الخلافات حول قانون المالية التكميلي والمقترح العملي للتجاوز - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 4 ديسمبر 2020

تابعونا على

Dec.
5
2020

الخلافات حول قانون المالية التكميلي والمقترح العملي للتجاوز

الأحد 22 نوفمبر 2020
نسخة للطباعة
بقلم: بوجمعة الرميلي

فيما يلي جملة من الترقيمات، المبسطة بقدر الإمكان، لمحاولة فهم ما يدور من خلافات حول المالية العمومية.

أولا ميزانية الدولة لها وزن ثقيل جدا في الاقتصاد، إذ هي تمثل %37 منالناتج الداخلي، ذلك الذي يمثل جملة المداخيل المتأتية من مجموع نشاطات البلاد. يعني سواء بمصاريفها أو بمداخيلها فالميزانية لها تأثير هام جدا، يجعل من مسألة التحاور في شانها مسألة ذات بال.

والميزانية جملة من المصاريف لتسيير مصالح الدولة والقيام بالخدمات العمومية والاجتماعية وكذلك انجاز التجهيزات. تقابل المصاريف موارد، متأتية من الجباية المباشرة وغير المباشرة، ومن الاقتراض الداخلي والخارجي.وتضبط الميزانية بكيفية تتطلب قانونا التوازن الكليبين المصاريف والمداخيل.

والدولة، المسؤولة عن الميزانية كبرمجة وكإنجاز، من المفروض أن تحدد ميزانيتها على أساس تصور مسبق، يهم أهداف المصاريف وتأثيرات ما ستطلبه من مداخيل، سواء الآتية من الجباية أو من الاقتراض وهل ذلك متجانس مع ظروف العائلات والمؤسسات.

وفي حين كانت ميزانية سنة 2019 بـ42,3مليار دينار (هي المداخيل التي تساوي المصاريف)، فقد وقعت المصادقة البرلمانية نهاية تلك السنة (2019) على أن تكون الميزانية لسنة 2020 مقدرة ب47,2مليار دينار، أي بزيادة %+ 11,7.

وهنا تعترضنا صعوبة أولى في الفهم، لأن مثل تلك الزيادة بالأسعار "الجارية" للميزانية، تماثل زيادة بالأسعار "الحقيقية" (أو الأسعار القارة) بـ5,6%، بعد طرح تأثير تضخم بـ5,7%، بينما نسبة نمو الاقتصاد المنتظرة لسنة 2020 كانت دون ذلك بكثير. أي أنه كان من المبرمج من طرف الدولة والحكومة آنذاك بأن ليس الاقتصاد هو المحرك الذي سيؤثر إيجابيا على الميزانية، وإنما سيقع تحريك الاقتصاد بالميزانية!وهذا جائز لو كانت أحوال الميزانية طيبة وقابلة لتحمل مهمة "الدفع بالاقتصاد"، بينما الميزانية التونسية مريضة منذ عشر سنوات، وهي التي في حاجة إلى الدفع وليس العكس.  

صعوبتنا الثانية تتمثل في أن الاكتفاء بالتعرض الى مجمل موارد الميزانية يمكن أن يؤدي إلى التغليط إذا لم نتجاوزذلك نحو التفريق بين "الموارد الذاتية" للدولة والموارد المتأتية من "الاقتراض".

حيث بينما كانت الموارد الذاتية التي تحققت سنة 2019 بـ32,2مليار، فقد تم إقرار موارد ذاتية لسنة 2020بـ35,9مليار، أي بزيادة 11,5%،مما ينطبق عليه ما جاء بالملاحظات السابقة فيما يهم عدم التجانس بين انتظارات المالية العمومية وتطور الاقتصاد ككل.

 

واليوم، نهاية 2020، ما هي الحصيلة المالية بالمقارنة مع المنتظر؟

طبعا في الأثناء "مر الكوفيد على الديار"، انجر عن ذلك تقلص في النشاط الاقتصادي، نتج عنه بصفة تكاد تكون آلية تقلص في الموارد الذاتية للدولة، لإبقائها في حدود 30,0  مليار دينار فقط، أي بنقص مقدر بـ5,9  مليار دينار عما كان منتظرا، أو بالحساب النسبي:-16,4%، طبعا كل ذلك بالأسعار الجارية، ما يقابل -10,1%بالأسعار القارة.

وهو ما يعني فيما يعني، وبصفة اعتراضية فقط لكن هامة جدا،أن تدهور الناتج الداخلي التونسي لسنة 2020 ليس كما تقدره وثيقة مشروع الميزانية التكميلية بـ-7,3%وإنما، وللأسف، بنسبة أكثر كارثية من ذلك، تساوي على الأقل تقديرات البنك الدولي بـ -9,2%، إن لم تكن متجاوزة لها في السلبية.

على إثر التأكد من أن الموارد الذاتية ستتقلص بـ 5,9مليار دينار عما كان مبرمجا في ميزانية 2020، "يقدم ويوخر" مشروع الميزانية التكميلية لسنة 2020 ويسطر زيادة بـ+10,3مليار دينار قروض على ما هو كان مبرمج في الميزانية!حيث كان مبرمجا، ضمن قانون مالية 2020، اقتراض 11,4مليار دينار، وإذا بقانون المالية التكميلي يتعدى "دغري" إلى اقتراض 21,7مليار دينار!

ولا يكفي ما سبق لفهم مجمل العملية التي جاء بها مشروع قانون المالية التكميلي. حيث ما كان مبرمجا من اقتراض ضمن قانون ميزانية 2020 (الـ11,4مليار دينار التي سبق ذكرها)، كانت تتفرع إلى 2,4مليار اقتراض داخلي و8,8مليار اقتراض خارجي، وإذا بكل ذلك يتحول إلى 14,3مليار اقتراض داخلي (!) و7,3مليار اقتراض خارجي.

أي أنه بمجرد الانتقال من قانون المالية لسنة2020 إلى مشروع قانون المالية "التكميلي" لنفس السنة، تحول "الاقتراض الداخلي" من 2,4إلى 14,3مليار دينار، أي زيادة بخمس مرات!

ومن هنا انطلق "الخلاف".أساسا بين البنك المركزي والحكومة. والأكثر أهمية بالنسبة للرأي العام فيما حصل من خلاف ليس مسألة "استقلالية" البنك المركزي، وإن كان ذلك حقيقة دستورية وقانونية، لأن ذلك لا يهم التونسيين، الذين يعتبرون أن البرلمان والحكومة والبنك المركزي كلها مؤسسات دولة، المطلوب منها إيجاد حل للبلاد والعباد.

وعند هذا الحد فقط من محاولة الفهم ودون مزيد إثقال الأمر على القارئ العادي الكريم لجريدة "الصباح"، نصيغ الملاحظات التالية.

أولا، التضامن الوطني مطلوب في هذا الظرف العصيب، ومؤسسات الدولة مطالبة أكثر من غيرها بالتعامل بأكثر ما يمكن من الانسجام، مهما كانت أسباب الخلاف.

ثانيا، مبدأ استقلالية البنك المركزي له تبرير وحيد، الحماية الدينار التونسي ضد مخاطر "الدمغجة" التي قد تؤدي حكومة ما إلى الاستغلال السياسي للميزانية للقيام بمصاريف عشوائية لخدمة أغراض خاصة، لكن البنك المركزي مطالب، كسائر مؤسسات الدولة، بتقديم ما يلزم من التسهيلات للاستجابة للاستحقاقات الوطنية الهامة.

ثالثا، الانتقال، "لا بالك لا وسع"، كما جاء بمشروع قانون المالية التكميلي، من مستوى اقتراض داخلي ب2,4إلى 14,3مليار دينار يعتبر "قفزة بلهوانية"، خطيرة وغير عقلانية، نتائجها ستكون عكسية لما هم منتظر منها.

رابعا.هناك إمكانية للالتقاء حول موقف "وسط"، يقضي بزيادة للاقتراض الجملي عما كان مبرمجا بقانون المالية "الأصلي"  - أي 11,2مليار دينار - لا تتجاوز ما حصل من نقص في الموارد الذاتية، أي 5,9مليار، لكي يصبح الاقتراض الجملي لقانون المالية 17,3مليار، عوضا عن ال21,5مليار الواردة بالقانون التكميلي، قبلتفريع ذلك إلى 7,3مليار اقتراض خارجي، كما ورد في مشروع التكميلي، وفقط اقتراض داخلي بـ10,0مليار دينار، عوضا عن المقترح بـ14,3مليار، والذي اعتبر مشطا.

هذا المقترح يتطلب مزيد النظر من جانب "المصاريف" وخاصة ما هو طارئ منها يتعلق بالكوفيد.

لكن المهم هو القبول بأن الوضع أصبح "ما فوق الاستثنائي" يتطلب من الجميع تعاملا على الأقل بمستوى "استثنائي".  

  • خبير اقتصادي وناشط سياسي

 

إضافة تعليق جديد