عشر سنوات تأخّر فيها المثقف وتقدم غيره - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأربعاء 27 جانفي 2021

تابعونا على

Jan.
28
2021

من وحي اللحظة

عشر سنوات تأخّر فيها المثقف وتقدم غيره

الخميس 14 جانفي 2021
نسخة للطباعة
إن كان هناك من ضحية للعشرية التي تلت أحداث 14 جانفي 2011، تاريخ اسقاط الديكتاتورية التي نحتفل بها اليوم، وإلى جانب الفئات المهمّشة وطالبي الشغل لا سيما من حاملي الشهادات العليا الذين لم تغير الثورة من وضعهم، خلافا لما كان متوقعا، من ثورة حملت شعار الحرية والكرامة، بل استفحلت مشكلتهم وازداد عدد العاطلين من بينهم، فهو سيكون بالتأكيد، المثقف. 
فقد كان المثقف طيلة هذه العشرية مغيبا وتم تضييق مساحة حضوره في المشهد العام وانحسر دوره، فبات غريبا في مجتمعه. وتعتبر معاناة المثقف بعد الثورة مزدوجة. فهو مغيب تماما في الاعلام مقابل فسح المجال أمام وجوه تفتقر للثقافة والمعرفة والحكمة. وقد بات المشهد الاعلامي وخاصة في مجال السمعي البصري حكرا على المهرجين والسفسطائيين والمتحدثين في كل شيء والمدلين بدلوهم حول كل شؤون الحياة مع تركيز على برامج الإثارة، فعم الهرج والمرج البلاد، واصبحت الحياة عبارة عن ملهاة وضحك ولعب بدون حدود وبدون اعتبار لأي قيمة واحيانا لأي حرمة من الحرمات. 
المثقف مغيب كذلك عن النقاش العام في الساحة الوطنية. فلا صوت له نستمع إليه في كل ما يتعلق بالقرارات الكبرى التي تهم مستقبل البلاد وفي كل ما يتعلق بتدبير الأمور في وقت تواجه فيه بلادنا صعوبات كبيرة في مختلف المجالات ولاسيما منها الاجتماعية والاقتصادية. وقد كان من الممكن أن يساهم المثقف في تطوير النقاش العام وأن يكون صوت الحكمة في زمن الانفلات والتطرف والتعصب في كل شيء ولدى الجميع تقريبا. ورغم أن بلادنا تواجه خطر الشعبويّة التي تغلغلت خاصة في الحياة السياسية وفي غيرها من المجالات، مما يجعل حاجتنا إلى الأصوات المتّزنة والمعتدلة والواعية بحقيقة الوضع، ودقة المرحلة، أكبر، فإن ذلك لم يغير من الأمر شيئا. ونشعر أن هناك مشروعا معدا مسبقا، يقوم على تحييد المثقف، بل على ابعاده. فليس من الطبيعي أن تبقى اسماء لها من العلم والمعرفة والزاد الثقافي الشيء الكثير، على الحياد أو تبقى مهمشة أو بالأحرى مغيبة تماما. 
وعلى الرغم من الوضع البائس الذي نحن عليه اليوم، حتى أنه يمكن القول أننا لمسنا القاع، لكثرة الاخفاقات والأزمات والمشاكل وتعفن الأوضاع في كل المجالات تقريبا، فإن ذلك لم يدفع الأطراف الفاعلة وخاصة في أعلى هرم الدولة إلى وضع نفسها موضع تساؤل في علاقة بنوعية التعامل مع مثقفي البلاد. 
كم من مرة مثلا، استقبل رئيس الجمهورية الذي يعتبر رمزا لوحدة الوطن وعزته، مثقفا أو مبدعا؟ كم من مرة خصص رئيس حكومة خطابا للثقافة؟ بل لنتساءل كم من مرة، تم الاستشهاد في خطاب رسمي، ببيت شعر أو بلوحة فنية أو بعمل سينمائي وغيره؟ 
الاجابة طبعا واضحة وهي أن الثقافة في بلادنا اليوم وبعيدا عن الكليشيهات هي عجلة خامسة فعلا وليس مجازا. فهي آخر اهتمامات هذه الدولة الغارقة في الوحل والتي يمكن القول أنها ضحية نفسها، اي ضحية اختياراتها الفاشلة والتي اثبتت الايام أنها عاجزة عن القيام بنقدها الذاتي ومراجعة اختياراتها وأولوياتها التي لم تجن منها، ولم نجن نحن، معها، إلا السراب. 
إن دولة لا تعبأ بمثقفيها وبعلمائها وتسمح بأن يكون المثقف والعالم والمبدع وطالب العلم (جيل المستقبل) ضحية التهميش، في وقت كان ينبغي فيه لهم أن يكونوا في صدارة الأحداث، لا يمكن أن تكون افرازا لثورة حقيقية. 
 فالثورة هي تغيير جذري ملموس. وقد وجب الاعتراف بأن دولتنا الموقرة الحالية والتي تدعي أنها وليدة الثورة، لا شيء في سياستها يؤكد، إذا ما تركنا جانبا، التبجح ومرض الوهم، انها قطعت مع الماضي، هذا إن لم يحصل تراجعا أصلا عن الشيء القليل الذي كان حاصلا. 
◗ حياة السايب 

إضافة تعليق جديد