قطاعات متمرّدة..مجموعات مارقة.. نقابات منفلتة:دولة «اللوبيات»! - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 21 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
21
2018

قطاعات متمرّدة..مجموعات مارقة.. نقابات منفلتة:دولة «اللوبيات»!

الاثنين 3 مارس 2014
نسخة للطباعة

 تونس - الصباح الأسبوعي

 

الأحداث المؤسفة التي شهدتها البلاد على أكثر من صعيد في الأيام القليلة الماضية عكس بطريقة درامية الجانب المظلم من الصورة المشرقة لقيمتي الحرية والديمقراطية اللتين فقدتا النقاوة الثورية بفعل الممارسة "الفوضوية " لهما ، ممارسة أصابتنا بالإرهاق والشدّ العصبي ونحن نحاول إقناع أنفسنا بأننا نمارس حرّيتنا وليس الاعتداء على حرّية غيرنا.

اليوم لا نبالغ ان قلنا أن هيبة الدولة أصبحت مرتهنة "للوبيات" قطاعية ونقابية ومجموعات مارقة عن القانون تعمد بشتّى الوسائل غير المشروعة للضغط على صنّاع القرار لنيل مآرب ذاتية وخدمة مصالح خاصّة من خلال التعسّف في استعمال الحق المشروع أو الاعتقاد بأنّها فوق القانون.

 "لوبيات" قد لا تكون منسجمة فيما بينها على خلاف اللوبي السياسي الذي يكون عادة على شكل جماعات أو منظمات يحاول أعضاؤها التأثير على صناعة القرار للحصول على مأرب وأهداف تخدم مصالحها السياسية بالدرجة الأولى ومصالح أخرى تتفرع من السياسة قد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو قانونية.

دولة "اللوبيات" أو l 'état de corporation(وهو أقرب المفردات لها في اللغة الفرنسية ) لم يعد اليوم محض تخمين بل واقعا معاشا يفتك بما تبقى من وقار الدولة الداخلي.

فهل يجوز الحديث عن هيبة الدولة وهيبة مؤسساتها وهيبة قوانينها ،وأحد أهم ركائزها ألا هو المرفق العدلي شلّ بالكامل على خلفية صراع نفوذ "خفي" بين القضاة والمحامين ،فالعدل الذي هو أساس العمران أصبح "ورقة " ضغط مستباحة يعبث بها تارة القضاة وطورا المحامين ،دون أدنى احساس بالمسؤولية واحترام لهذه المهن الحسّاسة والتي تتعلّق بها مصالح وحقوق المواطنين ،فخلاف اجرائي بسيط يمكن أن يحلّ بأيسر السبل تحوّل الى حرب معلنة تنذر بعواقب وخيمة مع استمرار "القبضة الحديدية" في العبث بالعدالة.

القطاعات المتمرّدة على هيبة الدولة لا تقتصر فقط على قطاع المحاماة والقضاء ،بل شملت تقريبا كل القطاعات ففي وقت سابق عمد الأطباء الى تعطيل المرفق الصحّي والعبث بصحة المواطن دون أي وازع أخلاقي لمهنة تعدّ من أنبل المهن ،ونفس الشيء ينسحب على الأساتذة والمعلمين الذين وضعوا أكثر من مرّة مستقبل أبنائنا في "مزاد" المطلبية والابتزاز الوظيفي.

العمل النقابي دون ضوابط

وفي تزامن مريب مع أزمة المرفق العدلي تتحوّل عملية القبض على المواطن عماد دغيج أحد عناصر ما يسمّى بمجموعة (وليست جمعية) رجال الثورة بالكرم ،أحد أذرع الرابطة الوطنية لحماية الثورة والتي برزت الى الوجود بعد نهاية أحداث الثورة الدامية والعنيفة ، لتحمي ثورة لم تنجزها ولم تكن فاعلة فيها، لكن عملية اعتقال دغيج أماطت اللثام عن تشابك مصالح مثيرة للاهتمام بين مجموعات تدّعي حماية الثورة لكنها في الحقيقة "تنكّل" بالثورة وتعمل في إطار "المناولة" السياسية لفائدة أحزاب تتدّعي وفاءها للثورة لكنها ترفع "الفيتو" في وجه تمرير مشروع إقصاء التجمعيين في القانون الانتخابي، ورغم أنها باشرت الحكم لأكثر من سنتين إلا أنها تفادت "ببراعة" محاسبة وتعقّب من أجرم في حق الشعب التونسي لأكثر من عقدين من الزمن بل لا تجد حرجا في التعامل معهم في السرّ والعلن.

كما كشفت عملية الإيقاف هذه عدة مواقف متضاربة حول الدور الحقيقي الذي تلعبه النقابات الأمنية في هذه الفترة، فالمنظومة الأمنية التي شهدت بعد الثورة طفرة أمنية وبات لكل سلك أمني نقابة ،تجاوز أدبيات العمل النقابي (كما تجاوزته مختلف النقابات الوطنية) وبات يفتي ويستشرف الوضع الأمني وحلّت بعض الأطراف النقابية محلّ سلطة الإشراف من حيث احتكارها وتسويقها للمعلومة الأمنية التي من المفروض أن تخضع لمعايير صارمة في وضع أمني هشّ وحرج لا يحتمل الإشاعات أو التخمين.

وان كنّا لا نصادر الحق النقابي- الأمني من حيث المبدأ الاّ أن ايجابيات العمل النقابي الأمني لا تحجب سلبياته وهي للأسف كثيرة أمام الالتباس الكبير الذي تعاني منه هذه النقابات من حيث عدم إدراكها لحقيقة وضوابط الدور الموكول لها وهو ما ولّد حالة من الفوضى واختلاط الحابل بالنابل دفعت في وقت سابق بعض النقابات إلى التصادم أو إلى تشكيل مجموعة ضغط تناشد وتدعو لبقاء الوزير الحالي ،وهذه الانحرافات تجعلنا نخشى أن يتحوّل العمل النقابي الأمني إلى مطية لتصفية الحسابات أو لخدمة أجندات خارجية تفتك بالأمن القومي.

كل ما تقدّم يشير الى أن ما نعيشه اليوم هو مرحلة متقدّمة من مرض ترهّل هيبة الدولة ،تغذيها الفوضى القطاعية والتعنّت النقابي وعدم قدرة قوانين الدولة ومؤسساتها على ردع المارقين ،ويحيلنا على سيناريو أسود تتحوّل فيه الدولة من دولة قانون ومؤسسات إلى دولة "لوبيات " تتصارع على النفوذ الاقتصادي أو الاجتماعي أو النقابي باستعمال الضغط السياسي وبتجنيد المنابر الإعلامية للتأثير على الرأي العام.

 منية العرفاوي