بورتريه : مية الجريبي..عصفورة الحرية صنعت الربيع.. ورحلت!!! - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 15 جانفي 2021

تابعونا على

Jan.
15
2021

بورتريه : مية الجريبي..عصفورة الحرية صنعت الربيع.. ورحلت!!!

الخميس 14 جانفي 2021
نسخة للطباعة

 

سيبقى تاريخ 19 ماي 2018 من أيام الوطن الحزينة.. يومها رحلت أيقونة النضال السياسي وعصفورة الحرية، مية الجريبي، بعد أن قارعت الدكتاتورية لسنوات وهزمتها في لحظة تاريخية فارقة، أنهت نظام بن علي وأينعت ربيع تونس الديمقراطية، الذي تفرد وتميز في سياق ثورات عربية انتهت إلى الخراب والفوضى.. ربيع حلمت به مية وأصرت عليه بعزيمة لا تلين، طوال مسيرة نضالية مثيرة للإعجاب والدهشة.. ففي البداية كانت مية ببصمتها السياسية وشجاعتها النادرة وفي النهاية كانت رمزا من رموز الذاكرة الوطنية بذلك الرحيل الهادئ رغم الطريق المرهق والصاخب.

لن ينسى التونسيون، أبدا، تلك المرأة التي لا تُهزم أبدا في معارك الحريات والمساواة والعدالة الاجتماعية وقضايا المرأة.. تلك الشجاعة التي لم يرهبها يوما بطش نظام بن علي ولا سطوته ولا قمعه، بل قارعته مقارعة الفرسان وهزمته في أكثر من موقعة.. مية الجريبي بابتسامتها الخجولة وقامتها الصغيرة وروحها المقاتلة ومواقفها الكبيرة وانحيازها للمظلومين والمهمشين والمنسيين، كتبت اسمها في تاريخ البلاد كأحد أبرز أيقوناتها وشخصياتها التي صنعت الفارق.. فارق الحرية وفارق الديمقراطية وفارق الايمان بأن التغيير ممكن وأن أنظمة الاستبداد أكثر هشاشة مما نعتقد..

الغاضبون لا يرفعون إلا الزعماء على الأعناق!

منذ الثمانينات وهي ما تزال طالبة في جامعة صفاقس كانت مية الجريبي ابنة بوعرادة تحلم بتونس مختلفة عما عاينته في طفولتها وشبابها.. وناضلت من أجل هذا الحلم وأدركته ذات جانفي من سنة 2011.. يومها كانت أيام الغضب تتدافع بقوة القهر والغبن والظلم وتبشر بتونس الجديدة كما أرادتها مية وناضلت من أجلها..

وكانت لحظة الانتصار العظيم يوم 14 جانفي 2011، ذلك اليوم الذي غيّر إيقاع الزمن بما لا ينسجم مع مزاج الحاكم المستبد وينسجم مع مزاج الشباب الثائر وملهمته في الرفض والعناد والشجاعة مية الجريبي.. يومها كانت دماء الشهداء ما تزال على الأرض والنظام يحاول بيأس انقاذ نفسه من شارع أصبح أكثر جرأة وغضبا.. يومها كانت مية الجريبي حاضرة أمام وزارة الداخلية، تتقدم الحشود وتهتف من أجل الحرية بل كانت من أوائل الوافدين للاحتجاج أمام »البناية الرمادية« التي طالما أثارت في النفوس ولعقود مشاعر الهلع والذعر، وهي التي ظلت عنوانا لسياسة الاستبداد والقمع..

 ولعل ذلك اليوم كان من الأيام التي لا تنسى في حياة مية الجريبي، الإنسانة والمناضلة، المنحازة دائما إلى قيم العدالة والحرية.. يومها رُفعت مية على أعناق المحتجين كما يليق بها أن تكون.. وكيف لا.. وذلك الشباب الثائر كان يرى فيها المناضلة التي لم تستسلم يوما أو تقبل ببديل عن الديمقراطية أو الحرية.. امرأة وهبت نفسها للنضال من أجل ما تؤمن به من قيم، ولم تكن لها حياة خاصة بها بل كرست كل لحظة من حياتها القصيرة من أجل الدفاع عن قناعاتها ومبادئها في اطار فعل سياسي مارسته برقي وأخلاق ودون كراهية ولا ضغائن.. لتكن تلك القديسة التي تركت فراغا قاتلا في محراب الحرية..

لا عدل إلا إذا تعادلت القوى..

التزام مية الجريبي وجديتها حقق لها مسيرة متميزة منذ بداية تجربتها السياسية في بدايات الثمانينات عندما أسست مع رفيق الرحلة والنضال نجيب الشابي، حزب التجمع الاشتراكي التقدمي سنة 1983 والذي تغيرت تسميته لاحقا إلى الحزب الديمقراطي التقدمي، ليتم انتخابها في 2006 كأول أمينة عامة لحزب سياسي في تونس، ورغم جسامة المسؤولية وهي التي تقود حزبا معارضا في ظل ديكتاتورية خانقة، إلا أن سنديانة النضال الوطني كانت في مستوى مسؤوليتها التاريخية ولم تكتف بقيادة حزبها بل قادت المعارضة في أوقات عصيبة كان النظام يتخبط ويضرب ضربا عشوائيا وكانت نزعة الغضب والثورة تتمدد في الشارع لتنفجر في أحداث الحوض المنجمي وأحداث بن قردان ثم تحولت الى زلزالا أطاح ببن علي في أحداث الثورة..

ولعل إضراب الجوع الوحشي الذي خاضته في 2007 في معركة حزبها مع النظام المستبد، والتي سميت بمعركة»المقر والصحيفة  « ستبقى من المعارك الكبرى التي خاضتها مية الجريبي وأحرجت النظام بشكل غير مسبوق محليا ودوليا!

بعد الثورة كان حضور مية الجريبي مكثفا في المشهد السياسي واستطاعت أن تقود حزبها للحصول على 16 مقعدا في البرلمان في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، وكانت أول انتخابات ديمقراطية شهدتها البلاد منذ الاستقلال، ورغم صعوبة المعركة مع حركة النهضة وحزب التكتل وحملات التشويه التي تعرضت لها استطاعت مية أن يكون لها حضور قوي في صياغة دستور الجمهورية الثانية الذي طالما حلمت به، كانت حاضرة في كل المعارك التي شهدتها مرحلة التأسيس ولعل أهم تلك المعارك هي مطالبتها »بصلاحيات أكبر لرئيس الجمهورية حتى يحدث التوازن«، كما كانت تقول دائما..ولكن مية التي كانت ترفع دوما شعار »لا عدل إلا إذا تعادلت القوى«لم تنجح في أن تفتك صلاحيات لرئيس الجمهورية أمام أغلبية "الترويكا" أو رفاق النضال القدامى ومن بينهم رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر الذي ترشحت أمامه تكريسا للديمقراطية إلى منصب رئاسة المجلس التأسيسي وخذلتها تلك الأغلبية مرة أخرى..!

المعركة الأخيرة..

بعد معركة تأسيس الجمهورية التي خاضها حزبها، والذي غير اسمه للمرة الثالثة في تاريخه إلى الحزب الجمهوري، كانت الخيبة الكبرى في 2014 مع تلك الهزيمة المذلة في الانتخابات، وبالتزامن مع تلك الفترة بدأت مية الجريبي تبتعد شيئا فشيئا عن الأضواء السياسية لتنصرف لخوض معركتها الأخيرة مع مرض لم يرحم أبدا ذلك الجسد الصغير المنهك بمعارك النضال والحرية.. وكان الرحيل أواخر ربيع 2018.. لترحل عصفورة الحرية مية الجريبي كما ترحل طيور السنونو في هجرة طويلة بعد أن تكون قد صنعت الربيع.. ومية صنعت ربيع الحرية والديمقراطية وغادرت جسدا لتبقى روحها ومواقفها ومبادئها تحرس الوطن!

منية العرفاوي

 

إضافة تعليق جديد