الأسبوع السياسي: وداعـا فرنسـا.. إلى أمريكـا.. دُر ! - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - السبت 22 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
22
2018

الأسبوع السياسي: وداعـا فرنسـا.. إلى أمريكـا.. دُر !

الاثنين 3 مارس 2014
نسخة للطباعة
شعار المرحلة الأمريكية هو: كن كما نريد أن تكون، لا كما تريد أنت

 

ستبقى الزيارة "غير المبرمجة" التي أداها جون كيري وزير الخارجية الأمريكي إلى تونس الأسبوع الماضي علامة ـ من الأفضل عدم  تحميلها أي توصيف حاليا – في مسار علاقات الولايات المتحدة بالمنطقة العربية وبالعالم الإسلامي، وتحديدا بتونس بأبعادها المتعددة إسلاميا وعربيا وإفريقيا ومتوسطيا.
 وستبرهن الأيام على تحوّل ما في تعاطي الإدارة الأمريكية مع تلك الأبعاد وخصوصا من الزاوية الاستراتيجية.
وإذا عرفنا أن أمريكا ليست من صنف البلدان التي تغيّر استراتيجياتها بين عشية وضحاها، فإن أي تحول في الاستراتيجية لا يعني تخليّا عن تلك الاستراتيجية بقدر ما يكون دعامة لها على صعيد الجزئيات؛ وبالتالي تدخل الدعوة الرسمية التي أبلغها كيري من أوباما لمهدي جمعة لزيارة واشنطن في سياق تلك الجزئيات خصوصا أن واشنطن تتطلع لعقد أول اجتماع للحوار الاستراتيجي بين البلدين، وهي المرّة الأولى التي يتمّ فيها تداول مثل هذا المفهوم المستحدث في علاقات واشنطن بتونس.
كما أن الزيارة ـ كعلامة ـ تعني من جملة ما تعني خيارا تونسيا ،لا ندري ما إذا كان ذاتيا أو نتيجة ظروف معينة في سياق ما يعرف بـ "الربيع العربي؛" أو كذلك انطلاقا من حاجيات تونسية أكيدة بحكم الظرف الاقتصادي والاجتماعي، ونتيجة حتمية لمواقف فرنسية من تونس ، حيث اتسمت العلاقات ببرودة منذ تولي "الترويكا" الحكم، وخصوصا تضمّنها حركة النهضة، إضافة إلى أخطاء الحكومة الفرنسية في تعاطيها مع الثورة التونسية؛ لذلك، نحن أمام تحوّل تاريخي، تتراجع من خلاله مكانة فرنسا تونسيا.
ودون الحديث عن قطيعة فإن مستقبل العلاقات لن يكون بالتأكيد مثلما كان في الماضي بل كل ما في الأمرأن تلك العلاقات جرّدت من غطائها، وأخرجت من سياقها التاريخييْن؛ لأن الحديث عن حوار استراتيجي بين أمريكا وتونس سيضع (وربما ترتقي) بلادنا ضمن (ناد) أي مجموعة معيّنة من البلدان تجمع بينها وبين أمريكا كلمة "استراتيجية؛" لكن هذا النادي لا يضم سوى عدد ضئيل من المتمتعين بهذه المرتبة خصوصا أن المعلن منهم لا يتعلق إلا بإسرائيل التي يجمع بينها وبين أمريكا، "اتفاق للتعاون الاستراتيجي" قد أبرم في 29 نوفمبر 1983 ثم اتفاق مع العراق من خلال "اتفاقية للإطار الاستراتيجي" مبرمة في 2008 وهي عبارة عن اتفاقية ذات شراكة طويلة الأمد في مختلف المجالات وفي أواخر مارس 2012 انعقد في الرياض أول اجتماع لـ «المنتدى الاستراتيجي بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي»!
هذا المنحى الاستراتيجي في علاقات واشنطن مع بعض البلدان كفيل بالتأكيد على أن الحديث عن حوار استراتيجي مع تونس يمثل علامة في مسار العلاقات التونسية الأمريكية، وفي المقابل تدحرج مكانة فرنسا وخروج تونس من الفضاء الفرنسي إلى فضاء أوسع وأرحب؛ وهو الفضاء الأمريكي بسمات القوة في أشكالها المتعددة والهيمنة والعولمة في بعد حضاري يمكن تلخيصه في "العصر الأمريكي".
وإذا تحدثنا عما يمكن تسميته بخطإ فرنسي في التعامل مع الإسلام السياسي برفضه يمكن إيجاد تفسيرله. ففرنسا تعتبر أكثر دولة تطرّفا في العلمانية في الغرب ومع ذلك لم تتحرر سياستها من رواسب دينية وحضارية، ومن ظاهرة الاستشراق، وهي الظاهرة التي استغرقت قرنين وكانت "خير" مساعد للقوى الاستعمارية في المنطقة العربية وكرّست الغرب مركزا للاستقطاب وبالتالي قياس الشرق المسلم بمقاييس غربيّة والترويج لمقولات استعلائية وتمييزية قصد السيطرة على أرض الإسلام وتشويهه والهيمنة عليه.
ولا ينكرأحد أن الاستشراق كان أداة طيّعة للمبشرين المسيحيين في أرض الإسلام؛ بل إن فرنسا التي تعتبرأكبر بلد شهد حركة استشراقية منظمة وواسعة المجالات خصوصا بعد حملة  نابليون  على مصر عام 1798 أصبحت بعد قرار البابا ليون الثالث عشر عام 1888 تخضع لسلطة ممثلها في الشرق العربي كل البعثات التبشيرية في المنطقة؛ بل لا ننسى أن فرنسا هي التي نظمت المؤتمر الثلاثين «الأفخارستي» في تونس، وتحديدا في قرطاج بين 7 و11 ماي 1930 وهو أول مؤتمر مسيحي يعقد خارج ديار المسيحيّين.
لم تنظر فرنسا بأعين الرضاء لبدايات وصول الإسلام السياسي للحكم في بعض دول «الربيع العربي» ، ولها في ذلك أسبابها الداخلية والخارجية؛ لكن بين هذا وذاك تبقى الرواسب والتراكمات الحضارية وليس أقلها الجرح الذي لم يندمل عند الغرب والمتمثل في نتائج الحروب الصليبية البارزة كخلفية في السياسة الخارجية الفرنسية.
وهنا لا يمكن أن ننسى أن فرنسا التي "اخترعت" حق التدخل لأسباب إنسانية تواطأت مع الصرب في حرب ضد المسلمين بـ''البوسنة والهرسك ''؛ وهي اليوم  بتعلة إعادة الاستقرار إلى جمهورية إفريقيا الوسطى تجرّد المسلمين من أسلحتهم فيما تبقي على السلاح لدى المسيحيّين.
وفي بالمقابل فإن الدولة المدنية في الولايات المتحدة تتعامل بطريقة أذكى مع الإسلام الذي يبقى في المخيال الغربي مصــدرا للإٍرهاب؛ وكذلــك مع الإسلام السيـاسي.فــواشنطن فضلت انتهــاج سياسة الاحتـواء
  (policy of containment) التي كانت قد انتهجتها مع الاتحاد السوفياتي طيلة عقود والتي تعني التعهد الشامل بمقاومة الشيوعية حيث وُجدت وهي السياسة التي أدت إلى الإطاحة بامبراطورية الشرّ كما وصفها الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغن وبعد انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية بدأ الحديث عن الخطر الأخضر في إشارة إلى الإسلام.
سياسة الاحتواء التي تمارسها أمريكا تجاه الإسلام ثم الإسلام السياسي لا تتمثل في الإلغاء بقدر ما تعني التطويع عبر الحد من المخاطر والتوجيه. ولا ننسى أن إدارة جورج بوش الإبن كانت قد طلبت ـ مثلا ـ من السعودية إعادة النظر في مناهجها التعليمية وخاصة الشرعية منها، تلك مجرد جزئية مقارنة بما نشهده اليوم وتحديدا احتواء الإدارة الأمريكية للإسلام السياسي.
 وعندما نتحدث عن حوار استراتيجي بين تونس وأمريكا لا بدّ من التفكير في مدى حاجة واشنطن إلى الإسلام السياسي كبديل للحكم في تونس وغيرها من البلدان، إن مجرّد مثال وارد في تقرير خاص لـ "معهد السلام الأمريكي؛" وهو مؤسسة أنشأها الكونغرس كفيل بالتدليل على مدى حاجة أمريكا للإسلام السياسي، وفي نفس الوقت رغبتها في إضفاء تغييرات على الإسلام.
ففي هذا التقرير الذي يحمل عنوان: "السياسة الأجنبية الأمريكية والتجديد الإسلامي،" الصادر في جويلية 2006 نكتشف أن مفهوم التجديد الإسلامي الذي كان قد بدأ في عصر النهضة العربية أصبح حقلا معرفيا يتمّ الاشتغال عليه في أمريكا.
والتجديد الإسلامي كما يعرّفه التقرير هو "عملية منهجية لمراجعة وترشيد المبادئ والمؤسسات والمعتقدات والممارسات الإسلامية" في مكان آخر. نقرأ: "لا يُوجد خارج الإطار الإسلامي فرصة حقيقية لإصلاح جوهري تقدمي مستدام في العالم الإسلامي"
... "لقد أصبح دورالدين في السياسة واقعا فعليا في العالم الإسلامي". وكتوصية نقرأ: "يجب على الولايات المتحدة أن تُعيد تركيز وتنسيق برامج الدبلوماسية العامة والنهوض بالديمقراطية وبرامج المعونة لتعزيز الإصلاحات الدينية الإسلامية والتجديد الإسلامي".
إذن. من فرنسا إلى أمريكا، لم نخرج من إطار النظرة الاستشراقية التي نجد لها صدى حديثا عند برنارد لويس  وكتاباته التي تصب مباشرة في التبشير بكراهية الإسلام ومحاولة تعميمها وعولمتها أيضا.
وإذا كانت الوجهة التونسية حاليا هي أمريكا، فهناك سؤال يبقى مطروحا وهو: ماذا سنستفيد من أمريكا؟
حفنة من الدولارات؟... وبعد؟
هذا السؤال يُعدّ جزئية مقارنة مع المشروع الكبير؛ وهو تجديد الدّين الإسلامي والإسلام السياسي نمطا ديمقراطيا للحكم...
إن شعارالمرحلة الأمريكية هو: "كن كما نريد أن تكون، لا كما تريد أنت أن تكون".

 

نور الدين عاشور