علاقة قانون الأسرة في مالي بمجلة الأحوال الشخصية التونسية - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 28 فيفري 2021

تابعونا على

Feb.
28
2021

دراسة قانونية

علاقة قانون الأسرة في مالي بمجلة الأحوال الشخصية التونسية

الأربعاء 30 ديسمبر 2020
نسخة للطباعة
إعداد: براهيما كانتي حاصل على الشهادة الوطنيّة للدكتوراه في الفقه وعلومه، والشهادة الوطنيّة لماجستير في الشّريعة والقانون بجامعة الزيتونة، تونس.

تنشر «الصباح» في عددها الصادر اليوم الجزء الثالث من دراسة قانونية حول علاقة قانون الأسرة في دولة مالي بمجلّة الأحوال الشّخصيّة التونسيّة للدكتور براهيما كانتي من دولة مالي وقد اختار نشر دراسته على أعمدة جريدة «الصباح» العريقة..

 

 لا غرابة أنّ التّشريعات الصّادرة بشأن كيفيّة إبرام عقد النّكاح في مالي، منها ما تتطابق مع الأحكام الّتي بيّنها المشرّع التونسي، وعلماء الفقه المالكي، رغم أنّ الأوامر التّشريعيّة:  (Les ordes juridiques) في البلاد الماليّة، كانت لها صلة بقضيّة الحالة المدنيّة الفرنسيّة:(Le statut civil français) . أي كان هناك أمرا من ضمن الأوامر، الّتي تهدف إلى تنظيم أحوال الجالية الفرنسيّة، الّتي كانت تعيش في الأراضي الإفريقيّة تحت الحكم الفرنسي الفاشل في تحقيقه لعمليّة القضاء على العادات والتّقاليد الإفريقيّة، الّتي كانت تعاني منها السّلطة الفرنسيّة وأجيالها آنذاك. بمعنى، أنّ الأمور التّشريعيّة لم تكن خالية من العرف المحلّي، كقانون يهدف إلى تنظيم قضايا النّاس، وخاصّة قضية الحالة المدنيّة المحليّة لأغلب السكان الأصليين للمنطقة: (Le statut du droit local ou statut coutumier concernait l’imense majaurité de la population autochtone) ، قبل الاستعمار. والجدير بالاهتمام، هو أنّه ما عدا أغلب القضايا، الّتي كانت تهمّ الدّولة الفرنسيّة في إطار مصالحها، فإنّ بعض القضايا العائليّة مثل قضيّة بناء الأسرة بالزّواج كانت تنظّم وفق النّظام العرفيّ الإفريقيّ. وهذا ليس بغريب، لأنّ بناء أنظمة المجتمعات البشريّة، يرتبط ارتباطا وثيقا بنظرة أساسيّة كلّ مجتمع للعالم، ممّا أدّى إلى عرقلة نمط التّنظيم بين الجالية الفرنسيّة والسّكان الماليين الأصليين. وكلّ ذلك يبيّن، أنّه يصعب الحديث عن هذا القانون، إلّا أن أشير إلى القانون المدني الفرنسي، لأنّ العقل الفرنسي، الّذي يدرك الحقّ، والعدل، والخير العامّ،  قد بادر بإصدار مرسوم باسم ماندل ) (Le décret du Mandel، يوم 15 جوان 1939، الّذي حدّد السّن القانونيّة للمرأة بأربع عشرة سنة، وللرّجل بست عشرة سنة في عقود الزّواج. وكذلك، تمّ إصدار مرسوم آخر باسم جاكينوت ) (Le décret Jacquinot يوم 14 سبتمبر 1951، المتعلّق بقضيّة تعدّد الزّواجات، إذ كانت نيّة المشرّع الفرنسيّ في هذا المرسوم تتعلّق بفرض قانون التزوّج بالواحدة، إلى أن تمكّن السّودان الفرنسيّ {مالي} من الاستقلال، ثمّ بادر بوضع قوانينها، خاصّة في مجال التنظيم. وكلّ من يطّلع على أحكام هذا القانون، يكتشف أنّها كانت تسري على جميع الماليين. بمعنى وجود أصناف ثلاثة من الماليين، يعتنقون المسيحيّة، والإسلام الحنيف، والوثنيّة أي الدّيانة التقليديّة، ولابدّ من القول إنّ اجتهادات أصحاب القوانين الوضعيّة لا تلائم اجتهادات فقهاء الإسلام من الكتاب الكريم والسّنة النّبويّة الشّريفة. أي أنّ أهدافهم تختلف في بعض الأحيان عن أهداف الفقهاء، الّذين يسهرون من أجل إيضاح أحكام الشّريعة الإسلاميّة. بدليل ذكره فخر الدّين الرازي في كتاب المحصول في علم أصول الفقه بشأن قضيّة الاجتهاد، ودور المجتهد: « أنّ الأمّة مجتمعة على أنّ المجتهد مأمور بأن يعمل على وفق ظنّه، ولا معنى لحكم اللّه إلّا ما أمَر به، وإذا كان مأمورا بالعمل بمقتضى ظنّه، فإذا عمل به: كان مصيبا، لأنّه عمل بما أمره اللّه به: فوجب أن يكون كلّ مجتهد مصيبا «.  واجتهاد واضع هذا القانون ليس إلّا تعبيرا عن فقه السّلك القضائي المكمّل لسلطة المشرّع نفسه في دولة مالي، لأنّ قانون سنة 1962 كان يرمي إلى الارتفاع بوضعيّة الشّعب اجتماعيّا، والنّهوض بالأسرة خاصّة، لكي لاتهدر حقوقهم. لذلك كان لابدّ من إصدار مجلّة قصد تحقيق هذا الجانب، وسدّ الثغرات، وإبراز بصمات التّشريع الإسلاميّ في أهمّ القضايا، الّتي تهمّ المسلمين بمالي، الّتي من طموحاتها السّعي نحو التطوّر القانونيّ كسائر المجتمعات الإفريقيّة، لمواكبة قضايا العصر دون التخلّي عن القيم الإفريقيّة، والثقافة الإسلاميّة والغربيّة.

تمّ إصدار هذه المجلّة لتأكيد إرادة المشرّع المالي ودخوله ضمن صفوف مشرّعي القوانين الوضعيّة، الّذين يعتبرون عقد الزّواج عقدا متينا يبرمه الزّوج مع زوجته أمام القانون وفق شروط مشروعة. لكنّ المشرّع لم يكتف بنفس التمشّي، الّذي تميّز به نظيره الفرنسي في معالجة الأحوال الشّخصيّة، رغم عدم وجود أيّ شكّ في تأثّره بالقانون المدنيّ الفرنسيّ، إلّا أنّه استطاع أن يضع من الشّروط ما لا تتعارض مع الشّروط الّتي وضعها علماء الفقه الإسلاميّ باختلاف مذاهبهم. وأراد تحقيق مبدأ المساواة بين الجنسين في التقاضي، إلّا أنّه لم يهتم بالتّنصيص على الزّواج الدّيني في ق.ز.و لسنة 1962م، بل اكتفى بوضع عقوبة، وهي دفع غرامة ماليّة تقدّر من خمسة آلاف إلى ثلاثين ألف فرنك سيفا على كلّ ضابط الحالة المدنيّة، الّذي يتدخل في توثيق عقد زواج دينيّ، بدلا من إبرامه طبقا لهذا القانون، لذلك كان لا بدّ من إصدار م.أ.أ  لسدّ بعض الثغرات.

لا غرابة أنّ مالي توصّلت إلى تدوين قانون الأسرة من أجل إرضاء الجميع، وتحمّلت أمانة مصير شعبها لتأكيد تمسّكها بقانون خاصّ في مجال الأحوال الشّخصيّة إلى أن تكون لها المكانة، الّتي تميّزها عن الدّول الأخرى. ووقع التّفكير في إعداد هذه المجلّة منذ سنتي 1996 و 1998م لغرض مواصلة تنظيم القضايا المتعلّقة بالأشخاص والأسرة. أي مساهمة تشمل أكثر القضايا المتعلّقة بهذا المجال،  ولم تخرج المسألة من حيّز التّفكير إلى حيّز العمل، إلّا في فترة حكم الرّئيس أمادو توماني توري (Amadou Toumani Touré)، الّذي حاول الإعلان عن هذا القانون بتاريخ 03/08/ 2009، وهو قانون كان يدعو إلى دعم قيم العدل والمساواة، وحماية حقوق المرأة، وصيانة الأسرة. وكان ذلك محاولة فاشلة، بعد ظهور سهام النّقد الجارح الموجّه إلى مشروع هذا القانون بأنّه لم يلتزم بالاتّفاقيات الدّوليّة، الّتي صادقت عليها مالي، والّتي تخصّ حقوق المرأة، واعتبر هذا القانون كقانون يعتمد آراء فقهيّة تنهل من العادات والتقاليد البعيدة كلّ البعد عن روح التّشريع الإسلاميّ، وروح العصر، ولم يتم الاتّفاق على القرار النّهائيّ المتعلّق بهذا الأمر. وكانت تلك الانتقادات في محلّها، لأنّ توجّه المشرّع المالي علمانيّ بكلّ وضوح. وقد يتّهم بعدم اعترافه بأحكام الشّرع الإسلاميّ، فتارة يميل نحو التّشريعات الغربيّة، وتارة أخرى، يتمسّك ببعض الأحكام الّتي بيّنها فقهاء الإسلام.

وممّا لا شكّ فيه أنّه كان تحت طغوطات المنظّمات الدّوليّة، الّتي كانت تدعو آنذاك إلى انتشار ثقافة حقوق الإنسان، وأن يصدر في البلاد الماليّة قانون يهدف إلى تحقيق مبادئ المساواة بين الجنسين بما هو مفهوم لدى الغرب، وكأنّ مالي ليس لها صلة بالمبادئ الإسلاميّة الثّابتة، ومتنوّعة المقاصد والمرامي، ولما لها من أسرار بعيدة الغور توافق طبائع النّاس، وأوضاعهم وعاداتهم في جميع العصور بخلاف ما تعتمدها المنظّمات الدّوليّة من أجل تنظيم كلّ ما يتعلّق بقضيّة الأحوال الشّخصيّة.

(..يتبع)

 

إضافة تعليق جديد