تقرير «الأسكوا» وضع التشخيص وقدم الحلول: «التكامل العربي سبيل للنهضة الإنسانية».. بين طموح الباحثين وفشل السياسيين - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - السبت 22 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
22
2018

تقرير «الأسكوا» وضع التشخيص وقدم الحلول: «التكامل العربي سبيل للنهضة الإنسانية».. بين طموح الباحثين وفشل السياسيين

الجمعة 28 فيفري 2014
نسخة للطباعة
الدول العربية أسيرة الاعتماد المفرط على المعونات الأجنبية

"وضع المنطقة العربية أسير تحديات اقتصادية واجتماعية وبيئية"، "بحلول 2020 ستكون هناك حاجة لأكثر من 51 مليون فرصة عمل"، "الدول العربية أسيرة الاعتماد المفرط على المعونات الأجنبية التي كثيرا ما تتحول الى أداة نفوذ وهدر وفساد وارتهان للجهة الممولة"، "تدهور الأمن القومي أدى الى استفحال مشاكل اللجوء والتهجير القسري"، "نصيب العرب من النشر العلمي يقل عن واحد في المائة"...

غيض من فيض وقطرة مما تضمنته الدراسة الأممية التي أُعدتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، في تشخيص واقع الرجل العربي العليل... واذا كانت ريما خلف الأمينة التنفيذية للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (أسكوا) قد نجحت في استعراض أهم ما تضمنه التقرير الذي أطلقته هذا الأسبوع من تونس تحت عنوان: "التكامل العربي سبيل لنهضة إنسانية"، خلال ساعة وبضع الساعة، فإن الأكيد أن تحقيق ولو جزء من الاهداف التي تضمنها لن يكون بالبساطة ذاتها. ولعله من المهم وقبل التوقف عند أهمية التقرير الاشارة الى ما يمكن أن يعكسه العنوان من حقائق خطيرة قد تدفع في الكثير من جوانبها الى الإحباط.

فهذا التقرير الذي جاء ثمرة جهود مشتركة لعدد من المفكرين العرب والخبراء يعد حصيلة جولة عبر محطات مسيرة التكامل العربي في مختلف توجهاته الاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية والفكرية والتضامنية وغيرها والتي ما كانت تنطلق الا لتتوقف وتتهاوى... ورغم أنه قد لا يقدم جديدا للمتتبع للشأن العربي اليومي الغارق في التخلف والفقر والجهل والصراعات الدموية، إلا أنه يعد مع ذلك وثيقة تاريخية تشهد على ما بلغه الوضع العربي من انحدار وافلاس.

فالتقرير يؤكد وبكل وضوح غياب الرؤية المتكاملة للدول العربية ويخلص الى أن ما تعيشه الدول العربية من تهديدات داخلية للأمن القومي لا تقل عن التهديدات الخارجية مع غلبة الولاءات الطائفية والعرقية على الوطنية بسبب غياب الحكم الديموقراطي. ويذهب التقرير الى ان الازمة الثقافية أدت الى تشويه مفهوم الجهاد والاجتهاد مما ساهم في انتاج فئة متشددة تعكس ما نراه اليوم في سوريا والعراق وغيرهما...

لكن رغم الحصيلة القاتمة للمشهد في العالم العربي، لا يخلو التقرير من عديد الأفكار والحلول والمشاريع الطموحة لتحقيق التكامل المطلوب غير أن ذلك يظل رهينة وجود قيادات سياسية قادرة على تحقيقه. 

 ويشير التقرير إلى إن مشروع النهضة الإنسانية في الوطن العربي واجه مجموعة مخاطر وتحديات سياسية واقتصادية وأمنية ومالية، كان من الممكن احتواؤها بشكل أكبر بكثير لو واجهتها المنطقة ككتلة واحدة.

وتناول تقرير الإسكوا القيود التي عطلت مسيرة التكامل في نصف القرن الماضي ومن بينها ضعف التمثيل الشعبي في مؤسسات الدولة مما سمح بابتعاد السياسات عن إرادة الشعوب، وغياب الإرادة السياسية للدفع قدما بمشروعات التكامل العربي.

وأشار إلى أن تلك المشروعات لم تسلم من التدخلات الخارجية التي كان للمنطقة نصيب منها، فيما سعت قوى أجنبية منذ عقود إلى إجهاض أي محاولة لتحقيق تعاون وثيق بين الدول العربية فكانت النتيجة عقودا طويلة من التشرذم والمخاطر التي تفاقمت بدافع الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والجولان وبعض أجزاء من لبنان، وانتشار القواعد العسكرية الأجنبية في أكثر من ثلث الدول العربية.

ويقدر التقرير أن ضرر السياسات الإسرائيلية لا يتوقف عند احتلال الأرض العربية إذ تشكل هذه السياسات مصدر خطر دائم على أمن المواطن العربي والمنطقة.

ويبدو التكامل العربي من منظور هذا التقرير هدف ووسيلة: هدف من حيث الأمل والحلم لملايين العرب، ووسيلة لتحقيق نهضة إنسانية تعم العالم العربي.

التهديدات الداخلية

مأزق التنمية في الدول العربية حقيقة قائمة والتقرير يدعو بوضوح الى إحياء فكرة التكامل كمخرج لبعض الأزمات، مشيراً إلى أن بعض الشعوب العربية سبقت الحكومات، وأن العمل الشعبي العربي قد حقق إنجازات في عديد مجالات التعاون العربي، فاقت في أهميتها الكثير من الأحيان المؤسسة الرسمية خصوصاً في إقامة الشبكات العربية، وباستخدام وسائل الاتصال الحديثة.

ويقر التقرير بأن حلم الوحدة الاقتصادية انكمش إلى مجرد تعاون  ثنائي ظل بدوره يتراجع حتى حوصر في نطاق تيسير التبادل التجاري بين اقتصادات لا تنتج الكثير، فيما تضاعفت العراقيل التي تعترض مسيرة إنشاء سوق عمل عربية واحدة، وتحول دون تنفيذ الاتفاقات القائمة بين الدول العربية والتي تحوّلت إلى مجرد إعلانات مبادئ ضعيفة المفعول والفعالية. وانحصر مشروع التكامل الإنتاجي العربي في بضعة مشاريع مشتركة لا تصل الى مستوى الإمكانات الهائلة للتكامل ضمن مشروع عربي شامل.

و في ظل تعثر التكامل العربي وقصور السياسات التنموية للبلدان العربية، كانت الحصيلة انتشار الفساد الذي جعل الدول العربية في طليعة ترتيب الدول الأكثر فسادا، وتفشي البطالة والفقر والظلم الاجتماعي في الكثير من البلدان العربية ومن هنا كان الأخطر مع تنامي النعرات طائفية والعرقية التي تهدد وحدة المجتمعات العربية وسلمها الأهلي.

البدائل والتوصيات

من البدائل والتوصيات التي يطرحها التقرير للخروج من هذا الواقع ضرورة وضع حد لمشاعر القهر والعمل على وقف الاستباحة الخارجية والتعثر التنموي.

كما يدعو واضعو التقرير إلى إحياء فكرة التكامل بين الدول العربية لتشمل جميع الفضاءات السياسية والاقتصادية والثقافية والتربوية.

والتكامل العربي في منظور التقرير، هو هدف ووسيلة. هو هدف، كونه سكن، أملاً وحلماً، وجدان 350 مليون مواطن يشتركون في تراث تاريخي وثقافي وروحي، وتجمعهم لغة واحدة، وتقارب جغرافي استراتيجي، كل ذلك الى جانب ثروات كانت نعمة على الآخرين ونقمة على أصحابها الذين عجزوا عن الاستفادة منها لا سيما عندما يتعلق الامر بالثروات النفطية والطبيعية التي تزخر بها المنطقة والتي أيقظت شهوة الطامعين.

ويرى فريق التقرير أن السبيل الوحيد لتحقيق هذه النهضة، هو امتلاك مقوماتها، من إرادة مستقلة، وعلم مبدع، وقدرة فعلية لا وهمية، وحياة دائمة التجديد والتجدّد. ولا سبيل لامتلاك هذه المقومات إلا في تكامل عربي فعّال تصبح به الأمة قادرة على استئناف دورها التاريخي في الحضارة الإنسانية.

كما يعتبر التقرير أنه من أوكد الاولويات أن يتجه التعاون السياسي الى دعم إقامة الحكم الديموقراطي الصالح في الدول العربية، وتشكيل لجنة مختصة متجانسة تسعى في المحافل الدولية للحفاظ على الحقوق والمصالح العربية، ولتحرير ما اغتُصب من أرض عربية خاصة في فلسطين والجولان السوري وجنوب لبنان.

أما الخطوة الثانية فتسعى الى تعميق التكامل الاقتصادي باستكمال تنفيذ الاتفاقيات القائمة، واسترجاع مشروع الوحدة الاقتصادية الشاملة التي كانت أول أهداف التعاون العربي الرسمي، وفقاً لنُهج ومفاهيم تنموية معاصرة.

ولا يغفل التقرير مشهد الفرقة والتمزق الداخلي الذي لا يمكن الخروج منه بدون التماسك الاجتماعي والمساواة في المواطنة وفي الفرص بين كل الاطياف. ويشير الى أن الصحوة التي تجلت في الحراك الشعبي ومنه حراك الشباب، من أجل الحرية والكرامة والعدالة، مؤشر على التحول في العقليات وإصرار على الانعتاق من قيود الخوف والاستبداد والظلم الى المشاركة الشعبية الواسعة في اتخاذ القرار الاقتصادي والسياسي، والقطع مع حالات التفرد بالنفوذ والقرار.

ويعتبر التقرير أن من يبشر بانكسار الثورات الشعبية وانتفاضات الحرية والكرامة فاتتهم الاحداث وغابت عنهم أمور وهو أن ثمار الثورات لا تظهر الا بعد حين وأن السير نحو الديموقراطية والحكم الصالح درب طويلة ومحفوفة بالمخاطر إذ من الوهم توقع أن الأطراف والقوى التي استمتعت لعقود بمكاسب على حساب حقوق سائر الناس ومقدرات الأوطان، ستستسلم لرياح التغيير.

وشدد التقرير - وهذا الأهم - على أن إسقاط نظام الحكم هنا أو هناك لم يكن إلا أحد التحولات الأولية  للربيع العربي، أما الأكثر أهمية من كل ذلك فولادة إنسان عربي جديد ينشد حريته وكرامته، ويتطلع الى الأفضل ويؤمن بقدراته وإمكانياته.

التقرير وبعيدا عن الكمال  لا يخلو من الجهد بحثا عن أسباب تحقيق  نهضة ترفض أن تتحقق وقد اشتمل في مجمله على رؤية موضوعية للتكامل العربي  الاقتصادي والسياسي الذي  ظل أسير ارشيفات الحكام فغرقت بذلك أغلب المبادرات في الغبار والاتربة ولفها النسيان، وهو ما نخشى أن يؤول اليه التقرير الذي بين أيدينا والذي قد يكون مآله مآل كل التقارير المنسية السابقة: توصيات وحلول تبقى رهينة وجود قيادات  تقرأ وتستمع لمبادرات واراء أهل الخبرة ولديها ما تيسر من الإرادة والوطنية والرغبة في الإصلاح لتستفيد وتفيد وتسعى لتجاوز كل القيود التي عطلت حتى الان التكامل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والتضامني في العالم العربي حتى لا نقول السياسي... فلعل في ترك السياسي الى ما قبله ما يمكن أن يدفع عجلة التقدم.

 وفي انتظار ذلك الحين سيظل السؤال المطروح دوما: أليس الصبح بقريب؟

   آسيا العتروس