جنين غراد أو الذاكرة المعطوبة.. - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 15 جانفي 2021

تابعونا على

Jan.
15
2021

ممنوع من الحياد

جنين غراد أو الذاكرة المعطوبة..

الأربعاء 13 جانفي 2021
نسخة للطباعة

لا خلاف اليوم وبعد عشر سنوات ان موسم الربيع العربي بعواصفه العاتية في احيان كثيرة ونسماته الرقيقة في بعض الاحيان حول انظار العالم  واهتمام صناع القرار فيه عن واحدة من اهم واعقد القضايا الانسانية العادلة وهي القضية الفلسطينية المغيبة في المحافل الاقليمية والدولية لعدة اسباب احدها موسم الربيع العربي والانشغال بما يحدث في الدول العربية من تحديات وصعوبات وصراعات دموية.. والأكيد ان ظهور جائحة كورونا على سطح الاحداث سيكون السبب الذي سيدفع الى طي  ما بقي من ملف القضية الفلسطينية ودفعها الى الرفوف بعد ان اغرى ترامب حلفاءه من الحكام العرب بأوهام صفقة القرن وأطلق معها قطار التطبيع المجاني الذي سيفاقم معاناة الفلسطينيين ويزيد في انهاك من بقي  متمسكا بالقضية وفيا للأرض وللذاكرة...

على ان المهم ومع افول ادارة الرئيس ترامب الذي يصر على مغادرة الساحة السياسية في مشهد مذل ومهين وهو الذي كشف عن عقلية الخاسر السيئ والنرجسي المتعالي الرافض لنتائج الصندوق أن تخرج منظمة اسرائيلية حقوقية عن صمتها لتندد بعنصرية الكيان الاسرائيلي وممارساته التي ترقى الى جرائم الحرب.. صحيح ان البعض يمكن ان يستهين بدور اليسار الاسرائيلي ويعتبره وجهين لعملة واحدة وصحيح ان اليسار الاسرائيلي ظل يواصل لعبة تقاسم الادوار كلما تعلق الامر بالاحتكام للشرعية الدولية وقراراتها المتعلقة بحل قضية السلام في الشرق الأوسط.. ولكن الواقع ايضا ان في ما ذهبت اليه منظمة «بيتسليم» ولأول مرة من اعتراف بعنصرية الكيان الاسرائيلي في مثل هذا التوقيت ما يمكن ان ينشط الذاكرة الانسانية المعطلة ويحرك الرأي العام الدولي والإعلام العالمي لكشف الوجه الحقيقي للاحتلال وإسقاط الاقنعة المزيفة التي يتستر بها بفضل عقدة الذنب الاوروبية وبدعم من الحكومات الامريكية المتعاقبة والتي لا خلاف ان ادارة ترامب كانت أسوأها وأخطرها...

وبالعودة الى تقرير «بيتسليم» وفي خطوة غير مسبوقة وصفت المنظمة اليسارية الاسرائيلية النظام الاسرائيلي بالعنصرية وقدمت المنظمة التي تنشط داخل الاراضي المحتلة تقريرا مفصلا عن الممارسات العنصرية للكيان الاسرائيلي في حق الفلسطينيين في ادق تفاصيل حياتهم اليومية والتي تتجاوز في قمعها واستبدادها ممارسات  نظام الابرتييد في جنوب افريقيا.. وهي شهادات موثقة ويمكن اعتبارها وثيقة ادانة ضد الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة..

ولعلها الصدفة شاءت ان يتزامن نشر هذا التقرير مع تقرير اخر لا يقل اهمية ولكنه يصب في اتجاه معاكس تماما والأمر يتعلق هنا بقرار القضاء الاسرائيلي بمنع فيلم «جنين جنين» ومصادرة كل النسخ المتوفرة وتغريم المخرج محمد بكري غرامة ثقيلة في محاولة منها لطمس هذا الفيلم الذي يعد شهادة موثقة لمعركة جنين التي وصفت بالأسطورية والتي اصبحت تعرف بمعركة «جنينغراد» والتي كشفت استبسال المقاومة الفلسطينية التي كبدت الجيش الاقوى في المنطقة خسائر بشرية كبيرة وكشفت قدرة المقاومة عندما توحد صفوفها على مواجهة المحتل وتحقيق اهدافها.. وستتحول معركة جنين  التي امتدت على مدى اسبوعين  في نوفمبر 2002 الى عنوان لملحمة بطولية فلسطينية استعمل فيها جيش الاحتلال كل انواع السلاح وجعل من المدنيين درعا له في هجماته وكشف بذلك عن سقوط اخلاقي يليق بجيش الاحتلال..

الحقيقة انه ليس من الواضح ان كان من حسن الحظ او سوء الحظ ان يتزامن صدور قرار منظمة «بيتسليم»  الحقوقية الاسرائيلية مع قرار محكمة الاسرائيلية بمنع عرض فيلم «جنين جنين» ومصادرة كل النسخ وما اذا يمكن لهذه التطورات ان تزيل الادران التي علقت بالذاكرة الانسانية والعربية او ما اذا كان يمكن ان تنشط ذاكرة اللاهثين وراء قطار التطبيع مع غياب الحليف المزيف ترامب عن المشهد المخاطر العابرة للحدود للعنصرية الاسرائيلية البغيضة والتي سبق للجمعية العامة للأمم المتحدة ان اجمعت على ادانتها واعتبار ان «الصهيونية شكل من اشكال العنصرية» وفقا للقرار 3379 وذلك في 10 نوفمبر 1975 . وهو القرار الذي سيؤرق سلطات الاحتلال لتتحرك في كل الاتجاهات وتدفع  بدعم وتأييد واشنطن الى الغاء هذا القرار التاريخي وهو ما سيتحقق لها في 1991 بعد انطلاق مسار المفاوضات الوهمية لتواصل اسرائيل سياسة الاحتلال  والتهويد والأسر والقتل العشوائي وكل انواع جرائم الحرب المحرمة..

وبالأمس جاء قرار محكمة الاحتلال الاسرائيلي بمنع عرض فيلم «جنين جنين «ومصادرة كل النسخ المتوفرة ليعيد الى سطح الاحداث ممارسات الاحتلال التي لا تستهدف الارض والمقدسات فحسب ولكن وهذا الاخطر تستهدف الذاكرة والتاريخ والموروث التاريخي والإنساني والحضاري وتسعى الى  قمع حرية الرأي والتعبير وكل الاشكال الفنية  وبينها الافلام السينمائية التي يمكن ان يكون لها تأثيرها على الرأي العام الدولي والتي قد تدفع الى تحريك السواكن وتدفع الى التساؤل عن الحقائق وكل ذلك بهدف الغاء وطمس الحقائق التي يمكن ان تدين الاحتلال..

وحتى لا ننسى فان مجزرة جنين او «جنينغراد» اسوة بمعركة «ستالينغراد» كان مسرحها مخيم جنين بالضفة الغربية والذي يعرف حتما كل من زاره والتقى بعض لاجئيه واستمع الى حكايات وشهادات خنساواته امهات شهداء معركة جنين ان هناك على ذلك الجزء من فلسطين ارادة صادقة وإصرارا على الحياة والدفاع عن الارض وانه برغم كل ما جرفه الربيع العربي معه من طعنات ومن مآس ومن خيبات على اصحاب القضية  وبرغم ما افرزته جائحة كورونا حتى الان من مآس انهكت العباد فان الاكيد ان هناك بقية من نفس مستمر.. وأن هناك من يصر رغم القيود والحصار والدمار ورغم التجويع وكل جرائم الاحتلال على حماية ما بقي من البيت واستعادة زمام المبادرة.. فقد كانت جنين بداية نهاية الخلافات والصراعات وبداية تجميع الصفوف وتوحيد الاهداف والإرادة وهذا ما ينبغي العودة إليه..

 

  آسيا العتروس  

 

إضافة تعليق جديد