القاضي يحتج والمحامي غاضب.. لمن نتظلم إذن؟ - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 18 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
19
2018

من وحي اللحظة

القاضي يحتج والمحامي غاضب.. لمن نتظلم إذن؟

الخميس 6 مارس 2014
نسخة للطباعة

   إذا تظلم القاضي الذي وراءه ترسانة من القوانين وذلك الذي يبت في أمور الناس ويحل الخلافات وإذا ما اشتكى المحامي ذلك الذي يدافع عن حقوق الناس... إذا  تظلم الطرفان وهما بشكل أو بآخر يتحكمان في رقاب الناس لمن يتظلم المواطن البسيط؟ لمن يتوجه ولمن يشكو إذا ظلم وأي شعور يتملكه عندما يرى أن أهل الحل والعقد أولئك الذين يمثلون العدالة هم بدورهم في حاجة إلى قاض وإلى محام...

إن الصراع بين ما يطلق عليهما جناحي العدالة وهما القضاة المتكتلين تحت الهيئات النقابية والتمثيلية من جهة والمحامون المنضوون تحت الهيئة الوطنية للمحامين غريب ومستفز بعض الشيء. فالخلافات مهما كبرت كان من الممكن أن أن لا تخرج على الطريق العام والتنافس بين القضاة والمحامين وهما يتحركان في نفس الأرضية, أرضية العدالة الوطنية لن يتوقف اليوم أو غدا بما أن كل طرف مضطر للتعاطي مع الطرف الآخر وهو ما يجعلنا نرجح أن المعركة ربما هي أكبر مما يصرح به الجانبان عندما يصران على أنها من أجل فرض القانون وحفظ المقامات. لا نستثني وجود أجندات خاصة ومصالح كذلك. هناك محاولات واضحة لليّ الذراع ولاختبار مدى قوة كل طرف وقدرته على فرض كلمته والتموقع في الساحة. لا ننسى أن الهيئة الوطنية للمحامين تضطلع بدور سياسي منذ فترة وهي عنصر من عناصر الرباعي الراعي للحوار الوطني وأحد الأطراف التي ساهمت في تحقيق التوافق حول حكومة المهدي جمعة مما يجعلها تجني بعض المكاسب على حساب القضاة ولو كانت قيمتها رمزية. 

إن المعركة هي معركة بسط النفوذ والتمركز بالساحة في وقت يحاول فيه كل طرف فرض وجوده على رقعة الشطرنج مادامت الساحة التونسية مازالت وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الثورة مشرعة  أمام الطامعين والحالمين ومادامت جل الأفواه مفتوحة في هذه الوليمة التي فتحت شاهية الكل في زمن اختلطت فيه الأوراق من جديد في عملية الإنتقال الديمقراطي وكل يريد أن يجني أكثر ما يمكن من الثمار.

لا يمكن أن ننفي اليوم أن التشنج يكاد يطغى على الساحة القضائية ويمكن أن نقول أن القضاة المحتجين وإن كانوا انطلقوا من سبب شرعي, تعرض زميل لهم للمضايقة فإن هذه القضية لوحدها لا تفسر الغليان والغضب الكبير في صفوفهم. ولعل للإنتظارات من القضاة بعد الثورة دور حاسم في ذلك.  

يرزح القضاء اليوم تحت كم كبير من الملفات المعروضة عليه. لعل القضاة لم يعيشوا مثل هذا الوضع من قبل في مسيرتهم لعقود. ملفات تعود لما قبل الثورة وملفات جاءت بها الثورة. القضاء اليوم وجهة الكل واصبح التقاضي متيسرا بعد زوال الديكتاتورية بل أن الناس تهافتت على العدالة بعد الثورة على أمل أن الثورة ستعيد الحقوق لاصحابها وعلى اساس أن القضاة سيقتصون لهم وينتقمون لهم من الظالمين. ومن الطبيعي أن يخلق هذا الوضع ضغطا كبيرا على القضاة لكن لعل ما يعقد المسائل أن القضاء  كان في وقت ما خاصة في السنين الأخيرة لديكتاتورية بن علي إحدى الحلقات التي يعتمد عليها النظام لتنفيذ سياسته القمعية. القضاء لم يكن مستقلا تماما ولنا أن نتخيل كم المظالم التي تحدث في ظل قضاء غير مستقل. لا نقول أن كل القضاة كانوا في خدمة النظام الديكتاتوري ولكن الفساد لم يكن ليستثري في البلاد في ظل وجود سلطة قضائية مستقلة ونزيهة. اليوم هناك رغبة شديدة في فتح صفحة جديدة وقد عبر عنها القضاة وخاصة المتكلمين باسم نقابة القضاة وكذلك جمعية القضاة التونسيين في جل تدخلاتهم. وهناك بالخصوص رغبة في طي صفحة الماضي الأمر الذي يجعل السادة القضاة ربما يبالغون في ردود أفعالهم وخشيتهم من العودة إلى هذا الماضي الذي بات   الخوف من العودة إليه بمثابة الكابوس.

إننا وإن كنا نفهم هذه الرغبة القوية في مقاومة كل المحاولات التي تسعى لضرب استقلالية القضاء واستقلالية القضاء هي مطلب شعبي كذلك إلا أننا لا نفهم هذه المعارك المعلنة وهذا الصراع المحموم. فالصورة التي تصل المواطن غير مطمئنة في وقت يحتاج فيه وهو الذي ينتظر الإنصاف الذي طال انتظاره إلى الشعور بالأمان. كيف للمواطن أن يطمئن والقاضي المدجج بالقوانين والذي يحكم بأمره يتظلّم ويتباكى على وضعه البائس. سؤالنا إلى السادة القضاة -لأن المحامي وإن كان دوره مهما فإن دور القاضي بالنسبة للمواطن جوهري وحياتي إن أردنا-سؤالنا إلى السادة القضاة لمن نتظلم؟

حياة السايب