ما أشد حاجتنا إلى معرفة صفحات من تاريخنا الوطني - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 28 فيفري 2021

تابعونا على

Mar.
1
2021

ما أشد حاجتنا إلى معرفة صفحات من تاريخنا الوطني

الأحد 21 فيفري 2021
نسخة للطباعة
بقلم: مصدق الشريف

يقول العلاّمة التونسي وواضع أسس علم الاجتماع عبد الرّحمان بن خلدون: «إنّ التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، ولكن في باطنه نظر وتحقيق.»  ولئن قيل إنّ الحق يعلو ولا يُعلى عليه، فإنّ الحقائق التاريخيّة بدورها لا بدّ أن تظهر في يوم ما مهما طال الزمن وعمد المضلّلون ومن في قلوبهم مرض أو المنتصرون إلى كتابة التاريخ وتدوين وقائعه حسب أهوائهم ومصالحهم.

برنامج «قهوة عربي» الذي تبثه التلفزة الوطنية الأولى مساء كلّ أحد وتشرف على إعداده السيدة إنصاف اليحياوي استدعى بتاريخ الأحد 14 فيفري 2021 السيدة المناضلة شريفة الدّالي أرملة المناضل النقابي والشيوعي حسن السعداوي. وقد أسهم السعداوي مبكرا في النشاط النقابي حيث كوّن سنة 1922 نقابة عمال الشبكة Brodeurs)) وكانت أول نقابة تلتحق بالاتحاد الإقليمي للكونفدرالية العامة للشغل (س.ج.ت) بتونس، ثم بجامعة عموم العملة التونسية بقيادة محمد علي الحامي عند تأسيسها سنة 1924. وبعد هذه التجربة، أسّس حسن السعداوي الاتحاد النقابي لعملة القطر التونسي في أكتوبر 1946 وعرف المنافي أثناء فترة النضال ضد الاستعمار. وترشح المناضل حسن السعداوي في الانتخابات البلدية لسنة 1957 ضمن قائمة الحزب الشيوعي التونسي في دائرة تونس المدينة. وإثر منع الحكومة التونسية نشاط الحزب الشيوعي التونسي، حُجِز جواز سفره، وتم جلبه يوم 12 فيفري 1963 إلى مركز الشرطة حيث توفي إثر أزمة قلبية، ورفضت الصحف كلّها يومها الإعلان عن وفاته وعن موعد تشييع جثمانه، فلم يحضر موكب تشجيع جثمانه إلا أفراد العائلة وعدد قليل جدا من رفاقه وأصدقائه منهم علي جراد والهادي جراد ومحمد جراد ومحمد حرمل ومحمد النافع وخميس الكعبي وقلاديس عدّة والدكتور أحمد بن ميلاد الذي أبّنه بقوله: « لو كانت الظروف عادية لسارت الجماهير بالآلاف وراء هذا الرجل العظيم».  

وفي إطار المحافظة على الذاكرة الوطنية، بادرت بلدية العاصمة في سنة 1989 بإطلاق اسمه على أحد أنهج حي المنزه التاسع من جملة عدة أسماء وطنية أخرى أطلقت على شوارع مثل: سليمان بن سليمان، صالح بن يوسف، الطاهر بن عمار. وبعد ثورة 2011، شرِع في تنظيم يوم سنوي لإحياء ذكرى وفاته بمقبرة الجلاز يلتقي فيه العديد من التقدميين وأفراد عائلته بحضور ممثل عن الاتحاد العام التونسي للشغل، وتأسست منذ أكتوبر 2015 جمعية باسمه: «مؤسسة حسن السعداوي للديمقراطية والمساواة»، وبادر الاتحاد العام التونسي للشغل من جهته بإعادة الاعتبار إليه إذ انتظمت يوم 28 فيفري 2015 تظاهرة نقابية في الغرض بالمقر المركزي للاتحاد، كما تم افتتاح يوم 25 مارس 2016، مركز ثقافي عمالي يحمل اسم حسن السعداوي في المقر السابق للاتحاد النقابي لعملة القطر التونسي (شارع اليونان) بالعاصمة والذي كان تبرع به السعداوي في سبتمبر 1956 إلى الاتحاد العام التونسي للشغل على إثر حلّ الاتحاد النقابي لعملة القطر التونسي نفسه. (1)

وتميّزت محاوِرة السيّدة اليحياوي السيّدة الدّالي بحضور ذهني كبير وسرد متسلسل للأحداث التاريخية بلغة مبسّطة وعفوية استطاعت خلالها السيدة الدّالي إماطة اللثام عن كثير من الحقائق وجزء كبير من تاريخ البلاد والحركة النقابية. وبيّنت السيدة المناضلة شريفة الدالي أيضا دور الحزب الشيوعي التونسي في ما مضى وما لقيه مؤسّسوه وأنصاره من اضطهاد زمن حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة رحمه الله.

ولئن كشفت المناضلة اليسارية والحقوقية شريفة الدالي السعداوي عن الكثير من الحقائق التي كان يجهلها جلّ التونسيات والتونسيين لاسيما في ما يتعلق بموت زوجها ورفيق دربها المناضل الشيوعي حسن السعداوي يوم 12 فيفري 1963، فإن ما شدّ العديد من المشاهدين إلى هذا الحوار هو إيمان المناضل حسن السعداوي برسالته النضالية وحبه العميق للطبقات المحرومة والمفقرة والمهمشة إذ لم يتخلّ عنها يوما وكان لصيقا بها واعتبر أن نصرة الضعفاء تسري في دمه حتى كانت خبزه اليومي. لقد كان الرجل بعيدا كل البعد عن الأقوال دون الأفعال فكان يجسّد شعارات حزبه من خلال سلوكه اليومي وهو النضال ثم النضال ثم النضال في صمت. وقد روت زوجته كيف ترجم ذلك مثلا من خلال مساعدتها على القيام بشؤون المنزل وتنظيفه والسهر سويّا على تربية الأبناء وتدريسهم، والطريف أنه كان يدعوها إلى أخذ يوم راحة في الأسبوع من أعباء المنزل.

إن السيدة شريفة الدالي السعداوي التي لم أسمع بها سابقا كجلّ التونسيين، حسب اعتقادي، كانت مناضلة من الصّفّ الأوّل في تونس وخارجها وقد حصل لها الشرف العظيم بأن استدعيت للمشاركة في مؤتمر الاتحاد العالمي للمرأة ببرلين سنة 1950 فاستجابت مبلّغة صوت المرأة المنادية بحريتها والمطالبة بحقوقها. وبالإضافة إلى ذلك، فقد دعت ثماني عشرة امرأة يوم اغتيل الزعيم الوطني والنقابي الخالد الذكر فرحات حشاد وزّعتهنّ على الأحياء الكبرى للعاصمة للدّعوة إلى الإضراب العام. إن السيدة شريفة الدالي السعداوي كتبت سجلّ تاريخها بماء الذهب بعد أن أعطت من دمها وحياتها كثير إن لم نقل كلّ ما تملك من نفس ونفيس. كيف لا وقد نُكبت في رفيق دربها في وضح النهار ظلما وعدوانا؟

مسيرة نضالية مشرّفة لزوجين مناضلين ننحني أمامها، وإن تغافلنا عن ردّ الاعتبار إليهما فإننا على يقين بأن التاريخ إن عاجلا وإن آجلا سينصفهما ويكرمهما خير تكريم.

فعلا، ما أشدّ حاجتنا إلى معرفة صفحات من تاريخنا الوطني وقع التعتيم عليها وحامت حولها التشويهات.

ـــــــــ

(1) المرجع في سيرة حسن السعداوي: كتاب « تراجم نشطاء الحركة الشيوعية بتونس في زمن الاستعمار الفرنسي وبدايات عهد الاستقلال 1921-1963»، انظر حبيب بن رمضان، «إحياء الذكرى الثامنة والخمسين لوفاة المناضل الوطني والشيوعي حسن السعداوي»، ليدرز العربية، 2021.02.13.  

*استاذ متقاعد

 

إضافة تعليق جديد