المهن الصغرى كونت رجالات بنوا تونس وأاسسوا فيها ما نعيش به اليوم - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأربعاء 27 جانفي 2021

تابعونا على

Jan.
28
2021

من بلاتوهات تلفزاتنا إلى قعدات الإذاعات

المهن الصغرى كونت رجالات بنوا تونس وأاسسوا فيها ما نعيش به اليوم

الثلاثاء 12 جانفي 2021
نسخة للطباعة
◄ ظروف المباشر صعبة ولكنها ليست شماعة نعلق عليها كل الأخطاء

بعيدا عن الدفاع عن هذا او لوم ذاك نقول ان ما يحدث اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي وفي بلاتوهات الاذاعات من تنابز بالألقاب ومن محاولات اذلال او اهانة فلان بالعمل في مهنة كذا او بالبيع والشراء قبل ان يصبح نجمااو مسؤولا كبيرا في مجال اختصاصه والحطّ من كبريائه دون رادع واحيانا ودون وعي بان تعاطي هذه المهن الصغرى احسن بكثير من وسائل أخرى قد يعتمدها المحتاج لإتمام دراسته او التمكن من العمل هنا او هناك .

التحقير من شان أي كان لأنه تعاطى المهن الصغرى قبل ان يصبح «قصة ناجحة» امر خطير لأنه لا يلحق الأذى ويدمّر نفسية من تم التحقير من شانه بقدر ما يلحق الأذى بالمجتمع.

هذا المجتمع التونسي تعيش نسبة كبيرة من افراده في الفقر ومازالت عائلات كثيرة حتى المتوسطة منها تناضل من اجل حقها في التعلّم اوفي تعليم أبنائها لتحسين مستواهم المعيشي وللترقي اجتماعيا فيضطرون- من اجل تحقيق احلامهم من ناحية أومن اجل الاستقلال الاقتصادي والذاتي وبالتالي الحد من الوصاية او لإعطاء الفرص للأولياء لتدريس بقية الاشقاء من ناحية أخرى- للانخراط في تعاطي المهن الصغرى المتوفرة والتي تدرّ ما يساعد على توفير تكاليف الدراسة ومعاليم الكراء وحتى الاكل والشرب سواء في العاصمة والمدن التونسية الكبرى او في فرنسا.  

كان تعاطي المهن الصغرى نضالا وعبرة

 فكم من مسؤول كبير في البلاد وكم من كاتب واستاذ وموظف سامي قبل الثورة او بعدها عمل وهو طالب في تونس او في الخارج في المطاعم في غسل الصحون ومسح الأرضية وتنظّيف المرافق الصحية او في مرافقة الشيوخ والعجائز ومكنته الملاليم التي كان يحصل عليها من اعالة نفسه وشراء كتبه والعودة الى تونس او لريفها بنجاح باهر.. كم من بين هؤلاء تحدث بكل حب وشجاعة وفخر عن أيامه تلك لأنه كان يعرف ان المجتمع التونسي كان يرى في ذلك عبرة وقدوة ونضالا وبطولة وعظمة وثبات على مبدا وعلى أهمية قيمة العمل وتفضيل المهن مهما كانت بسيطة وصغيرة على مد اليد لهذا او ذاك او الاضطرار الى الانخراط الى ما يسيء الى السمعة والنفس والعرض.

نعم كنا الى وقت قصير نعتبر ذلك بطولة ورجولة ونضالا من اجل مستقبل افضل اما اليوم وللأسف فقد اصبحنا نذلّ بعضنا البعض ونتعاير في الفضائيات-أي على الملأ -بالمهن الصغرى وهو ما قد يدفع ضعاف النفوس الى التعفف والابتعاد عن هذه المهن التي توفر لهم تكاليف دروسهم وتسمح للبعض بالمساعدة في اعالة عائلاتهم او لملء وقت الفراغ والعمل في كل الحوال افضل من القعود عنه وتسوّل العطاء مهما كان نوعه.

لو كنا في زمان آخر غير هذا الزمان ولو كانت عقلياتنا نظيفة مثلما كانت ولو كنا نقدّر في الانسان حبه للعمل حتى وهو غير محتاج مثلما عشنا لعقود او لقرون طويلة لذكرت أسماء رجالات كثيرة في تونس والقاب كتاب وشعراء وادباء اشتغلوا في اعلى المناصب صلب الدولة وفي المنظمات الدولية والعربية وأسماء أطباء ومهندسين وجامعيين غسلوا الصحون في النزل واشتغلوا صناعا في دكاكين الصناعات التقليدية في المدينة العتيقة، باعوا الأحذية والبخور واللبان والحنة القابسية ونظفوا الشوارع والأنهج وطافوا بحاويات الفضلات لإفراغها وعملوا في الأسواق والحضائر البلدية بقوت يومهم او فقط بالسماح لهم بالنوم في دكاكين صغيرة يضطرون الى مغادرتها في الفجر ليفتحها أصحابها لأنها مقرات عمل، ولكن الشعب التونسي للأسف لا يقرا ولا يعرف شيئا عن الشخصية الحقيقية للتونسي الذي كان يصنع من ضعفه قوة.

ظروف المباشر والتطبيع مع الأخطاء والهنات

الحقيقة اننا الى حد هذا اليوم لم نكن نعرف انه بالإمكان اهانة شخص ما لأنه اشتغل قبل ان يتم دراسته او يحصل على عمل مناسب في المهن الصغرى سواء بقوت يومه او بملاليم او بملجأ ينام فيه الى ان استمعنا لمن يعيّر ويحاول اذلال او الحط من كبرياء زميلته بانها كانت تبيع الأحذية في مغازة قبل ان تصبح ممثلة ووجه تلفزي معروف ومنتجة برامج تلفزية. وحمدنا الله على انه عيّرها ببيع الأحذية لا ببيع شيء آخر لا قدر الله (والمقصود هنا هو بيع المخدرات وحبوب الهلوسة والمتاجرة في كل ما هو ممنوع مثلا).

لقد نزلنا ولعدة اعتبارات ما استمعنا اليه وتداولته مواقع التواصل الاجتماعي والاذاعات التونسية من قبيل أخطاء «ظروف المباشر» فالعمل تحت الضغط لساعات طويلة وفي حضور عشرات الضيوف والتقنيين وكل ما يحتاجه العمل التلفزي من انتباه امام الكاميرا وخلفها قد يدفع الى التفوه بكلمات لا تليق او خارجة عن الموضوع ليس في ذلك شك ولكن لتلك الأسباب كان العمل في المباشر صعبا وغير متاح حتى لبعض الذين تكونوا ودرسوا التنشيط والصحافة وعلوم الاخبار في الجامعة..

«ظروف المباشر» مهمة صعبة وتتأتى مصاعبها مما قد يحدث من مفاجآت وعوائق لا يتحسبها المنشط ولا فريق الاعداد ولا القناة برمتها ويطلع عليها المشاهد وهذه بالذات أصبحت عادية وتم التطبيع معها فقط لـ (ظروف المباشر) وفي هذا يمكن النقاش.

فـ«ظروف المباشر» بعد ان كانت رهانا وفرصة للتحدي وإبراز الكفاءة والإمكانيات وسرعة البديهة والقدرة على المواصلة (رحم الله نجيب الخطاب) دون ان يشعر المشاهد بشيء أصبحت شماعة نبرّر بها كل ما يمكن ان يمرر خلالها للمشاهد في بلاتوهات التلفزة مما لا يجب ان يقال ومما قد يكون أحيانا خطيرا على قائله لأنه يشوه مسيرة قد يكون نحتها خطوة بخطوة وفي ظروف عسيرة.

أخطاء «ظروف المباشر» لا تحتاج الى رقابة سواء في المؤسسة الإعلامية المرئية او المسموعة او الى الهايكا او غيرها من المؤسسات الرقابية وانما تحتاج الى رقابة ذاتية وكبرياء واحترام للذات ولمسيرة المفروض ان نحافظ عليها حتى لا تشوبها شائبة ..ما احوجنا اليوم الى الحرص على احترام المشاهد وعلى العمل على الارتقاء بذائقته وتحسين علاقته بمحيطه.

 

◗علياء بن نحيلة

 

إضافة تعليق جديد