هنا المريخ..مركبة «برسفيرنس» تسأل عن أحوال التحوير - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - السبت 6 مارس 2021

تابعونا على

Mar.
7
2021

عين على الأحداث

هنا المريخ..مركبة «برسفيرنس» تسأل عن أحوال التحوير

الثلاثاء 23 فيفري 2021
نسخة للطباعة

الحدث الأسبوع  الماضي، ودون منازع، علمي بامتياز وسيسجل يوم 18 فيفري 2021 في تاريخ الإنسانية وفي تاريخ الشعوب المتقدمة التي جعلت العلم غايتها ورهانها الأول وصول مركبة «برسفيرنس» بنجاح على سطح المريخ..

..«برسفيرنس» أو مثابرة مفهوم غائب في القاموس السياسي الوطني وإن حضر فباحتشام كبير ويمكن اعتبار ما تحقق الأسبوع الماضي لفريق الناسا ثمار جهود وبحوث علمية واكتشافات لا نفقهها نحن معشر البشر العاديين ممن تعودوا على النظر مسافة قد لا تزيد عن المتر عن أنظارنا..

 نزلت المركبة الفضائية التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» بنجاح على سطح المريخ، لتكمل بذلك رحلة استغرقت نحو7 أشهر، قطعت خلالها نحو نصف مليار كيلومتر..

ليس هذا من باب الخيال أو الكفر كما يذهب البعض،  بل هي الحقيقة في عالم لم يتوقف الأقوياء فيه عن كسب رهان التكنولوجيا والعلوم ولم تمنعه قيود الكوفيد والأرقام المهولة للضحايا والمصابين عن مواصلة الطريق والتحليق إلى الفضاء.. لا ندري إن كانت المعلومة مؤكدة ولكن يبدو أن بين فريق مهندسي الناسا مهندسان تونسيان احدهما مختص في علم الكواكب، كانا بين المشاركين في عملية إنزال المركبة وهي مسألة نخالها ممكنة ليس لان التونسي لديه الكفاءة المطلوبة والقدرة على المغامرة فحسب ولكن لان قوة أمريكا كانت ولا تزال في تنوعها وفي استقطابها للعقول والكفاءات من مختلف أنحاء العالم من العرب ومن غير العرب وكانت ولاتزال أيضا وبرغم تناقضات الحسابات السياسية عنوان الحلم للكثير من شباب العالم.. الى هنا نتوقف لنعود الى الارض ونثبت اقدامنا على رمال متحركة ونعود الى محيطنا الموبوء وعالمنا الصغير المشحون تونس التي تختنق  كل يوم اكثر بسبب حكامها ونخبها واصحاب القرار فيها الذين اعتقدوا انهم اكبر من هذا البلد ومن تاريخه ومن شعبه فسمحوا لأنفسهم باستغلال ثقته وانساقوا الى حروب وصراعات بغيضة ما انفكت تكشف معدنهم الصدئ وعقولهم الخاوية الا من تدمير كل الفرص الممكنة للخروج بالبلاد من النفق المسدود..

فنحن ومنذ سبعة اشهر غرقنا في تشكيل حكومة ترفض ان تكتمل, وبين تحوير وتحوير عشنا على وقع معجزات القانون الدستوري ومكبلاته حتى خلنا ان بلادنا ستتحول الى موضوع درس في الجامعات لعل وعسى الاجيال القادمة تستفيد من مخرجاته مستقبلا وتجنب نفسها مخاطر الوقت الضائع في البحث عن تأويل بند من بنود الدستور الذي يوشك ان يتحول الى بدعة بعد ان كان افضل دستور اخرج للناس.. وجاءت ازمة الغزالة او الخطوط التونسية ومديرتها الفة الحامدي لتفاقم قتامة المشهد وتؤكد العقلية الموبوءة التي تتحكم في التعيينات على راس المؤسسات الكبرى وفق قاعدة من ليس معنا فهو ضدنا.. وهي عقلية أثبتت انها لا تثمر غير الخراب والدمار.. للأسبوع الرابع على التوالي تعيش بلادنا على وقع ازمة التحوير الوزاري التي ما انفك رئيس الحكومة يدفع الى تعقيدها واطالة امدها في اصرار مريب على اطالة عمر الازمة في بلد لا يملك رفاهية الخيار ويوشك ان يجد نفسه امام استحقاقات مالية دولية سترهن الحاضر والمستقبل.. وها اننا عشنا الاسبوع المنقضي جزءا منها على وقع ما فعلته شركة تاف التركية المستغلة لمطار النفيضة من عقلة على حسابات الخطوط التونسية.. صحيح انه تم رفع العقلة بعد ان تطورت الأحداث وتدخل اتحاد الشغل ولكن هل يكون ذلك نهاية المطاف؟ الأرجح انه سيتعين علينا الاستعداد لما هو اسوا واعقد من ذلك..

لقد تحول مسلسل التحوير الوزاري إلى عبء على البلاد والعباد والحقيقة انه منذ تشكلت هذه الحكومة برزت أصوات من الحزام السياسي الداعي لها يؤكد ان التحوير قادم وبما يلبي رغبة  هذا الحزام الذي يطوق رئيس الحكومة ويضعه امام خيارات انتحارية فلا هو قادر على التقدم ولا هو قادر على التراجع الى الخلف ولا هو قادر على البقاء في موقعه فكل خطوة بحساب ولكل خطوة نتائجها في حكومة بلا رأس ولكنها متعددة الأذناب والكل فيها يعتقد أنه الأصل وأنه الأجدر والأقدر بالقيادة والتحكم في مصير شعب يكابد من أجل لقمة العيش ويغرق يوما بعد يوم في مآسيه ومعاناته من أجل العيش الكريم.. المشهد ضبابي في بلادنا والرؤية تكاد تكون منعدمة وعمى الألوان استفحل بالجميع ولولا بقية من ضمير في ما بقي من مؤسسات إدارية وصحية وتربوية وغيرها لكنا في وضع اسوا  نتيجة اهواء نخب عابثة امتهنت الابتذال وعجزت عن الخروج من دائرة المراهقة السياسية واحترام موقعها من عالم السياسة..

هل يمكن بعد كل الذي حدث التعويل على مكونات المشهد السياسي الراهن للخروج من الأزمة؟ وهل يمكن لو حدثت المعجزة وتم الاتفاق بشان المحكمة الدستورية وانتهى الخلاف على التحوير أن نطوي هذه الصفحة نهائيا؟ الأرجح أن تجاوز الأزمة الراهنة في حال وقعت تنازلات من مختلف الأطراف لن يكون انفراجا دائما بل انفراجا مؤقتا ستعود بعده البلاد لتغرق في غيرها.. نحن ندفع اليوم ثمن نظام انتخابي لقيط منح حق الترشح والوصول إلى السلطة للجاهل والفاسد وندفع ثمن دستور نكتشف مع كل يوم ثغراته المتعددة وكثرة الفخاخ التي تضمنها بقيود مجحفة لا يمكن أن تدفع إلى تقدم البلاد والخروج بها من دائرة التصادم البارد ونحن فوق كل ذلك ندفع ثمن تغلغل الإسلام السياسي في مؤسسات الدولة ومحاولات تحويل الأنظار عن القضايا المصيرية.. يقال إن الحاجة أم الاختراع ولكننا في تونس لا نهتم ولا ندرك ذلك ونحن غير معنيين بحجم الإفلاس الذي تعاني منه البلاد.. وقد كان يكفي شيء من الواقعية ووضوح الرؤية وخطة وطنية للرهان على قدرات وكفاءات هذه البلاد لتطوير إمكانياتها والرهان على الجودة في مختلف الصناعات الغذائية فيها وفي قطاع النسيج وفي إصلاح وتطوير التعليم ورقمنته لتكون جائحة كورونا فرصة للانطلاق من جديد.. ولكننا لم نسمع منذ 2011 صوتا واحدا يحث التونسيين على «صنع في تونس» وعلى الاستثمار والبناء على الإرث الجيد والصلب للبلاد وإصلاح ما يستوجب الإصلاح دون نقمة او محاولة للقطع نهائيا مع الماضي ومع العقلية التونسية الاستثنائية في الرهان على الأفضل والتطور والارتقاء الى مراتب الدول المتقدمة..

ننظر حولنا فنجد ان العالم الذي كان يراهن ويتطلع الى لقاح ضد كورونا بات أمام أكثر من لقاح من أوروبا الى أمريكا والصين والهند وروسيا وقد نسمع المزيد منها في قادم الأيام.. العالم يستعد لمرحلة ما بعد كورونا ويسعى الى اعتبارها فرصة ودرسا للإصلاح ومراجعة الأخطاء ونحن نصر على الانكسار والاختفاء من المشهد.. حتى مشروع كوفاكس الذي اعتمدته الامم المتحدة لتوفير فرصة لتوزيع اللقاح بشكل عادل بين الشعوب والامم الضعيفة لم نحسن الاستفادة منه وموعد 14 فيفري مر دون نتيجة والأسباب معلومة لان الحكومة لم تبادر الى الاستجابة للاستحقاقات والمواعيد المفترضة للقوانين التي ترتبط بالحصول على التلاقيح.. أزمة الثقة في تونس تتعمق ولا مجال حتى بالنسبة لأكثر المتفائلين من الرهان على المتحكمين في المشهد الراهن بتحقيق انفراج لن يكون الا مؤقتا في ظل نظام هجين ومشين..

بقي أمامنا أن ننتظر ما ستحمله مركبة برسفيرنس عن المريخ فقد تتوفر للتونسيين فرصة العيش على الكوكب الأحمر بعيدا عن الأمراض النفسية وعقد النخب التي أنهكت البلاد والعباد وأصابتها بالإحباط...

 

آسيا العتروس

 

إضافة تعليق جديد