تحليل لرؤية الزعيم للإسلام بلا أحكام قيميّة ينتظرها الخصوم والمريدون - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 23 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
23
2018

«بورقيبة والإسلام» للطفي حجي في طبعته الثانية

تحليل لرؤية الزعيم للإسلام بلا أحكام قيميّة ينتظرها الخصوم والمريدون

الجمعة 7 مارس 2014
نسخة للطباعة
◄ أحد الكتب التي بادرت برفع الحظر عن بورقيبة قبل أن ترفعه عنه الثورة

  قبل الثورة بأعوام وتحديدا سنة 2005 وقبل أن يتحول الزعيم بورقيبة إلى موضة في السياسة وقبل أن يتذكر من قضى سنوات طويلة في التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل بعد الثورة والذي كان قد قام على أنقاض حزب بورقيبة, قبل أن يتذكر هؤلاء فجأة أن روحهم بورقيبيّة وأنهم ينتمون للإرث البورقيبي كان الإعلامي والكاتب لطفي حجي قد اصدر كتابه : بورقيبة والإسلام : الزعامة والإمامة عن دار الجنوب للنشر. وهو وإذ يصدر مؤخرا الطبعة الثانية للكتاب فإنه مؤهل قبل غيره للحديث عن الزعيم الحبيب بورقيبة بعد أن رفعت عليه الثورة الحظر. فكلنا يعلم أن أغلب من كانوا يعيشون في فلك بورقيبة انفضوا من حوله بعد خلعه وأن الجميع تقريبا لم يحتجوا على المعاملة السيّئة التي كان الزعيم بورقيبة قد تعرض لها خلال إقامته الجبرية بالمنستير. لا أحد كان سيلوم هؤلاء على ممارساتهم لو صمتوا لأن نظام بن علي كان يضيق على الكل ولم تكن للتونسيين أو لأغلبيتهم الجرأة الكافية للإحتجاج حتى مجرد الإحتجاج أما وقد خرجوا علينا في جلباب بورقيبة اليوم فإنه بات من حقنا أن نطرح السؤال أين كانوا قبل الثورة.

 كان الراحل محمد المصمودي محقا كذلك عندما طلب من الكاتب إعادة طبع الكتاب الذي سجل كما علمنا مبيعات جيدة خلال صدوره في الطبعة الأولى فبورقيبة ورغم كل ما كتب عنه وكل ما قيل عنه تبقى عدة جوانب من شخصيته غامضة وكان الراحل محمد المصمودي وهو صاحب التجربة الطويلة في النشر يدرك جيدا أن التغييرات السياسية التي شهدتها البلاد خلقت نوعية أخرى من القراء كما أن مناخ الحرية الذي تيسر بفضل الثورة قد رفع الحظر على التابوهات كما أنه رفع الخوف وقد رفعه عن القارئ الذي لم يعد مضطرّا لإخفاء نوعية مطالعاته مثلما كان سائدا خلال الحكم الإستبدادي في البلاد.

ما يميز الكتاب الذي بين أيدينا أن صاحبه وهو الإعلامي المعروف كان قد بادر برفع الحظر بنفسه على بورقيبة قبل الثورة كما أنه اعتمد على أسلوب جعل المعلومة والفكرة تمر إلى القارئ بيسر كبير. فهو يعتمد بالأساس على الوضوح. لغته دقيقة ومنتقاة بشكل جيد وتكشف عن تمكن واضح من اللغة العربية وهي سلسة ويمكن استساغتها بيسر كبير.

وقد نبهنا لطفي حجي منذ المقدمة إلى أنه لا يقدم كتابا في السياسة لكنه يقدم كتابا فكريا. وقد حاول فيه تحليل رؤية بورقيبة للإسلام دون أحكام مسبقة.

ولعله وجب الإعتراف بأن لطفي حجي فاجأنا بعض الشيء في تعامله مع بورقيبة فنحن نعلم أن تناول شخصية الرجل لا تترك الشخص على حياده. فأنت إما تتشيع له أو أنك تقف في صف الخصوم. فمسيرة بورقيبة ورصيده السياسي وتاريخه النضالي وأسلوبه في الحكم وأفكاره وحتى سيرته الذاتية لا تجعل إمكانية البقاء على مسافة من الرجل عملية يسيرة ولطفي حجي توقعنا منه صرامة أكبر وحتى تشددا في نقد بورقيبة خاصة إذا ما علمنا تجربته الحقوقية ونضاله السياسي ومعارضته للديكتاتورية لكنه لم يكن موضوعيا فحسب بل بان لنا في ردهات من الكتاب أنه أكثر لينا مع التجربة البورقيبية حتى من مناصري الزعيم الراحل.

 نقده للمشروع الإصلاحي حسب استنتاجات الكاتب نتيجة عجز النخبة الدينية التي أوكل لها بورقيبة الدفاع عن رؤيته على ذلك. قال عنه مثلا أنه لم يكن سياسيا عاديا بل جمع بين بعد النظر السياسي وبين الإصلاح. وهو قول لا يروق كثيرا اليوم خاصة للإسلاميين الذي هم في الحكم بعد الثورة ولزعمائهم الذين لا يحملون دون شك بورقيبة في قلوبهم. حتى ما وصفه باخفاقات أو حدود النجاح التي لخصها الكاتب في بقاء المشروع الإصلاحي لبورقيبة يستمد وجوده من قوة القانون ولم يستطع النفاذ إلى الذاكرة الجماعية ولم يغير العقليات فإنها تعود إلى طريقة تفعيلها. يقول لطفي حجي في هذا الصدد وفي خاتمة كتابه: إذا كانت القيم التي يحملها المشروع الإصلاحي لبورقيبة ذات بعد استشرافي في روحها ومنهجها فإن طريقة تفعيلها حكمت على كل المشروع بمحدودية التأثير.

لماذا بورقيبة والإسلام؟

 اختار الكاتب تناول علاقة بورقيبة بالإسلام انطلاقا من ثلاثة عناصر اساسية. أولا خوض بورقيبة لمعارك لم يجرؤ على خوضها سياسيون من قبله فتجرأ حسب الكاتب على ما كان يعتقد أنه من ثوابت الإسلام وخاصة منها ما يتعلق بالمرأة والقضاء والتعليم والعبادات. ثانيا القضايا الإسلامية التي عالجها بورقيبة منذ ما يناهز النصف قرن لا تزال محل نقاش في الدول الإسلامية ومن بينها مصادر التشريع مثلا وثالثا إن القضايا التي تناولها بورقيبة طفت على السطح مجددا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 وما تبع ذلك من فتح النقاش حول مكانة المرأة والتسامح في الإسلام إلخ... وقد تم تقسيم الكتاب إلى ثلاثة أبواب هي على التوالي: بورقيبة والعلمانية والجهاد الأكبر والتأويل البورقيبي للإسلام. وقد تعرض الكتاب للمعارك التي خاضها بورقيبة في كل باب ومواجهته لخصومه من تونس ومن العالم العربي والإسلامي. وإن كان من غير المفيد في هذا الصدد تعداد النقاط التي قام عليها المشروع الإصلاحي لبورقيبة فهي معروفة ومتداولة بقي علينا أن نذكر أن بورقيبة لم يرفض الاسلام وهو ما كان باديا بالقوة في هذا الكتاب بل الإسلام حاضر بقوة في كل المراحل لكن بقراءة جديدة تنزع نحو تحرير العقل وتحرير الإنسان. بورقيبة ربما مزيته أو عيبه حسب موقفنا منه أنه وظف جهاز الدولة لفرض قراءته التي مازالت إلى اليوم محل دراسة ونقاش وجدل.

 

حياة السايب