جدوى غائبة.. واقع عبثي.. وفراغ تشريعي مستمرّ - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 15 جانفي 2021

تابعونا على

Jan.
15
2021

أمر رئاسي في التمديد في حالة الطوارئ

جدوى غائبة.. واقع عبثي.. وفراغ تشريعي مستمرّ

الخميس 26 نوفمبر 2020
نسخة للطباعة

 أصدر رئيس الجمهورية قيس سعيد أمرا رئاسيا يقضي بتمديد حالة الطوارئ، لمدة شهر وذلك  من 26 نوفمبر إلى غاية 25 ديسمبر القادم.

وإن كان تمديد حالة الطوارئ له مبرراته الأمنية الموضوعية خاصة منها ما يتعلق باستمرار وجود التهديدات الإرهابية، أو في ما يتعلق كذلك بتواصل حالة عدم الاستقرار السياسي واستمرار حالة الاحتقان الاجتماعي التي بلغت ذروتها في هذه الفترة، وربما أيضا في علاقة بالأزمة الصحية التي ما تزال تلقي بظلالها على البلاد والعباد وتثقل كاهل الاقتصاد وتكبل عودة نشاطه إلى سالف عهده..

لا يختلف اليوم عاقلان في أن حالة الطوارئ التي يتم التمديد فيها بصفة آلية وذلك منذ سنة 2011، ليس لها واقعيا وجود يذكر في غياب نتائج ايجابية أو تقييم دوري لها، كما لا تطبّق مثلا الإجراءات الأمنية والإدارية الصارمة بحذافيرها كما وردت بالأمر المنظم لحالة الطوارئ المؤرخ في 26 جانفي 1978 باستثناء تواصل تطبيق آلية الإقامة الجبرية على المشتبه بهم في الضلوع في عمليات إرهابية أو المشاركة فيها..

جدير بالذكر أن حالة الطوارئ في تونس، تم رفعها في مناسبة وحيدة في عهد الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي في مارس سنة 2014، وأعيد إعلانها مجددا في عهد الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، اثر الهجمات الإرهابية الدامية التي نفذت عل متحف باردو وشارع محمد خامس سنة 2015. ومنذ ذلك الحين تحوّلت حالة الطوارئ من نظام استثنائي إلى حالة شبه دائمة، إذ يتم التمديد فيها بصفة تكاد تكون آلية مرة كل شهر وطورا كل ثلاثة أشهر.

تستند حالة الطوارئ في تونس إلى الأمر المؤرخ في 26 جانفي 1978، الذي أصدره الرئيس الحبيب بورقيبة خلال ما يعرف بأحداث “الخميس الأسود” في جانفي 1978. وحسب هذا الأمر ” يمكن إعلان حالة الطوارئ بكامل تراب الجمهورية أو ببعضه إما في حالة خطر داهم ناتج عن نيل خطير من النظام العام، وإما أثناء حصول أحداث تكتسي بخطورتها صبغة كارثة عامة”، وهو ما يمنح الولاة ووزير الداخلية وقوات النظام سلطات استثنائية، من شأنها أن تعطّل حرية الصحافة والاجتماع والرأي والتعبير والتنقل والحق في الإضراب.

فراغ تشريعي

ورغم الإجماع على عدم دستورية الأمر المنظم لحالة الطوارئ، إلا أن حسابات أمنية وأخرى سياسية، فضلا عن موانع قانونية وحقوقية، حالت دون أن يصادق البرلمان التونسي على مشروع قانون ينظم حالة الطوارئ في تونس وينهي بالتالي حالة الفراغ التشريعي المستمرة منذ عقود.

فمشروع القانون الذي تقدمت به رئاسة الجمهورية خلال العهدة النيابية السابقة لتعويضه، أنهت لجنة الحقوق والحريات النظر فيه منذ شهر ماي 2019، في انتظار إحالته على الجلسة العامة، إلا انه ما يزال محل شد وجذب حتى داخل البرلمان الحالي لأسباب مجهولة.

ومؤخرا بلغت حالة الاختلاف في علاقة بمضمون أحكام مشروع القانون الذي خضع لتعديلات واسعة ليناسب مع أحكام الدستور وخاصة مع مبادئ حقوق الإنسان والحريات الفردية، بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وحتى بين الرئاسات الثلاث.

 وعوض طلب استعجال النظر فيه، وجّهت الحكومة الحالية مراسلة رسمية إلى مجلس نواب الشعب في شهر أكتوبر الماضي تطلب فيها سحب ستة مشاريع قوانين أساسية وعادية تم إيداعها من بينها مشروع قانون يتعلق بتنظيم حالة الطوارئ. إلا أن مكتب مجلس نواب الشعب، رفض طلب الحكومة سحب مشروع القانون باعتباره معروض على الجلسة العامة وتم استيفاء النظر فيه من قبل اللجان البرلمانية المعنية وذلك خلال الدورة البرلمانية الأولى نمن المدة النيابية الحالية.

 اللافت للنظر أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد كان قد عبّر في مناسبات عديدة عن عدم اقتناعه بالإطار القانوني الحالي المنظم لحالة الطوارئ، وبرّر في المرة الأولى التي أمضى فيها قرار التمديد، بمقتضيات الأمن، واصفا وضعه «بمن يقبض على الجمر»، لكنه استمر في إمضاء أوامر التمديد في أربع مناسبات متتالية تقريبا منذ تسلمه الرئاسة في أكتوبر من سنة 2019.

لكنه عوضا عن الدفع في اتجاه الإسراع بالمصادقة على مشروع القانون المذكور أو على الأقل إعادة مناقشة الفصول الخلافية التي أثارتها منظمات حقوقية، إلا انه بادر بطلب تنقيح قانون مكافحة الإرهاب لكي يستوعب أهم الصلاحيات التي تتيحها حالة الطوارئ، وهي الإقامة الجبرية، لتنتفي بذلك الحاجة إلى إعلان حالة الطوارئ.

عجز الدولة و عبثية الواقع  

واقعيا، تنتفي اليوم أية جدوى وفاعلية في تطبيق حالة الطوارئ، في غياب شبه تام لتطبيق أي إجراء امني أو إداري أو إجراءات حكومية فعالة تساهم في خفض التوتر وفي إيجاد حلول عملية ناجعة والتعامل بجدية مع الحركات الاحتجاجية المتصاعدة التي شملت عددا كبيرا من الجهات، بعضها خالف حتى القوانين العادية السارية، مثل وقف الإنتاج أو تعطيل المرافق الحيوية وغلق الطرقات وقطع حركة المرور.

واقع البلاد اليوم ينذر بالخطر ويعطي انطباعا عبثيا عن غياب الدولة في ظل عجز السلطات القائمة على التعامل مع المشاكل اليومية للتونسيين، وانتفاء لسياسة عامة واضحة للحكومة والسلطة التنفيذية بشكل عام في إدارة الدولة ومرافقها العامة، والتعامل بحكمة مع مطالب المحتجين التي لا تنتهي في سابقة باتت تهدد بانهيار غير مسبوق للاقتصاد الوطني وشلل شبه تام في دواليب المرافق العامة للدولة.. كما يتعمد بعض المحتجين انتهاك قرارات منع الجولان الليلي المفروض على جل الولايات دون أن يحرك ذلك ساكنا لا الحكومة ولا رئاسة الجمهورية ولا النيابة العمومية..

يذكر أن رئاسة الجمهورية تقدمت في 30 نوفمبر 2018 بمشروع قانون أساسي لتنظيم حالة الطوارئ، مع طلب استعجال النظر فيه. وأثار مشروع القانون جدلا كبيرا، خاصة لدى المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية بسبب مخالفة معظم أحكامه مخالفا للدستور واستنساخا لمضمون أمر 1978، القائمة على إطلاق أيادي رئيس الجمهورية ووزير الداخلية الولاة في إعلان وتمديد حالة الطوارئ وتطبيق مقتضياتها..

ونصّ مشروع القانون في صيغته الأولى على إعلان حالة الطوارئ لمدة ستة أشهر، قابلة للتمديد بثلاثة أشهر إضافية. كما منح صلاحيات واسعة لوزير الداخلية والوالي، تحدّ من حقوق وحريات عديدة، كحرية التنقل وحرية اختيار مقر الإقامة، والحق في حماية الحياة الخاصة وسرية المراسلات والاتصالات، وحرية الاجتماع وحرية الجمعيات. صلاحيات واسعة لدى السلطة التنفيذية لا تقابلها ضمانات قضائية كفيلة بتجنب التعسف فيها.

 

رفيق بن عبد الله

 

إضافة تعليق جديد