المطرب والملحن توفيق الناصر في ذمة الله: أثرى المكتبة السمعية وأوصى بالإصرار على تحقيق الأحلام - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 28 فيفري 2021

تابعونا على

Mar.
1
2021

المطرب والملحن توفيق الناصر في ذمة الله: أثرى المكتبة السمعية وأوصى بالإصرار على تحقيق الأحلام

الأحد 21 فيفري 2021
نسخة للطباعة
◄ « اللي ما غناش يغني» اغنية أخيرة ضمنها دعوة للأمل وللحياة

لا اعتقد ان وفاة الفنان توفيق الناصر اول امس الجمعة 19 فيفري 2021  فاجأت احدا في الساحة الفنية التونسية.. فقد كان مريضا وفي آخر مراحل مرض عضال الم به وأتعبه وأقعده عن عمل احبه وتفانى فيه وعن لقاء احباب عاش معهم اجمل فترات العمر.. واشتغل معهم ممثلا وملحنا ومطربا وكاتب كلمات وعازفا وناقدا وكاتب مقالات فنية في الصحف التونسية ومنتج برامج في الاذاعة الوطنية وفي التلفزة مثل « طوّل يا ليل»و»حديث الذكريات» .. بعضهم سأل عنه وبعضهم الآخر تدخل لفائدته ولفت نظر الجهات المعنية وطالب بالاهتمام به ومساعدته على تجاوز الازمة .. وجد البر والعناية في افراد عائلته التي لم تستسلم وقامت بكل ما في وسعها لتوفر له الدواء والرعاية النفسية زوجة طيبة مكافحة ومحبة وابن بار به ..حاولا جاهدين تمكينه من كل اسباب الراحة ..احتضناه ورعياه حتى اسلم الروح ..

عاش سعيدا راضيا بما منحه الله من موهبة حاول بإنتاج الاغاني والحضور الدائم في المكان المناسب في الوقت المناسب ان لا يغيب نهائيا لا عن الاذاعة التونسية ولاعن المهرجانات والتظاهرات ولاعما تمنّ به وزارة الشؤون الثقافية والمندوبيات الجهوية للثقافة من تكريمات وحفلات يجتمع فيها على الركح مع مجايليه من المغنين ولم يطالب بأكثر من ذلك .. كان يعتقد ان الشباب اذا توفرت له فرصة الاستماع الى اغانيه سيحبها ويرددها ويضمن لها الخلود .. وكان مواكبا لكل ما يطرأ على الاغنية من تغييرات وتطورات ولان الاذاعات والتلفزات لم تكن تواكب جديده ولا تمرر اغانيه فقد فهم اللعبة وروج اغانيه على اليوتوب نشط على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك ولبى دعوات المنشطين الاذاعيين في  الاذاعات العمومية المركزية والجهوية والاذاعات الخاصة وان كانت المناسبات اقل بكثير مما كان يطمح اليه ..  وان توفرت الفرصة فانه يستغل المصدح ليذكر بزملائه من المغنين والموسيقيين لم يكن يحسد احدا بل يذكّر بمحاسنهم وبسفراته معهم ومغامراتهم ( مثل مغامرته مع الشاذلي انور في مصر عندما وجد ديوان نزار قباني وقد كان في بداية مسيرته الشعرية ولم يكن مشهورا بعد ملقى على قارعة الطريق فاشتراه واخرج منه اغنيته الشهيرة «صباحك سكر» .

رحل وحمل معه اوجاعه وآلامه وما تبقى من احلامه

ظلم وتحمل الانتقاد اللاذع لأغانيه، نسبت اليه اغان لا علاقة له بها، استبعد من الاضواء وكاد يضيع وسط زحمة الاصوات الجديدة وبحث الاعلام الجديد عن البوز الذي لم يتربَّ عليه توفيق الناصر ورغم كل تلك المحاصرة له ولمجايليه من الفنانين الذين صنعوا ربيع الاغنية التونسية  كان يعتبر نفسه نجما وسط نجوم تتلألأ في سماء تونس التي كان يعشقها على طريقته ومن موقعه ويكرمها من حين لآخر بأغنية وطنية ضاع اغلبها ولم تجد طريقها للتسجيل.

كان توفيق الناصر صاحب تجربة متفردة متنوعة احب الفن ونحت فيه مسيرة مشرّفة امتدت على اكثر من ستين سنة اثرى خلالها خزينة الاغنية التونسية الاصيلة بأكثر من 150 عملا حيث لحّن القصيد والأغنية الوطنية والعاطفية والدينية لأهم المطربين التونسيين على غرار عمر العزالي وعائشة وليليا وعلية وزهيرة سالم ومصطفى الشرفي ويوسف التميمي وعزالدين إيدير ومحسن الرايس وصفوة وبالغيث الصيادي ومن الأصوات الجديدة آمنة فاخر وسمية الحثروبي كما اعد الموسيقى التصويرية لشريط « فردة ولقات اختها «..انتقل توفيق الناصر الى جوار ربه حاملا معه اوجاعه وآلامه وما تبقى من احلامه بتقديم المزيد والأفضل للأغنية التونسية التي لم يتخل عنها طيلة حياته ولأفراح العائلة التونسية التي كانت تحتفل دائما بـ»أغنية خمسة وخميس على أولادي نجحولي وقلبي فرحان» التي كتب كلماتها ولحنها للفنانة زهيرة سالم وباغنية « مبروك النجاح « التي كتبها رضا الخويني ولحنها له الفنان عز الدين ايدير وغناها توفيق الناصرواغنية «مبروك المولود « واغنية « العروسة «.

المقابل لم يكن في حجم العطاء الغزير

افنى حياته في حب الفن والموسيقى وأحب تونس وغنى لها في عديد المناسبات ومن اجمل ما غنى في حب الوطن اغنية « المجد « وهي من كلمات الشاعر احمد اللغماني ومن الحان توفيق الناصر وتوزيعه وغنى العديد من الاغاني العاطفية وقد اشتهرت من بينها اغنية «صباحك سكر» وهي من كلمات نزار قباني وتلحين الراحل وغنائه ولكن النسخة التي انجزها كاظم الساهر من هذه الكلمات ونظرا لما لديه من امكانيات مادية وللماكينة الاعلامية التي تسنده غطت على نجاح اغنية توفيق الناصر رغم شهادة بعض العارفين بالموسيقى بان لحن توفيق الناصر اجمل واثرى بكثير من لحن كاظم الذي يلتزم بجملة موسيقية واحدة .. وغياب هذه «الماكينة « ،هي معضلة الاغنية التونسية التي ظلت حبيسة حدودنا ولم تحلق في سموات البلدان العربية ولا علاقة للهجة التونسية بعدم انتشارها عربيا لان الفنانين التونسيين ومن بينهم توفيق الناصر كانوا يغنون القصيد وباللغة العربية الفصحى ورغم ذلك لم تدخل الاغنية التونسية لمصر ولا للشام ولا للخليج العربي .

وهنا يمكن ان نذكّر بأغنية «ملاك يا ملاك» التي سمعها فريد الاطرش هنا في تونس بصوت صاحبها الراحل الهادي القلال واستأذنه في ان يغنيها وانتشرت هذه الاغنية عربيا بصوت فريد الى درجة ان لا احد تقريبا يذكر صاحبها الاصلي حتى في تونس . ومن اجمل ما غنى توفيق الناصر من اغاني عاطفية من تلحينه وتوزيعه ومن كلمات عامر بوترعة «غدا بها سالتقي فأي ثوب انتقي « وكذلك اغنية « انا وانت يا قمر «من تأليفه وألحانه .. كما اهتم بالأغنية الدينية والابتهالات ولحن وكتب كلمات «مبروك يا رمضان « و «باسم الله والصلاة على محمد» ولحن وغنى للفريق الفريق القومي وللروح الرياضية ..

بصوت عذب وبالحان رقيقة جرّب الراحل توفيق الناصر كل الاغراض وأعطى للفن وللفنانين التونسيين ولكن المقابل لم يكن في حجم العطاء ولا نقصد هنا المقابل المادي وإنما ايضا الاعتباري ولم يشفع له على ما يبدو تعلمه على ايدي صالح المهدي والطاهر غرسة ومحمد التريكي وخميس ترنان ولا انتماءه إلى جمعية الرعد للتمثيل والموسيقى التي تخرّج منها علي بن عيّاد وعلية..ولا عمله مع العديد من الفرق الموسيقية مثل فرقة «ليالي تونس» للمستاري العيد، وفرقة «المنار» لرضا القلعي وفرقة «العصر» لحسن الغربي قبل أن يبعث فرقة «البخت» رفقة صديقه عز الدين إيدير في أواخر الخمسينات وبداية الستينات..ليكون نجم الصف الاول في ترتيب مجايليه من المغنين ولكنه واصل العمل وانتج له ولغيره ونوع تجربته عندما انضمّ إلى المجموعة الصوتية لفرقة الإذاعة الوطنية سنة 1966. وان كانت اغاني توفيق الناصر الجميلة لم تصل الى البلدان العربية ولم تحظ بالشهرة فان الالحان التي قدمها لأشهر الفنانين العرب وجدت طريقها للشهرة وللخلود ومن بينها على سبيل المثال اغنية المطرب السعودي محمد عبده «جريح»وهي من كلمات الشاعر فائق عبد الجليل وكذلك الاغاني التي لحنها لعدد من المطربين من المغرب والجزائر وليبيا.

«يلا نفرح يلا نغني ..والزهو يطول الاعمار»

كان الفقيد مغرما بعزف وترديد الحان وأغاني الفنان محمد عبد الوهاب ، عزفها على العود والكثير منها مسجلة بصوته مثل اغنية « قالولي هان الود عليه « وأغنية « بتلوموني ليه « علما بان توفيق الناصر غنى لكبار الشعراء مثل نزار قباني واحمد شوقي واحمد اللغماني واحمد خير الدين وغيرهم...وغنى للكثير من الملحنين مثل صالح المهدي والشاذلي أنور ورضا القلعي ومحمد سعادة ووناس كريم وحسن الغربي.. من اجمل ما لحن وغنى الفقيد «ايجيك نهار وتتفكرني» و»وداعا لست أهواك» و»يا اللي انت غالي علية» و»صباحك سكر» و»أمي» و»ساكنة في القلب يا مشكايا» وغيرها. ولكن تبقى احب الاغاني الى قلبه اول اغنية لحنها وهي «ايجيك نهار وتتفكرني» وبعدها قصيد «وداعا لست أهواك» للشاعر سويلمي بوجمعة والثالثة والتي عرفه بها الجمهور هي أغنية «يا اللي انت غالي علية»وهي من كلمات رضا الخويني وألحان محمد أحمد. بوفاة توفيق الناصر صانع امجاد الاغنية التونسية واحد ابرز روادها واغزرهم انتاجا  تنتهي مرحلة من اهم مراحل انتاج الاغنية التونسية الوترية الاصيلة وتنتهي مسيرة فنان احب تونس واحترم جمهوره ودعا في آخر اغنية اصدرها في فيفري 2019 للأمل وللحياة حين قال « اللي ما غناش يغني// فرحتنا تكبر وتزيد «.
رحمه الله رحمة واسعة ورزق عائلته وأصدقائه جميل الصبر والسلوان.

 

علياء بن نحيلة

 

إضافة تعليق جديد