«القضاء الإداري والإعلام القضائي» (الجزء الثالث) - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 15 جانفي 2021

تابعونا على

Jan.
15
2021

دراسة قانونية

«القضاء الإداري والإعلام القضائي» (الجزء الثالث)

الأربعاء 13 جانفي 2021
نسخة للطباعة
إعداد: فيصل بوقرة (القاضي بالمحكمة الإداريّة)

تنشر «الصباح» في عددها الصادر اليوم الجزء الثالث من دراسة قانونية حول القضاء الاداري والاعلام القضائي للقاضي فيصل بوقرة..

من الجدير التّذكير بأنّ التّقييدات المذكورة أعلاه تتوافق مع المقتضيات والمواثيق الدوليّة إذ نصّت المادة14  من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه يجوز استبعاد الصحافة والجمهور من المحاكمة أو جزء منها لأسباب تتعلق بالأخلاق أو النظام العام أو الأمن الوطني أو عندما يكون ذلك لمصلحة الحياة الخاصة لأطراف القضية أو المدى الذي تراه المحكمة ضروريا فقط في ظروف خاصة إذا كان من شأن العلنية أن تؤدي إلى الإضرار بحسن سير العدالة.

نفس الأمر نصت عليه المادة10  من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان التي أكّدت على أنّ ممارسة حرية التعبير تفترض حقوقا وواجبات وأنها يمكن أن تخضع للتقييد وللعقوبات المنصوص عليها بالقانون حينما يتعلق الأمر بالمساس بحقوق الغير أو تحريف معلومات سرية أو ضمان حياد السلطة القضائية.

ج- احترام قرينة البراءة أو الشّرعيّة:

يهدف التّضييق من حريّة التّعاطي الإعلامي مع الشّأن القضائي إلى ضوابط قد تجد أساسها كذلك في حماية قرينة البراءة أو الشّرعيّة.

وفي هذا الصّدد ينصّ الفصل 27 من الدّستور على أنّ «المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته في محاكمة عادلة تُكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع في أطوار التتبع والمحاكمة».

وذلك يتماشى مع مقتضيات المادة10  من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تؤكد كلها على اعتبار كل متهم ومشتبه فيه بريئا إلى غاية إدانته نهائيا بحكم حائز لقوة الشيء المقضي به.

وقد مكّنت القوانين في فرنسا والمغرب قضاة النيابة العمومية من الإدلاء بتصريحات صحفية بخصوص الجرائم والقضايا شريطة عدم تقييم التهم.

د- الحق في الصورة droit à l’image

للمتقاضي ولكلّ متداخل في القضاء الحقّ في ضمان عدم نشر صورته وتداولها في علاقة مع القضايا المنشورة وخاصّة الصور من داخل قاعة الجلسة والمحكمة.

ويكون السّبيل في ضمان ذلك الحقّ القوانين الخاصّة المنظّمة للحقّ في الصّورة.

هـ- التأثير على القضاء من خلال التغطية الاعلامية (الانارة

 لا الاثارة):

إنّ النّصوص السّابق ذكرها والتي وضعت الإطار العام للحقوق والحريّات وحدّدت الضّوابط والحدود لممارستها تهدف إلى ضمان علاقة جيّدة بين الإعلام والقضاء.

وقد أكّدت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في قرارها الصادر بتاريخ 20 ماي 1998 في قضية Shopfer أنّه «إذا كانت حرية التعبير مضمونة فإن الحق في إبلاغ الجمهور حول إدارة العدالة ينبغي ألا يمس بحسن سير السلطة القضائية فضلا عن أن ذلك يمكن أن يمس بمبدأ استقلال القضاء والتأثير على قراراته».

نجد صدى لمبدأ «عدم التّأثير على القضاء» في مقتضيات الفصل 109 من الدّستور التّونسي الذي «يحجر كل تدخل في سير القضاء»، كما أكّدت المادّة 109 من الدستور المغربي على أنّه «اعترافا منه بأثر الاعلام السلبي في التأثير على قناعة القضاة» نص في الفقرة الأخيرة منه على أنّه «يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة».

وعلى المستوى الواقعي أجرى الخبير في علوم الاتصال هايتاس كيباينغ دراسة حول تأثير وسائل الإعلام على إجراءات المحاكمة بألمانيا، وقد أجري استطلاع شمل 447 قاضيا و271 وكيل نيابة أتبث أن 50% من القضاة وممثلي الادعاء العام تأثرت إجراءاتهم بالتقارير الإعلامية وأن 42% من ممثلي الادعاء العام يفكرون في صدى الرأي العام واعترف ثلث القضاة بأن التقارير الإعلامية لها تأثير في حجم العقوبة وتشديدها.

الفقرةالثّالثة: نحوتركيزنواةلإعلامقضائيمتخصص

أدّت الاعتبارات المأخوذة من مدى تأثير التّغطية الإعلاميّة على مسار الدّعوى القضائيّة إلى التّفكير في تكوين قضاة متخصّصين في الإعلام وكذلك إعلاميّين متخصّصين في الشّأن القضائي مثلما هو الشّأن بالمغرب وفرنسا.

كما تمّ التّفكير في وضع مدوّنة سلوك بين الهيكلين في الغرض مثل تلك المعمول بها بين الصّحافة ووزارة الداخليّة أو التي يتمّ العمل على تدوينها بين المحامين والقضاة في تونس إثر أحداث مع عرف بقضيّة «الجهاز السرّي للنّهضة» في شهر سبتمبر 2019.

في هذا النّطاق، أحدثت المحكمة الإداريّة «وحدة التّواصل والإعلام» بمقتضى قرار الرّئيس الأوّل للمحكمة المؤرّخ في30  جوان 2016، وتتولّى وحدة الاتّصال، مثلما ورد بالبلاغ المحدث لها، «التّعريف بالقضاء الإداري ودعم مكانته وإشعاعه وإبراز دوره في النّسيج المؤسّساتي والمجتمعي عموما، كالتّأكيد على انفتاحه على محيطه والتّفاعل الإيجابي معه.

كما تتولّى الوحدة توفير المعلومة المتّصلة بنشاط القضاء الإداري عموما وإتاحتها للرّأي العامّ.

وتُمثّل الوحدة على هذا الأساس نقطة التّواصل الرّسميّة الوحيدة للمحكمة الإداريّة مع وسائل الإعلام».

من الجدير التّذكير بأنّه قبل ذلك كان الرّئيس الأوّل للمحكمة الإداريّة يعيّن ناطق رسمي لها أو يتولّى ذلك بنفسه، ومنذ سنة 2016 أحدثت وحدة الاتّصال ويرأسها قاض.

هذه الخطوة تعدّ تماشيا مع مقتضيات الفصل 6 من قانون النفاذ إلى المعلومة التي تنصّ على أنّه «يتعيّن على الهياكل الخاضعة لأحكام هذا القانون أن تنشر وتحيّن وتضع على ذمة العموم بصفة دورية وفي شكل قابل للاستعمال المعلومات التالية: (...) قائمة اسمية في المكلّفين بالنفاذ إلى المعلومة، تتضمن البيانات المنصوص عليها بالفقرة الأولى من الفصل 32 من هذا القانون إضافة إلى عناوين بريدهم الإلكتروني المهني، (...)».

كذلك صدرت نصوصا أخرى تطبيقيّة في المجال من ذلك المنشور الصادر عن رئاسة الحكومة تحت عدد25  بتاريخ5 ماي 2012 حول النفاذ إلى الوثائق الإدارية للهياكل العمومية، والمنشور الصادر عن رئاسة الحكومة تحت عدد49  بتاريخ 11 أوت2012  حول المبادئ التوجيهية في مجال الإعلام والاتصال بالنسبة إلى العمل الحكومي، والمنشور الصادر عن رئاسة الحكومة تحت عدد 4 بتاريخ16 جانفي2017  حول تنظيم عمل خلايا الإعلام والاتصال الراجعة بالنظر للوزارات والمؤسسات والمنشآت، والمنشور الصادر عن رئاسة الحكومة تحت عدد19  بتاريخ 18 ماي2018  حول حق النفاذ إلى المعلومة.

تطرح مسألة بعث وإحداث لجان وخلايا اتّصال اشكاليّة قانونيّة تتمثّل في الطّبيعة القانونيّة للبلاغات الإعلاميّة بما أنّ القانون لم يعطي قيمة قانونيّة للمنشورات والبيانات ذات الصّبغة الاعلاميّة الصّادرة عن خلايا الاتّصال والاعلام بالمحاكم.

عرضت المسألة على مجلس الدّولة الفرنسي في قضايا عرفت باسم «فارفستا ونمريكابل» وأصدر أحكامه فيها بتاريخ 21 مارس 2016 في اتّجاه قبول الطّعن بالإلغاء ضدّ هذه البلاغات معتبرا إيّاها قرارات إداريّة من فئة «قواعد القانون المرنة» .

(..يتبع)

 

إضافة تعليق جديد