هواية الكلام والثورة على القيم والأخلاق - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الثلاثاء 20 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
21
2018

ورقة

هواية الكلام والثورة على القيم والأخلاق

الثلاثاء 11 مارس 2014
نسخة للطباعة

 بعد 14 جانفي 2011 شهدت تونس التعددية في عديد المجالات وعلى كل المستويات وتشظى المجتمع واختلفت مواقف الجميع وتنوعت الآراء في كل ما كان يوحد الشعب التونسي واقتصر الاتفاق حول أمر وحيد هو ممارسة هواية الكلام . فقد انطلق لسان التونسي وأصبح يدلي برأيه في كل القضايا ويتهافت على المنابر ليفسر ويوضح ويعلن مواقفه وليتحدث في كل المواضيع حتى تلك التي تتطلب سنوات من الدراسة والاختصاص ..

 لا احد - تقريبا -يعتذر ويصرح بعدم إلمامه بالموضوع المقترح للنقاش ولا احد يكتفي بدور المستمع او المتفرج..  

 الكل لهم رأي وموقف لا يخجلون من الاصداع به حيث حط بهم الرحال .. الكل يريدون الكلام حتى في الاختصاصات التي لا يفقهون فيها شيئا ومن بينهم من يتجرأ حتى على مناقشة الطبيب ... كان الشعب التونسي كله تقريبا يتحدث عن كرة القدم.. الكل يفهم في قوانين اللعب والتحكيم والكل يقيم أداء اللاعبين وفطنة الحكم..

 هؤلاء أصبحوا اليوم يناقشون ويفسرون ويفتون في السياسة والاقتصاد يتحدثون عن الثورة ومساهمتهم فيها وإذا انطلقوا في الحديث لا احد يقدرعلى إسكاتهم ومن يتجرا على ذلك يتم تذكيره بالثورة وبان العهد الذي فرض عليهم الصمت قد ولى وفات ولان الجميع يخافون من ان توجه لهم تهمة الانتماء إلى النظام السابق فالكل يصمتون ويتركون لهؤلاء المجال ليقولوا ما يريدون وليطيلوا الحديث ويكذبون .. هواية الكلام قد لا تضر كثيرا جلاس المقاهي ولكن إذا إصر أصحابها على ممارستها في الندوات والملتقيات والجلسات الأدبية فإنها كثيرا ما تحول تلك الجلسات إلى قسم غاب عنه المعلم .. هذا يدخل في حالة من النشوة حالما يرى المصدح او الكاميرا فيتحدث عن الأسرار يلعن ويسب دون وعي ولا خجل او تفكير في ما يمكن ان ينجر عن فعله .. وهؤلاء يتحدثون في نفس الوقت في نفس الموضوع او في المواضيع التي تتشابه ولا احد من بينهم يتنازل ويترك المجال لغيره.. الكل يريدون منبرا وجلاسا يتعسفون عليهم بكلام قد لا يكون له أي معنى .. وقد يستغل بعض ممارسي هواية الكلام وجوده في جلسة أدبية راقية وفي حضور نوعي متميز ويصر على افتكاك الكلمة ليقول انه لم يقرأ الرواية المطروحة للنقاش وانه لا يعرف صاحبها ولكنه يعتقد جازما أنها رواية سياسية بامتياز وانه قد تصفحها الآن ورأى فيها لغة شاعرية وأسلوبا مشوقا ولكن استعمال اللغة الدارجة في الحوار أهانها ووضع بعض الكلمات باللغة الانقليزية داخل صفحاتها غير معقول.. وقد يدخل البعض الآخر في موجة هيستيرية من التنظير ليعلم كتاب القصة أو الرواية والنقاد والمترجمين - وقد يكون من بينهم من نشر عشرات الروايات ونال جوائز أدبية تونسية وعربية - كيف يكتبون الرواية والحال انه لا ناقد ولا روائي . كل ما في الأمر انه لخص ما قاله المتدخلون قبله .  

 محترفو ثقافة الخطف كما يسميهم بعض المبدعين في تونس يتكاثرون مع الأسف ويستولون حيث حلوا على الكلمة ويقطعون الطريق على المختصين .. خلال حفلات تكريم الموتى يصبحون أبطال ما سمعوه عنهم من قصص وحكايات واذا كان المكرمون من الأحياء فإنهم لا يتركون لهم حتى فرصة التعبير عن مشاعرهم ويكيلون لهم جمل الإطراء التي تحرجهم . هواة الكلام يعتقدون اليوم انه على الجميع ان ينصتوا إلى ما يتفوهون به لان الثورة مكنتهم من حرية التعبير علما بأنه لا احد كان يكمم أفواههم في النوادي الثقافية بل إنهم وحدهم الذين كانوا يمارسون الرقابة على أنفسهم ويخافون من ان تضيع كلمة او تعليق فرصة تعود عليهم بالفائدة. ان جرأة هؤلاء الذين يتشنجون اليوم ويصرون على تذكير جلاسهم بأنه حصلت ثورة في البلاد وأنها مكنتهم من حرية التعبير ويطالبون بان ننصت لهم في صمت تام ويرفضون تمرير المصدح ولا يزعجهم حضور كبار الحومة ولا يرون مانعا من انتحال بطولات الآخرين تؤكد لنا يوما بعد يوم أننا إنما ثرنا على القيم والأخلاق لا على النظام السابق وحده .

  علياء بن نحيلة

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد