من يرحم «عزيزة» قوم؟ - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الخميس 20 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
21
2018

ممنوع من الحياد

من يرحم «عزيزة» قوم؟

السبت 8 مارس 2014
نسخة للطباعة

«أحنا بنموت.. أحنا بنموت» ...كانت لحظات سريعة، ومع ذلك فقد كان لعبارات وجهها البريء وقد اختفى جزء منه خلف بقية من حجاب رسالته، تماما كما كان لصوتها وقعه، وكأنه نابع من قاع بئر يستغيث ولكن لا مغيث له...
أن يأتيك صوت فتاة سورية دفعتها الحرب القذرة للجوء الى المخيمات بحثا عن مكان آمن تصرخ عبر إحدى الفضائيات، أن الموت يترصد الجميع، ثم يمر المشهد وكأن شيئا لم يكن، إعلان بأن الضمير الانساني العربي قد مات ووُوري الثرى مع تعدد مظاهر انتهاك كرامة المرأة الانسان المستهدفة في وجودها وفي حريتها وانسانيتها والمستباحة في عرضها وفي أبسط حقوقها حيثما كان موقعها، في المخيمات والملاجئ والمعتقلات والسجون وحتى في الشواع والبيوت... من فلسطين المحتلة الى العراق الجريح الى سوريا وليبيا واليمن النازفة...
مصيبتنا اليوم أن صرخة تلك الطفلة السورية بكل ما حملتها من أمل ومن معاناة أنها لم تتجاوز اللحظات التي استغرقتها بعد أن باتت تلك المشاهد المتواترة علينا يوميا أمرا مألوفا لا يحرك السواكن ولا يثير في أصحاب القرار أو من يعتقد أنهم أصحاب القرار أدنى إحساس بالحرج أو الانشغال بما رددته تلك الفتاة السورية المجهولة وهي تذكر العالم بمأساة الآلاف من بنات بلدها...
الامر لا يتعلق بمحاولة للتكفير عن الذنب في اليوم العالمي للمرأة ولكن الامر أعقد وأخطر من كل المحطات والمواعيد المناسباتية لاستعراض واقع المرأة في مثل هذا الحدث فمن كانت في وضع تلك الفتاة السورية المجهولة لا يهمها في شيء كل البيانات والخطب والاشعار التي تنتظم في هذا اليوم وكل لغات العالم ستعجز عن نقل عمق مأساتها التي لا يبدو لها من نهاية في الأفق .
حرائر سوريا وهن بالآلاف يفترشن الأرض ويبحثن في التراب عما يسد الرمق ويبعد شبح الجوع عن أطفالهن، ومنهن من تباع من طرف عائلاتهن للأثرياء العرب لقاء بعض المال، كل ذلك بعد أن عجزت وكالات الإغاثة عن الوصول إليهن وتجنب مزيد الفظاعات .
لقد كشفت صرخة تلك الفتاة العابرة، وما هي بعابرة في حياتنا، فشل وعجز المجتمع الدولي وسقوط المنظومة الحقوقية وورقة القانون الدولي القابلة للتطويع حسب مقتضيات لعبة المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى المعنية التي تغرق في صمتها المتواطئ كلما ازدادا غرق السوريين في الدم ...
لم يعد مهما السؤال اليوم من المسؤول عن هذا الوضع، فالجريمة مشتركة ومن يحمل السيف لقطع الرقاب شأنه شأن من سمح بوصول السيف إلى اليد الاثمة، وكل مفاضلة بين من يُسيّر المشهد من مقره الرسمي ومن يتمرس بالطرقات والبيوت كمن يفاضل بين الوباء والطاعون، كلاهما يدفع الى امتداد لعنة سوريا لتصب حممها وتنثر سمومها على الجميع، ومن أمكن له حتى الآن تجنب لهيب البركان السوري سيجد نفسه حطبا لحرب سوريا التي ستأتي على الأخضر واليابس ولن تستأذن أحدا قبل اقتحام الجوار.. من «القاعدة» وأخواتها الى بقية فروعها وألويتها وأجنحتها وخنساواتها.. والخنساء طبعا منهم براء.. أضحى السواد ولغة السيف والقتل رجما أو نحرا أو سحلا سبيلا لبث الرعب في النفوس لتنفيذ بقوة السلاح ما عجزت عنه قوة الاقناع .
ما حدث لنساء سوريا اليوم ومن قبلهن نساء العراق وفلسطين وغيرهن يعيد الى الذاكرة تلك المقولة الشهيرة التي أطلقتها امرأة أمام نبي الإسلام بعد سبيها في احدى المعارك وهي تقول: «يا محمد، هلك الوالد، وغاب الوافد، فإن رأيت أن تخلي عني، ولا تشمت بي أحياء العرب، فإن أبي كان سيد قومه... يفشي
الطعام، ويفشي السلام.. أنا سفانة بنت حاتم الطائي»... فكانت قولته الشهيرة «ارحموا عزيز قوم ذل»، وقد رأينا أن نستعيرها وفي البال أكثر من سؤال عما اذا كان اليوم بين صناع القرار في العالم من باستطاعته أن يرحم عزيزة قوم ذلت؟
طبعا ليس بإمكان من فقدوا البوصلة ودفعوا الأوطان والشعوب والأمم الى الخراب والدمار والفناء أن يلبوا نداء الاستغاثة وقد سجلوا عجزهم وأعلنوا افلاسهم وأسقطوا ما بقي من أقنعه تستر عوراتهم وتفضح نفوسهم وعقولهم الموبوءة التي تسترت بعباءة الدين لتفسد في الأرض كيفما شاءت... وفي كل ذلك تبقى النتيجة الوحيدة الواضحة للعيان أنه في الوقت الذي تتفاقم فيه مآسي الشعوب العربية وتنتهك فيه كرامة المرأة العربية، تبقى إسرائيل وحدها متفردة في مواقعها المتقدمة تسلب الأرض والزرع وتصادر المقدسات وتستولي على الموروث الثقافي، وحتى الثوب والدبكة والكنافة، وسرقوا معها الحلم العربي والحلم الفلسطيني...
 

 آسيا العتروس

كلمات دليلية: