المحاكمة عن بعد في تونس على ضوء المرسوم عــــ12ـــدد لسنة 2020 المؤرخ في 27 أفريل 2020 (الجزء الاخير) - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 7 مارس 2021

تابعونا على

Mar.
7
2021

دراسة قانونية

المحاكمة عن بعد في تونس على ضوء المرسوم عــــ12ـــدد لسنة 2020 المؤرخ في 27 أفريل 2020 (الجزء الاخير)

الثلاثاء 23 فيفري 2021
نسخة للطباعة
بقلم القاضي: فاروق الهاني

 تنشر «الصباح» في عدد اليوم الجزء الاخير من دراسة في أربعة أجزاء بعنوان «المحاكمة عن بعد في تونس على ضوء المرسوم عــــ12ـــدد لسنة 2020 المؤرخ في 27 أفريل 2020 » للقاضي فاروق الهاني.

يستخلص مما سبق ذكره أن إجراءات المحاكمة عن بعد جاءت في تناقض تام مع غاياتها وهي سرعة فصل النزاع و حماية جميع أطرافه، فمن خلال الشكليات الكتابية الواردة بالفصل 141 مكرر من مجلة الإجراءات الجزائية وآجال الإعلام بقرار اعتماد تلك الآلية التي تمت الإشارة إليها سابقا لا يمكن أن تزيد المحاكمة الجزائية إلا بطئا.

رغم التباين الكبير بين المشرع الفرنسي والتونسي في إجراءات المحاكمة عن بعد إلا أنهما اشتركا في عدم تعرضهما لمسألة تجريم وعقاب كل شخص أو جهة يمكن أن تتلاعب بمنظومة المحاكمة عن بعد سواء بالفيديوهات أو المعلومات.

لقد اتى المرسوم عدد 12 لسنة 2020 في ظرفية استثنائية متسمة باستئساد الجائحة وطنيا ودوليا وفي محاولة من المشرع للتعجيل في نسق محاكمات الموقوفين لارتباطها بحرية الأفراد، فكان نصا مرتبكا حمل الهنات المذكورة سلفا، وقد تزيد إكراهات الواقع في عُسر تطبيقه.

الفقرة الثانية: الحدود الواقعية:

لا يمكن الحديث عن نجاعة آلية المحاكمة عن بعد سواء من خلال دورها الحمائي أو من خلال دورها في إطار عصرنة العدالة وسرعة الفصل في النزاعات وتقريب القضاء من المتقاضي، قبل الحديث عن واقع مرفق العدالة في تونس الذي يشكو في أغلب الأحيان من نقص حاد حتى في مستلزمات العمل البسيطة كالأوراق المخصصة لطباعة الأحكام وحبر آلات الطباعة، ومكاتب لا تليق بالقضاة أو الموظفين، وقاعات جلسات تغرق في الرطوبة والظلام، واقع لم يتغير رغم وجود اتفاقيات شراكة بين الدولة التونسية والإتحاد الأوروبي ممولة من هذا الأخيرة بمبالغ هامة تعنى بمرفق العدالة من ذلك برنامج تعصير المنظومة القضائية و برنامج دعم إصلاح القضاء إلا أن تلك النقائص مازالت موجودة لذلك لا بد من تجاوزها حتى تكون الأرضية الأساسية لانطلاقة ناجعة لنظام المحاكمة عن بعد.

كما أنه لا يمكن الحديث عن آلية المحاكمة عن بعد إذا لم تأت في إطار تصور شامل لرقمنة العدالة أو عصرنتها على غرار عديد القوانين المقارنة فالجزائر مثلا ذهبت في ذلك الاتجاه من خلال القانون عدد 15-03 لسنة 2015 المتعلق بعصرنة العدالة والذي حددت أهدافه في فصله الأول وهي وضع منظومة معلوماتية مركزية بوزارة العدل، وإرسال الوثائق والمحررات القضائية بطريقة إلكترونية واستخدام تقنية المحادثة المرئية عن بعد في الإجراءات القضائية، كما أخذت العصرنة في عديد البلدان أشواطا متقدمة من ذلك نذكر إمارة أبوظبي التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة  والتي أرست ما يعرف بالمحاكمات الميدانية أو المحاكم المتنقلة عبر حافلات مجهزة للغرض.

رغم ذلك فإن الخطى لم تتسارع في تونس للدخول الفعلي والعملي في برامج تعصير ورقمنة العدالة، وحتى إن وجدت الاتفاقيات ورصدت الميزانيات إلا أن أغلبها بقيت حبرا على ورق، فمنذ نوفمبر 2017 تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين وزير العدل ووزير تكنولوجيا الاتصال والاقتصاد الرقمي حول «تنفيذ برنامج العدالة الرقمية»  والتي حددت مدة تنفيذها بثلاثة سنوات تنطلق من تاريخ توقيعها، الهدف منها إرساء نظام معلوماتي متكامل خاص بمنظومة العدالة في تونس ترتكز على ثلاثة محاور أساسية، أولها النفاذ إلى المعلومة وإلى القانون من خلال تركيز نظام معلوماتي متطور، وثانيها رقمنة الأحكام والملفات وإحكام أرشفتها إلكترونيا، وثالثها تركيز شبكة إدارية مندمجة لتراسل المعطيات ذات سعة عالية، تشمل كافة المحاكم والمؤسسات الراجعة بالنظر لوزارة العدل، وإلى حد كتابة هذه الأسطر ورغم بلوغنا سنة 2020 ورغم الميزانية الضخمة المرصودة وقدرها 62 ألف مليون دينار التي من المفروض أن تكون تلك الإجراءات الواردة بالمذكرة قد بلغت مراحل متقدمة في تنفيذها.

وفي هذا الإطار لا يمكن المرور دون الإشارة بأن السلطة التنفيذية في إطار مشروع قانون المالية لسنة 2020 اقترحت إحداث صندوق خاص بدعم العدالة ودعم البنية التحتية للمحاكم وتعصير ظروف العمل بها وتيسير النفاذ للعدالة يتم تمويله بنسبة 20% من مبلغ الخطايا المستخلصة المحكوم بها في المادة الجزائية ومن الهبات والمساعدات المسندة، إلا أنه لم يحظ بمصادقة أعضاء مجلس النواب. 

كل العوامل المذكورة سالفا من شأنها أن تنذر بانطلاقة عرجاء لآلية المحاكمة عن بعد، وتربك مسارها.

-انتهى-

 

إضافة تعليق جديد