خبير في علوم الاعلام والاتصال في حديث لـ «الصباح».. حكومة جمعة قطعت مع الخطاب الايديولوجي وجاءت بخطاب تقني - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأربعاء 19 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
19
2018

خبير في علوم الاعلام والاتصال في حديث لـ «الصباح».. حكومة جمعة قطعت مع الخطاب الايديولوجي وجاءت بخطاب تقني

الأربعاء 12 مارس 2014
نسخة للطباعة

 

أكد صادق الحمامي الخبير في علوم الاعلام والاتصال والأستاذ بمعهد الصحافة وعلوم الاخبار، ان حكومة مهدي جمعة لا تتبع خطابا سياسيا او خطة اتصالية ممنهجة، بل جاءت على انقاض حالة من اليأس والاحباط والملل السياسي اصابت الناخبين والراي العام الوطني.

وقال في حوار خص به "الصباح" أن حكومة مهدي جمعة قطعت مع الخطاب السياسي والايديولوجي الذي كان سائدا في عهد حكومتي الجبالي والعريض، لينحصر الخطاب في الجانب التقني.. وبيّن كيف ان اللجوء الى حكومة "تكنوقراط" تعبير عن الفشل،.. وعكس حالة الممل التي يعيشها التونسيون وحالة الاحباط من السياسيين الذين لم يوفوا بوعودهم السياسية.

وقال الحمامي ان الأحزاب السياسية واعية بأخطائها اليوم وهي تسعى لاستغلال التقنيات الحديثة للاتصال في دعاياتها الحزبية والانتخابية، للقرب أكثر من الناخبين، خاصة المترددين منهم وهم الفئة الأكثر التي ما تزال لم تحسم خيارها في نوايا التصويت..

واشار الى أن الاتصال السياسي -ورغم أهميته- لن يكون وصفة سحرية لمساعدة الأحزاب والمترشحين للانتخابات الرئاسية للفوز في الانتخابات بل هو يساعد على انارة الطريق وتوضيح الرؤية. كما ان الاتصال لن يصنع زعيما سياسيا من عدم..

ولاحظ ان صورة الزعيم لا تتناقض مع الديمقراطية، لكن في تونس هناك تخوف من عودة الدكتاتور وليس من فكرة عودة الزعيم.

صادق الحمامي هو ايضا مؤسّس ورئيس تحرير البوابة العربية لعلوم الإعلام والاتصال الموقع الأكاديمي الأول والوحيد باللغة العربية المتخصص في المجال علوم الإعلام والاتصال.

في ما يلي نص الحوار:

 

* كيف تقيم الأداء الاعلامي لحكومة مهدي جمعة، هل ترى ان رئيس الحكومة يعتمد خطة اتصالية واضحة في تعاطيه مع الراي العام الوطني؟

- لا ارى في مستوى لإعلام، ظهورا اكثر من اللازم لمهدي جمعة او لأعضاء حكومته.. في عهد  حكومة الجبالي كان ظهور الوزراء اكثر من اللازم وكانوا منخرطين حتى في الصراع والجدل السياسييّن وهذا الأمر اضرّ بشكل كبير بحكومة الجبالي.

اعتقد ان حكومة الجبالي اصبحت نقطة قياس (repère) تتصرف على أساسه الحكومات الأخرى التي جاءت بعدها،..مثلا، لاحظنا في عهد حكومة علي العريض انخفاضا في مستوى الظهور الاعلامي لوزرائها، أما حاليا فالظهور الإعلامي لحكومة مهدي جمعة محدود جدا.. فباستثناء رئيس الحكومة، وبعض الوزراء، لم يتعرف التونسيون ولم يستمعوا الى حد الآن الى عدة وزراء آخرين.. 

مهدي جمعة لم يحدد لنفسه او لأعضاء حكومته خطابا منهجيا يكون فرصة يحاور فيها التونسيون بشكل مباشر، بل اقتصر ظهوره هو شخصيا على حوار تلفزي، وبالتالي لا ارى خطة اتصالية بمعنى وجود جهة تفكر بطريقة منهجية وفريق يفكر وخطة استراتجية واهداف مرحلية وتكتيكية..

 

* لماذا حسب رايك؟

- من الممكن ان الانغماس في العمل الحكومي والمشاكل التي تواجهها لا تدفع حكومة جمعة الى الاعتناء بالصورة.. علما أن الإستراتيجية الاتصالية تعني العناية بالصورة..

اعتقد ان التونسيين يتعاملون مع حكومة جمعة بشكل ايجابي جدا، حتى وسائل الإعلام والمواقع الاجتماعية لم تتعرض لحد الآن بالسخرية والنقد للحكومة الجديدة، باستثناء بعض الوزراء على غرار وزيرة السياحة آمال كربول،.. وبالتالي يمكن القول ان الحكومة الجديدة انطلقت من رصيد ايجابي  ولحد الآن لم تبذر هذا الرصيد.. بل هي بصدد استثماره ايجابيا.

 

* هل هذا يعني انها لم ترتكب اي خطأ من الناحية الاتصالية طبعا؟

- هناك خطأ ارتكبه وزير التربية الذي أحدث جدلا حين تحدث عن موضوع حرية اللباس في المدارس والمعاهد، ثم تراجع عن ذلك.. ووفق تسريبات اعلامية يقال ان رئيس الحكومة عبر عن عدم موافقته من تغيير الوزيرة كربول لمدير ديوانها.. لكن صورة حكومة جمعة الى حد الآن في مجملها ايجابية..

 

* هل هناك فعلا تغيير في الأسلوب والخطاب الاتصالي؟

- نعم هناك تغيير تدريجي في الأسلوب..انتقلنا من خطاب سياسي ايديولوجي ثم انخفض في عهد حكومة العريض، حين شاهدنا وزراء لا يفقهون في البعدين الايديولوجي والسياسي، ثم انحصرا هذين البعدين لصالح الخطاب التقني في عهد الحكومة الحالية، التي يبدو ان خطابها يعتمد على المعطيات.. فمهدي جمعة تكلم في اول ظهور اعلامي له باللهجة الدارجة ولم يكن خطابه ايدولوجيا. ولو ان التكنوقراط حاملون لمشروع ايديولوجي... فحين نتعامل مع صندوق النقد الدولي فهذا يعني ان هناك توجها لبراليا..

لا اعتقد أن حكومة مهدي جمعة لديها خطة على شاكلة غرفة عمليات تدير الاتصال وتخطط.. ولا اعتقد ان هناك استثمارا في الاتصال بالمعنى المتعارف عليه، يعني ميزانية، فريق عمل مخصص، وتفكير استراتيجي..

 

* ربما لأنها حكومة غير متحزبة.. وغير معنية بالانتخابات؟

- نعم هي ليست امام رهان انتخابي وهذا رصيد ايجابي يحسب لها...

 

* هل يمكن القول ان الحكومة الجديدة حذرة ام تلقائية في تعاطيها مع الراي العام؟

- هناك نوع من العفوية والتلقائية وكأن هناك حدثا معينا، كأن التونسيين ملوا من الخطاب السياسي الايديولوجي ويريدون خطابا واقعيا.

فالتكنوقراط من ناحية الفلسفة النقدية هي تعبير عن ازمة الديمقراطية هيمنة وطغيان التكنقراط تعني فشل الديمقراطية. لأن الديمقراطية تقوم على مبدأين: الشرعية الديمقراطية ثم على فكرة التمثيل، فالقرارات تناقش ثم يصوت عليها عن طريق النواب..

مركز القرار يجب ان يكون المنتخب من الشعب.. لكن الذي حصل في تونس هو الملل من السياسة وما يعبر عنه  la dépolitisation..

وهذا الملل وقع بسرعة بعد سنتين فقط، من اول انتخابات ديمقراطية حصلت في تونس، في حين ان الملل لدى الشعوب الغربية وقع بعد عقود طويلة من الممارسة الديمقراطية. 

وهذا مؤشر خطير فنحن في دولة شعبها حرم من السياسة لمدة 50 سنة.

 

* خطأ من؟ 

- هو خطأ السياسيين أساسا وخطأ جماعي تتحمل عديد الأطراف..

اردت ان اقول ان الرصيد التي اتى به مهدي جمعة كان على قاعدة الملل من السياسيين، وانا استغرب هذا وكأن الديمقراطية في بلادنا ولدت مريضة.

 

* وكيف نشخص المرض؟ من المتسبب الا توجد هنا مشكلة اتصالية؟ 

- المشكل في الخطاب السياسي، ان السياسيين الجدد وهم المنتصرون في انتخابات 23 اكتوبر اتوا الى السلطة بخطاب تغيير ثم فشلوا في تغيير الحياة اليومية للتونسيين.

لأنهم كانو متمرنين على السياسة وهذا ما خلق نوعا من الوهمية يعني باعوا الأوهام، واكتشف التونسيون ان السياسي عاجز عن تحقيق وعوده وغير فاعل في واقعه..

قدم السياسيون الجدد انفسهم على اساس انهم في خدمة الشعب وقادرون على تغيير واقعهم فكانت النتيجة ان الناس اكتشفوا ان السياسة الجديدة غير قادرة على تغيير واقعهم..

 

* هل كان للإعلام دور في هذا الفشل؟

- الإعلام متعدد، دوره يمكن ان يؤثر في تمثلات الناس للواقع لكنه لا يمكنه ان يفشل الاقتصاد والاستثمار، .. نحن نتعامل مع التونسيين كأنهم اغبياء وكأن الإعلام قادر على تضليلهم.

انا لا أؤمن ان الإعلام يصنع الراي العام، فهل تنبأ الإعلام بالعريضة الشعبية مثلا حين فاجأت الجميع في انتخابات 23 أكتوبر؟

الاستراتيجية الاتصالية لا تصنع المعجزات، فالمنتج السيئ لا يمكن ان تبيعه للناس بواسطة الاتصال، ونفس الشيء في السياسة.

 

* وهل حصل وعي بهذا الاشكال لدى السياسيين الجدد؟

- نعم والدليل ان حكومة علي العريض نسبة خوضها كانت اقل في الصراعات السياسية..

الرصيد الايجابي هو أن مهدي جمعة جاء به الحوار الوطني وعلى انقاض التعلم من اخطاء الماضي وفي اطار أزمة وانتشار حالة من اليأس. فمعارضي النهضة وحتى مناصريها اعترفوا بأننا وصلنا الى مأزق وحصلت خيبة امل لدى الجميع. اذن فالرصيد الايجابي لحكومة جمعة مرتبط بسياق الأزمة..

لاحظ ان نتائج سبر الآراء على علاتها وعلى نسبية نتائجها تقول ان 65 بالمائة لا يعرفون لمن يصوتون والأرقام التي يتحصل عليها القادة السياسيون في نوايا التصويت متدنية للغاية بل ومخجلة..

 

* لكنهم سيعودون ويستصدرون المشهد السياسي من جديد؟

- نعم هذا صحيح، والسبب اننا ورثة التجربة السياسة الفرنسية.. في الولايات المتحدة مثلا من فشل في السياسة يغادر، أما في فرنسا اصبحت السياسة مهنة فلا يغادر السياسي الا بعد الشيخوخة..

 

* لكن هناك فرصة للأحزاب للتدارك واستخلاص الدروس؟

- اعتقد ان الأحزاب ستركز على مسألة الانتخابات خاصة الرئاسية منها. كما ستركز على استخدام تقنيات الاتصال الجديدة، هناك تجارب حصلت في انتخابات سنة 2011، وحصلت بعض الأخطاء لكن الجيد ان الهيئة المستقلة للانتخابات حاولت تنظيم التنافس الانتخابي.. مثلا كان هناك رصد لوسائل الإعلام ومنع للإعلان السياسي.. الآن اضيف معطى جديد هو الهيئة المستقلة للإعلام السمعي البصري، التي قررت مؤخرا منع المترشحين المالكين لوسائل اعلام من حق الترشح للانتخابات الرئاسية، مجموعة من الآليات التي ستقوم بترشيد الحملات الدعائية..

جهد الأحزاب سيتوجه ايضا إلى الناخبين المترددين الذين ليس لهم بعد نوايا تصويت وتقارب نسبتهم 65 بالمائة..

اريد ان أؤكد ان الاتصال ليس وصفة سحرية، بل هو يساعد الأحزاب القوية التي لها دور وانتشار واسع. لا يمكن ان ننتظر من الاتصال خلق فائز من عدم، بل ان الأمر يعتمد على تمركز الحزب وعلى الراسمال السياسي لدى الجمهور..

 

* برأيك، هل ما زال التونسيون يستبطنون صورة الزعيم؟

- الزعيم موجود حتى في الدول الديمقراطية، والديمقراطية لا تتنافى مع صورة الزعامتية.

لقد فسّر خبير فرنسي شهرة فلاديمير بوتين رئيس جمهورية روسيا الاتحادية بالمجتمعات الغربية لأن الناس تنظر اليه على اساس انه زعيم وطني قادر عى حماية روسيا، على عكس الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الذي يراه معظم الفرنسيين ضعيف الشخصية ويبدو في صورة اللاهث وراء ملذاته الشخصية..

اذن فكرة الزعيم لا تتناقض مع الزعاماتية، لكن في تونس هناك تخوف من عودة الدكتاتور وليس فكرة الزعيم.

 

* ومن ترى لديه خصائص الزعيم لدى القيادات السياسية الحالية؟

اعتقد ان شخصا مثل الباجي قائد السبسي لديه صفات الزعيم.

 

* وهل يمكن للدعاية الحزبية ان تصنع زعيما؟

الزعيم لا يصنع في وكالات الاشهار ولا يصنع بطريقة ارتجالية، بل تصنعه مسيرة سياسية ويكون وراءه جهاز حزبي قوي، وتمكن من الخطابة والقدرة على التأثير والمحاججة ايضا، فهناك من ليس له مؤهلات الزعيم والقيادة لأن فكرة الزعيم تقوم على الاتصال بالناس والكفاءة السياسية والقدرة على الخطابة والتأثير.. الزعيم هو تفاعل لعناصر عديدة، والزعيم لا يصنع في وكالات الاشهار ولا يصنع بالطريقة التجارية. 

هناك بعد معقلن وبعد مرتبط بالحياة السياسية وبعدا آخر فيه جانب من الصناعة.. لكنها ليست هي المحددة.

 

* وهل ستكون الزعاماتية فيصلا محددا في الانتخابات التشريعية؟

- الانتخابات التشريعية ستقوم على مبدإ القوائم في هذه الحالة سيكون للحزب القوي دور كبير،الحزب القادر على الانتشار وعلى تشبيك تونس. لكن في الانتخابات الرئاسية لا يمكن لزعيم جديد ان يصنع من الاتصال فقط .

في انتخابات اكتوبر 2011 كان لقادة الأحزاب الكبيرة دور كبير في الفوز بمقاعد بالمجلس التاسيسي، لكن الرئاسية أمر مختلف، فالمترشح للانتخابات الرئاسية ليست له سلطة الوعد، لأنه لن يمسك الحكومة.

التونسيون سيصوتون لمن يعتقدون انه قادر على اختزال الدولة، لأنهم يعرفون ان رئيس الدولة لن يغير الحياة اليومية، بل ينتخبون شخصا قادرا على اختزال هيبة الدولة وتوحيدها، ويعمل على تشكيل صورة جيدة لتونس بالخارج، وان يكون في مستوى صلاحياته المكفولة له بالدستور الجديد في الدفاع والخارجية.. سينتخبون شخصية لها هذه الخصال، ليست خصال الأب، بل تونسي قادر على خدمة البلاد ويرونه حاميا للدولة لأنه سيقوم بدور السلطة التعيدلية.. 

يجب ان ننظر الى المسار الانتخابي كأنه مباراة كرة قدم موازين القوى فيها تتغير بين المتنافسين كل لحظة.. وقد تكون كلمة تغير مسار اللعبة او المعركة، فكل اللاعبين ينطلقون بحظوظ متساوية وكل خصم ينتظر زلة منافسه، في علاقة بحياته الشخصية او بزلة لسان، او بخطأ تكيتيي...

 

* ماذا لو كانت امرأة هل يكون لها حظ في الفوز بالانتخابات الرئاسية؟

- لا اعتقد ان المجتمع التونسي مستعد وقابل ثقافيا ان يكون الشخص الذي يختزل الدولة هو امرأة.. فلاحظ اليوم ان المشهد السياسي يسيطر عليه الرجال رغم وجود كفاءات نسائية تمتلك شروط القيادة والتأثير..

 

 أجرى الحوار: رفيق بن عبد الله

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة