمر وتسيير شؤون العائلة خاصة بعد أن تم طردها من المنزل لتلجأ إلى أبناء زوجها. لكن الابن الأكبر "الشريف" سافر الى ليبيا ثم عاد ليعمل بالتجارة، والبنت الكبرى "فاطمة" تقوم بشؤون البيت والبنت الصغرى "شريفة" تزاول دراستها بالمعهد الثانوي بالجهة، ثم الابن "زيدان" يزاول تعليمه العالي بإحدى جامعات تونس العاصمة. يطرد "زيدان" من الجامعة بسبب انتمائه الفكري (الاسلامي) وتطارد "شريفة" إثر مشاركتها في اضرابات ومسيرات بالمعهد. ويحاول "الشريف" بمعية أحد أصدقائه مساعدة بعض "الأشخاص" للدخول من ليبيا الى تونس.

في المعتمدية هناك محام يكشف في رسالة تأتيه من أخيه المقيم في ليبيا، بوادر مؤامرة تحاك ضد أمن البلاد. يحاول تنبيه أحد أصدقائه من المقرّبين للسلطة. يموت "عمار الفالح" في السجن وتعلن الدولة حالة الطوارئ نتيجة هجوم مسلح على مدينة قفصة ليلة 27 جانفي 1980.

تتوالى أحداث المسرحية في مشاهد متعددة من حيث نسق الحوار والألوان وإيقاع الحياة . "المسرحية" التي صاغها سامي النصري في لوحات جمعت بين الموسيقى والغناء والحوارات، التي يتراوح الإيقاع فيها، بين الحدة والصخب واللين في مشاهد مشابهة لنقاشات ومداولات المجلس الوطني التأسيسي والخطابات السياسية في تونس ما بعد الثورة. وكأن التاريخ يعيد نفسه من حيث وقع الأزمات الجهوية وحالة الحرمان واليأس التي يعيشها الشباب الباحث عن الحلول سواء بالرفض والتمرد أو من خلال خيار "الحرقان" والحلم بواقع أفضل خارج حدود الوطن حتى وإن كانت ليبيا. ليصبح شباب تونس بمثابة قنابل موقوتة تهدد أمن واستقرار الوطن إذا ما تم استغلال حاجتها للعيش ليتم تجنيدها ضده خدمة لمصالح أجنبية. وهو حال عدد كبير من أبناء تونس اليوم، يتم تجنيدهم تحت تسميات وأغراض مختلفة لكن الهدف واحد.

لذلك كانت المسرحية بمثابة توثيق مشهدي على الركح جسّد من خلالها الممثلون، منجي ورغلي ومنير خذيري ومحمد علي أحمد ونورالدين الهمامي ومحمد عوادي وأمينة الدشراوي وريّان قيرواني ورياض السبوعي ورياض عبيدي وصابرين السبوعي، على الركح ما عاشته جهة قفصة وغيرها من المدن التونسية من انتفاضة على الوضع ساهم فيها عدد كبير من المناضلين ممن دفعوا ضريبة المطالبة بالعدالة والحق في العيش، كما هو الشأن بالنسبة لعائلاتهم. فكان أن حضرت أسماء هؤلاء وكأن المخرج رأى في ذلك تكريمهم على طريقته من خلال تخليد مواقفهم والتذكير بها في هذا العمل المسرحي. سواء منهم النقابيين أو الشغالين أو الطلبة أو غيرهم من التونسيين على غرار محمد الأشهب وعبد الرزاق الهمامي وجيلاني الغضباني وسعيد الورشفاني وغيرهم لينضم هؤلاء إلى قائمة فرحات حشاد والحبيب عاشور باعتبار أن الاتحاد العام التونسي للشغل كان طرفا رئيسيا في تلك الأحداث والمرحلة. فضلا عن أسماء بعض من أعضاء مجلس النواب أو ممثلي الجامعات الدستورية في الجهة وأدوارهم في التدليس والوشاية. فكان هذا العمل تاريخ فني لأهم مراحل وفصول تاريخ تونس في القرن الماضي خاصة أن تلك المرحلة ظلت غامضة وحاملة لعدة استفهامات وبعيدة عن الطروحات التاريخية. فكان أن كشفت "النسور" عن بعض من تلك الاستفهامات بتسمية الأفراد الفاعلين فيها والجهات الرسمية بأسمائهم.

كما كانت المسرحية في جانبها الفني ثرية بالحركة والصخب والألوان الداكنة.

 نزيهة الغضباني

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة