نعم ، نخشى على حكومة جمعة.. لكن نخشى منها أيضا! - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 16 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
16
2018

الأسبوع السياسي

نعم ، نخشى على حكومة جمعة.. لكن نخشى منها أيضا!

الاثنين 3 مارس 2014
نسخة للطباعة

نريد صدمات على أن تكون إيجابية، أما تلك التي تذكرنا بجانفي 1978 وجانفي 1984 فقد أصبحت تاريخا بدروسه وعبره

 

حكومة مهدي جمعة ليست بالضرورة في حاجة إلى معارضة بقدر ما يتطلب الأمر – ليس إخضاعها – بل موازاة عملها مع المراقبة وليس لفقدانها أهلية التحكم في عملها، فهي بالتأكيد ليست "قاصرة" سياسيا لكي تمارس صلاحياتها بصفتها سلطة تنفيذية ـ أحببنا أو كرهنا ـ كحكومة تحت مسمّيات شتى مؤقتة أو مستقلة أو حكومة كفاءات وغيرها من المسمّيات والصفات.
وبعد شهر من تولي الحكومة مهامها لم يعد هناك مجال للحكم على نواياها بل لا بدّ من تقييمها من خلال أفعال ملموسة ومجسدة على أرض الواقع، وفي الأثناء لا يمكننا إخفاء هواجسنا وتوجّساتنا من الحكومة بمعنى أننا إعلاما وأحزابا ورأيا عاما، مهما سلمنا بموضوعيتنا فإنه تبقى لدينا مخاوف على الحكومة وفي الآن نفسه خشية منها وبالأحرى من سياستها طيلة ما سيتبقى من المرحلة الانتقالية!.
وعندما نسمع أن الرباعي الراعي للحوار الوطني يعتزم تشكيل لجنة لمتابعة أعمال الحكومة تشمل ممثلين عن الرباعي وممثلين عن بعض الأحزاب ولجنة أخرى لمتابعة التعيينات، فيما قرر الاتحاد من أجل تونس بعث لجنة متابعة مماثلة للجنة الأولى، سرعان ما يتبادر إلى الأذهان أن لجان المراقبة والمتابعة ستتعدّد ليصبح الأمر شبيها  بلجان يقظة تجاه الحكومة، وهو ما سيُربكها بالتأكيد ويجعلها محل تجاذبات سياسية وبالتالي لا بدّ من الاكتفاء بلجنة الرباعي.
ولقد برهنت الحكومة ـ لحدّ الآن ـ على رغبة في المضيّ قدما في مهامها على الصعيد الداخلي والخارجي، فالتحوير الذي أجري على الولاة وعملية القبض على "عماد دغيج" يفهم منهما رسالة إلى الرباعي الراعي للحوار بأن الحكومة بصدد مراجعة التعيينات وفتح ملف لجان حماية الثورة بطريقة جدية وعملية.
وقد لقي القراران ارتياحا لدى الكثيرين من التونسيين رغم ما أثارته عملية إيقاف "دغيج" من امتعاض لدى فئات معيّنة ؛ وهو امتعاض نجد له أيضا صدى بعد قرار الترفيع في سعر معجون الطماطم ؛ ولكن ذلك لدى فئة أوسع وهي فئه المستهلكين وتحديدا ضعاف الحال والطبقة المتوسطة منهم!.
ولو توقفنا عند الامتعاض، لوجدنا أن مراجعة التعيينات دفعت بأحد الوزراء السابقين وهو عبد اللطيف المكي إلى المطالبة بإعادة النظر في التعيينات طيلة العشرين سنة الماضية وهو ما يعني محاولة إخراج قضية التعيينات من سياقها السياسي الحالي وتمييعها في سياق أوسع لا نجد له مبررات أو حججا على الأقل في ظرف اتفق فيه الجميع على أن الغاية من المراجعة لا تحمل نية الاستئصال الحزبي أو تصفية حسابات؛ بقدر ما كان إطارها واضح المعالم، وهو الإعداد الجيد للانتخابات وضمان و مقوّمات حياد الإدارة.
أما الامتعاض من إيقاف "رجل الثورة" عماد دغيج ففيه ـ بكل تجرّد ـ سوء تقدير من جانب الأحزاب التي استندت إلى ظروف الإيقاف، فقد كشف تحوّل مجموعة نوّاب من ثلاث كتل بالتأسيسي إلى مقرالداخلية ومقابلة الوزير؛ وهو ما يكشف عن ردّ فعل متخلف، لا يختلف كثيرا عن ردود الأفعال التي تسجل هنا وهناك في شكل اعتصامات ومواجهات مع رجال الأمن وحرق مقرات السيادة والأحزاب؛ مما يشكل في معظمه تحدّيا سافرا لسلطة الدولة وهيبتها.
إذن، أمام مثل هذا الامتعاض نخشى على حكومة جمعة من التأثيرات ومحاولة توجيه بعض صلاحياتها في اتجاه معين، يناقض التوافق الوطني، ويتعارض مع المنطق في مفهومه العام. ولعل هذا ما قد يجعل مهدي جمعة حذرا في تعامله مع عديد الملفات والحذرهذا قد يحول دون الموقف الواضح والقرار الحاسم بما يشكل عنصر تثبيط  للعزائم!.
ونخشى في المقابل من حكومة مهدي جمعة وتحديدا من قرارات لا شعبية وغير مقنعة منها بما فيه الكفاية ونعني هنا الزيادة في سعر معجون الطماطم؛ حيث جاءت ردود أفعال منظمة الدفاع عن المستهلك واضحة فيما وجد بعض الخبراء الاقتصاديّين عذرا للحكومة في إطار مواجهة قضية صندوق التعويض بكل شجاعة بمعنى أنه لا بدّ من الألم قبل الأمل في إصلاح الوضع الاقتصادي والمالي.
ولا يجب أن نحصر المسألة في حجم الزيادة في سعرالطماطم بل لا يمكننا إلا أن نجدّد الخشية من حكومة مهدي جمعة من انتهاج سياسة موغلة في الليبيراليّة أولا بكل ما يعنيه ذلك من انعكاسات ـ إضافية ـ على الوضع الاجتماعي وخصوصا على ضعاف الحال والطبقة المتوسطة، وثانيا سياسة متناغمة شديد التناغم مع مطالب (المفروض بعد القروض) صندوق النقد الدولي وبقية الهيئات المالية الدولية المانحة بخصوص السياسة الاقتصادية العامة.
فحبذا لو يعيد مهدي جمعة الاعتبار للدولة الراعية كمفهوم ومبدإ في السياسة العامة ولو بصورة جزئية وفي مجالات معينة مثل الصحة والسكن والتعليم، ولو يعيد دورالدولة كحكم في العملية الإنتاجية من خلال مراجعة بعض القوانين والعمل على احترام أخرى خصوصا ما يتعلق بالانخراط في أنظمة الضمان الاجتماعي ومحاولة إيجاد حلول لعجزها المتفاقم، فهيبة الدولة ليست فقط في مقرّاتها ورموزها بل في رعاية مواطنيها في الداخل والخارج أيضا.
وفي قراءة لما حصل، نفهم أن حكومة مهدي جمعة تسعى إلى النجاح في مهمتها بالنظر إلى التقدم في ملف مكافحة الإرهاب والشروع في مراجعة التعيينات وبالتأكيد يهمّها ترك بصمات في الداخل لكنّها في الآن نفسه لم تهمل الجانب الخارجي في علاقاتنا بدول شقيقة وصديقة مثل زيارة رئيس الحكومة إلى الجزائر والمغرب والزيارة المرتقبة إلى واشنطن؛ كما أنّ وزير الخارجية قد أدّى الأسبوع الماضي زيارة إلى باريس.
وبالتأكيد يهمنا إقامة علاقات متينة واستراتيجية مع دول الجوار والمقصود هنا الجوار المغاربي مثلما يعنينا أن تكون لتونس علاقات  تعاون مع فرنسا وأمريكا. وفي هذا السياق لا مجال لمقولة "كم ستدفعون" لأن تونس لا تبيع وليست للبيع وليست أيضا محل مزايدة بين الجانبين الأمريكي والفرنسي، وإذ يكفي أن تكون هناك منافع متبادلة تأخذ بعين الاعتبار حاجيات البلاد دون أن تدفع البلاد من كرامتها وكرامة مواطنيها في الداخل والخارج.
ويبقى سؤال وحيد وهو: إلى أي حدّ يمكن لمهدي جمعة أن يسير برنامج حكومته وفي تنفيذ التزاماتها في إطار الحوار الوطني؟
كل ذلك مرتبط بمدى ما ستبديه الحكومة من استقلالية تجاه الأحزاب أيا كانت وصمودها في وجه العراقيل العلنية والخفية وبالتالي تكسب لنفسها مناعة وتعاطفا وشعبية بما يحق لنا جميعا أن نخشى عليها من كل ما من شأنه عرقلة أدائها،كما لا نتمنى لها أي فك ارتباط بينها وبين المعاناة في ظل الواقع الاجتماعي والاقتصادي لتنساق في سياسة الإصلاح بالصدمات...
نعم، نريد صدمات على أن تكون إيجابية، أما تلك التي تذكرنا بجانفي 1978 وجانفي 1984 فقد أصبحت تاريخا لكن بدروسه وعبره.

 

نور الدين عاشور