هل هي رقصة النار؟ وهل يكون رباعي نوبل من يُخمدها؟ - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 28 فيفري 2021

تابعونا على

Mar.
1
2021

هل هي رقصة النار؟ وهل يكون رباعي نوبل من يُخمدها؟

الأحد 21 فيفري 2021
نسخة للطباعة
بقلم: مختار اللواتي

مع التحيةِ للقديرةِ سلمى بكار ولطاقم فيلمها المتألق عن حياة المطربة التونسية حبيبة مسيكة وعن جانبٍ من حقبة العشرينات من القرن الماضي، فإني لا أنوي الحديث عن الفيلم ولاعن صاحبته أو عن تلك المطربة ذات الإحساس العالي والعشق المخلص للفن والتوق اللانهائي للحرية. والتي انتهت حياتها وسط لهيب نيرانٍ رجحت مصادر عديدة أن يكون حبيبُها هو من أوقده فصحّ عليه المثل القائل «ومن الحب ما قتل». سوى إنه هو من قتل حبيبته بدل أن يكون الحب قد صرعه هو غيرةً واغتياضاً من اختيارها حريتها على الارتباط به. وهذه فاتت الأصمعي رحمه الله، وقد يتدارك الأمر رئيسنا حفظه الله في إحدى خرجاته القادمة !

غير إن النار التي أرى شراراتها قادمة وأفردتُ لها هذا المقال، ليس مبعثها حُباً وغيرةً على الحبيب. إنما هي تلك التي تهدد هذا البلد الموصوف بالآمن فاستغفله في اتحادٍ غريب، قُطاعُ طرقٍ، وقراصنةٌ، ومجانينُ مهووسون بالسلطة والتسلط، ومرضى نفسانيون تورمت ذواتُهم بـ/ أو من جرّاء، الحقد والكراهية، نجح جميعهم في الدوس على كل القيم والمباديء، من «حب الوطن من الإيمان» إلى «ولا عاش في تونس من خانها» !! لقد خانوها وأمعنوا في خيانتها تشتيتاً لصفوف بناتها وأبنائها وتفقيرا لكل فئات شعبها، إلا من والاهم وسار في ركابهم. وتفريطا في سيادتها تمهيدا لبيعها في المزاد لمن يدفع أكثر ويضمن دوام سطوتهم !

وحتى عندما تعالت أصوات الاحتجاج من كل نواحي الوطن، من شبابٍ صبر طويلا على أكاذيبهم ومماطلاتهم، وعانى الأمرّين وأكثر من التهميش والتبخيس لتطلعاته وهو في عز الحماس والتوقد للعطاء، خَيَّر أولئك الحكام اللذين ثبت تلاعبهم بالديمقراطية ليعتلوا سدة الحكم، أن يُكشِّروا عن أنيابهم ويَبطِشوا بذلك الشباب الغاضب وتلك الجحافل من اليافعين الذين فقّس غالبهم تحت عباءة «عهد هؤلاء الحكام السعيد» فخرجوا بلغة وشعارات موغلة في المباشرتية وغير عابئة لكل الموروثات في النضال الاجتماعي والسياسي من جيل الهزائم الهرم !

• وإذا كان محتجو سليانة في عهد الحالم بالخلافة السادسة قد تم قمعهم بالرش الذي ذهب بأبصار كثيرين منهم أو خلّف فيها عاهات دائمة، فإن الحاكمين من سلالته قد فضّلوا، مساهمةً منهم في إحياء الذكرى العاشرة «لثورة الكرامة والحرية»، الغاز المسيل للدموع والرصاصَ المطاطي الذي أطفأ شمعة حياة يافع من سبيطلة، واعتقالَ المئات من شباب «الكرامة» ومواليدها، فاقت الألف والأربع مائة، ونُقل عن أهاليهم اتهاماتُ نُسِبت لهم، تناقلتها وسائل الاتصال الاجتماعية، بتعرض أبنائهم للتعذيب وهتك كرامتهم بأبشع الطرق !

والعجيب المُحًيِّر هو إمعان أولئك الماسكين بالسلط على اختلافها، وعلى تنوعهم وليس اختلافهم، في الإيهام بأنهم «جادّون»(على قول وزير المالية) في البحث عن مصادر لتأمين مرتبات الموظفين في الأشهر القريبة القادمة ولتغطية العجز المالي الرهيب وغير المسبوق للدولة منذ عهد خزندار سيء الذكر، ما قبل بعث اللجنة المالية الأجنبية متعددة الأطراف، توطِئةً للاستعمار المباشر للبلد سداداً لديونه !

فمن النادر أن تصادفكم أمثلةٌ في الدول الموصوفة بالديمقراطية لحكامٍ استمروا في الحكم عشر سنوات متتالية، مع الإصرار على المواصلة، وقد تسببوا في إفلاس دولتهم، بكل المفاسد مجتمعة، من انعدام كفاءة، وتبديد للمال العام على الموالين، سواء في شكل ما سُمي باطلا بالتعويض ماليا عن «تضحياتهم» من أجل الفوز بغنيمة السلطة، أو برصّ المؤسسات العمومية بهم بما يفوق طاقة استيعابها وبما لا يستجيب لمعايير الكفاءة التي تحتاجها. هذا فضلا عن زرع الفتنة بين أفراد الشعب الواحد بتقسيمه إلى مؤمنين على مذهبهم، وعلمانيين يُقصَدُ بهم ملحدين وشيوعيين، كما رددها عن قادتهم وأيمتهم، عناصر من نقابة أمنية للأسف المخزي الشديد في مطلع هذا الشهر.

فهل هي بدعة تلك التي نسمعها ونشاهدها في الدول الديمقراطية والمتمثلة في الدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها كلما انسدت السبل أمام إصلاح حال حكومةٍ ما أو برلمانٍ ما؟ ويتأكد، كما هو حالنا، إما عجزُهُما عن إيقاف وباء الفساد، أو تغطيتُهُما على الفاسدين وتوفيرُ الحصانة لهم والاشتراك معهم في الحكم، زيادة على تعطيل إنشاء هيئاتٍ رقابية، في مقدمتها المحكمة الدستورية، لسنواتٍ ست !!

فكم من وعدٍ قُطع وأُخلف منذ تخطت حركة النهضة، بجهد رباعي الحوار، هذا الجهد الذي حاز عليه جائزة نوبل، مأزقَ صائفة 2013 وخطرَ اعتصام الرحيل بعد اغتيال الشهيدين شكري بلعيد في السادس من فيفري ومحمد البراهمي في ذكرى عيد الجمهورية لتلك الصائفة وذلك العام؟ كل ما فعلته أنها غيبت عن الأنظار من عُرفوا بصقور الحركة، وقدمت إلى الواجهة وجوها زئبقية الخطاب، وقررت في مؤتمرها العاشر، «فصل الدعوي فيها عن السياسي»، بلا أدنى مراجعة أو اعتذار عما سبق، واستمرت مع ذلك وبعد ذلك في زحفها التمكيني داخل مفاصل الدولة ومؤسساتها، تحقيقاً لمخطط تنظيم الإخوان من ناحية وتنفيذا لبرنامج رئيس الحركة الذي كان ألمح به لجمعٍ من رموز التيارات السلفية المتشددة، فضحه فيديو مسرَّب، مما قاله لهم فيه، ما معناه» أنشئوا جمعيات وانشطوا واصبروا علينا، فالجيش والشرطة مازالا غيرَ مضمونيْن» !

وها إن العناصر من تلك النقابة الأمنية الذين وجهوا تهديدات من صفاقس مباشرة إلى من وصفوهم بجماعة «صفر فاصل والشيوعيين والملحدين» في اليوم الأول من هذا الشهر، قد طمأنوا بتلك التهديدات السيد راشد الغنوشي أنهم الآن مضمونون. ولكن اليقين أن وحدات الأمن الوطني لن تقبل على نفسها أن تكون لعبةً في أيدي السياسيين كائنا من كانوا. ولابد تنجح في افتكاك حق تشريع قانون يؤسس بالفعل لأمن جمهوري متحرر من كل ابتزاز وهيمنة سياسييْن.

فهل يملك الآن رباعي الحوار من الأدوات والآليات والضمانات للنجاح، وهو العازم من جديد أن يقوم بدور رجال الإطفاء فينقذ الوطنَ من لهيبِ نارٍ موقدةٍ قادمة، والدولةَ من انهيارٍ وشيك زاد من أطماعِ قوىً خارجيةٍ متعددةٍ فيها، وحركةَ النهضة وأحلافها في الفساد من مأزقٍ أشد وطأة عليها وعليهم مما كان في تلك الصائفة الحارقة؟؟

وهل تُقنع الشبابَ المهمشَ المقموعَ والمنسي، تلك الجلساتُ التفاوضية الماروطونية، سواء منها تلك التي تقودها وفودٌ عن الحكومة إلى الجهات المنتفضة، أو تلك المتعلقة بالمؤسسات العمومية، شركة الخطوط الجوية التونسية مثالاً بعد أن أفاق التونسيون على تعيين رئيسة مديرة عامة لها وُصفت ب»عبقرية شابةٍ نادرة»، عائدةٍ لتوها من أمريكا وتملك مركز دراسات وتفكير يجمع كبار الشخصيات الأمريكية متعددي الاختصاصات بما فيها الطاقة.. ومن ذوي الجاه السياسي في الولايات المتحدة (أنظر التفاصيل في مقال على موقع نواة)، وشَكلت من بعضهم لجنة قيل للمساعدة في إنقاذ تلك الشركة العمومية، أولا بتصريف الثقل الزائد من مواردها البشرية. وهو ما أثار حفيظة نقابتها وجامعة النقل والمركزية النقابية، إلى حد التشكيك في نوايا المرأة وأهدافها المخفية الموصلة، قالوا، إلى التفويت في الشركة للأجانب. فكان أن رُفع لها شعار»ارحلي» وبُدئ في اعتصامٍ وإضرابٍ مفتوح خَطب في جَمعِه مؤيداً، الأمينُ العام للمنظمة الشغيلة صباح الجمعة الماضي, وقد عُلِّق بعد دعوة رئيس الحكومة الوفد النقابي يتقدمه السيد نور الدين الطبوبي إلى جلسة تفاوض عاجلة لإيجاد مخرج لذلك الوضع.

هكذا هو الحال على مدى السنوات الماضية، عند كل محنة أو جريمة أو إهمال، يُعلن عن أحد ثلاثة حيل. إما فتحُ تحقيق لن ترى نتيجتُه النور. أو تشكيلُ لجنة للبحث عن حل، تُقبر قبل أن تبوح بأسرارها. أو إطلاق مزيد من الوعود تتبخر مع الأيام.. ويستمر السقوط !

وحتى الأصوات التي ارتفعت وصدعت بالحقيقة المرة، مثل السيد كمال العكروت صاحب الإطلاع عن قرب على مكونات المطبخ السياسي زمن عمله إلى جانب الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي والخبرة الطويلة على رأس أدق المؤسسات الأمنية العسكرية، لم ينج من التشويه والاتهام بأنه يدبر لانقلاب عسكري وبأنه رجل دولة الإمارات. فقط، لأنه نصح السيد رائد الغنوشي في مقابلة تلفزيونية منذ عشرة أيام على قناة قرطاج + بالانسحاب من الباب الكبير، والسيد هشام المشيشي بالاستقالة، ورئيسَ الدولة، في تدوينة منسوبة له كذلك، بأن يُفعّل الصلاحيات التي يمنحها له الدستور، وبأن يتم تنقيح القانون الانتخابي والنظام السياسي وعرضُهما على الاستفتاء. لا يهم إن كنا نتفق مع ما رأى السيد كمال العكروت أو نختلف، فهو كمواطن تونسي له الحق في حرية التفكير والتعبير. خاصة وهو متقاعد من الخدمة العسكرية. ورتبة أميرال التي كان يحملها أصبحت من ماضيه المهني العسكري. وهو ما نبه إليه هو ذاته في تلك الاستضافة التلفزيونية حينما قال بأنه الآن مواطن مدني.

  ونفس التقولات وإن كانت بدرجات مختلفة، قد لاحقت أيضا أصوات صدعت بالحق وكانت من قيادات حركة النهضة البارزة وفي الصف الأول فيها، مثل السيد لطفي زيتون الذي كان قاطعا في أكثر من ظهور إعلامي في المدة الأخيرة، وخاصة في حديثه لجريدة الشروق منذ أيام، بأن حركة النهضة كحزب إيديولوجي قد انتهت. بل إن منظومة الحكم القائمة قد انتهت ولم يعد لديها ما تقدمه. وقد دعا حركة النهضة، في حصة تلفزيونية على الوطنية1 منذ يومين، وكذلك الأحزاب التي قررت معها نقل صراعها السياسي إلى الشارع، بأن تسحب دعواتها تلك لما فيها من مخاطر على السلم الاجتماعية وعلى الممارسة السياسية في نظام المفروض أنه ديمقراطي. ولا يكون الشارع فيه إلا للاحتجاجات المواطنية وليس للصراعات والمناكفات السياسية بين الأحزاب !

وبعد كل هذا أعيد وأكرر سؤالي، هل لدى رباعي الحوار ما يطمئنه بالوصول إلى نتيجة من وساطاته وحواراته المرتقبة  تؤدي إلى طي صفحة الماضي أو حرقها وفتح صفحةٍ جديدة على أسسٍ مغايرة تبعث الطمأنينة في نفوس المواطنات والمواطنين وخاصة الفئات المحرومة والجهات المهمشة والشباب الطامع في «شوية كرامة»؟؟

هنا يصبح إطلاع الشعب على مخطط رباعي الحوار ومساره أولا بأول أكثرَ من واجب وأكيد !.

 

* مختص في علم الاجتماع

 

إضافة تعليق جديد