حكومة المشيشي بين محاذير التقييم ومخاطر السقوط.. وضغوط الارتهان السياسي - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 4 ديسمبر 2020

تابعونا على

Dec.
5
2020

يوم 10 ديسمبر تمر مائة يوم على تسلم مهامها

حكومة المشيشي بين محاذير التقييم ومخاطر السقوط.. وضغوط الارتهان السياسي

السبت 21 نوفمبر 2020
نسخة للطباعة

شاءت الأقدار أن يصادف يوم 10 ديسمبر المقبل، اليوم العالمي لحقوق الإنسان، مرور مائة يوم عن تسلم حكومة هشام المشيشي لمهامها (غرة سبتمبر تاريخ منح الثقة في جلسة عامة برلمانية).  رمزية التاريخ وأبعاده المتعددة، وارتباط اليوم بحدث أممي وقيمي وحقوقي عالمي قد تجعل من هذا اليوم أهميّة مضاعفة، خاصة أن نسق الأحداث اليومية المرتبطة في جزء كبير منها بكيفية إدارة دواليب الدولة والسياسة المتبعة في تسيير شؤون الحكم ومعالجة الأزمات المزمنة والمتتالية والمشاكل المتراكمة في مستويات متعددة خاصة منها ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.. لها تأثير عميق ومباشر على التونسيين وعلى مستوى حياتهم اليومية.

ويعتبر تقييم أداء الحكومات بعد مائة يوم عمل من توليها مهامها، عادة وتقليدا دأبت عليها الأوساط السياسية وخاصة وسائل الإعلامية الوطنية، بعد ثورة 14 جانفي 2011، استئناسا بما يجري في بعض الدول الديمقراطية في هذا المجال.

من النادر جدا، أن بادرت السلطة التشريعية بتقييم لأي من الحكومات السابقة المتعاقبة، باستثناء ما قام به البرلمان الحالي لحكومة الياس الفخفاخ، حين أعلن مكتب مجلس النواب وبصفة رسمية ومسبقة وقبل أيام عن قراره تقييم حصيلة 100 يوم الأولى من عمر الحكومة، وكانت فعلا جلسة التقييم تلك، فارقة في المشهد السياسي التونسي لها دلالات عديدة وكان لها تداعيات مؤثرة في عدة مستويات. إذ تحولت إلى جلسة محاكمة أطاحت فيما بعد برئيس الحكومة بسبب إثارة بعض البرلمانيين لشبهات تضارب المصالح حامت حوله قبل تسلمه الحكم واستمرت حتى بعد ذلك؟؟

سياسيا، ورغم أن شكل الحكومتين أي حكومة الفخفاخ، وحكومة المشيشي تختلفان جذريّا فالأولى سياسية بامتياز، والثانية أريد لها أن تكون مستقلة معولة على مجموعة من الكفاءات الإدارية.. إلا أنهما تشتركان في نقطتين بارزتين، تتعلق الأولى في الظروف الاقتصادية والسياسية المحيطة بنشأة الحكومة وتأثيرها المباشر على أدائها ونشاطها وهي ظروف متشابهة تتخلص عناوينها في عمق الأزمات واستمراريتها واستفحالها. أما النقطة التشابه الثانية فتتمثل في أن الحكومتان تشتركان في حملهما لبذور السقوط وعدم الاستمرار والاستقرار.

لا ضمانات سياسية والمشيشي في دائرة الخطر

لا يوجد مبدئيا، ضمانات سياسية، تضمن تقييما موضوعيا وحياديا لأداء حكومة المشيشي في ظرف مائة يوم من تسلم مهامها، بعيدا عن محركات أو خلفيات سياسية باتت معلومة للجميع. كما لا يمكن الجزم بأن المشيشي قد ابتعد عن دائرة الخطر أو هو في منأى عن أي محاولة إسقاطه أو عرض حكومته على ثقة البرلمان، وذلك على ضوء استمرار الخلافات السياسية والبرلمانية المزمنة والتي يعود جزء منها إلى تركيبة البرلمان نفسه. علما أن تواصل دعم بعض الكتل الوازنة للحكومة مشروط بمدى استجابة هشام المشيشي لشروطها التي من ضمنها المشاركة في الحكم أو إرضائها ببعض التعيينات..

فقبل 20 يوما تفصلنا عن رمزية الـ 100 يوم، بدأت ملامح مساعي من بعض الأحزاب والكتل البرلمانية، تعمل على استغلال أخطاء رئيس الحكومة الحالي وعثراته في البروز. مع صعود أصوات من قيادات سياسية بارزة من داخل ما بات يعرف بـ»تحالف الترويكا البرلماني» الداعم ظاهريا لحكومة المشيشي، بعضها ينادي بتغيير صيغة الحكومة لتصبح سياسية حزبية، وبالتالي ضمان حق تمثيلها في الحكم، وبعضها الآخر يدفع في اتجاه إقرار تحوير وزاري عميق للحكومة يتم بموجبه إعفاء وزراء بتعلة ضعف الأداء وتعويضهم بوزراء متحزبين من الأحزاب والكتل الداعمة للحكومة. ومن أنصار هذا التوجه قيادات من كلتة حزب «قلب تونس»، وأيضا من حزب حركة النهضة.  

فعلى سبيل المقارنة، سقطت حكومة الفخفاخ سياسيا في يوم تقييمها لأسباب متعلقة بملف شبهة تضارب المصالح، لكن أيضا بسبب ضعف الحزام السياسي الداعم للحكومة والضغوطات التي مورست على الفخفاخ. ولم يكن تقييم الأداء الدافع الأساسي والموضوعي لتنحي الحكومة السابقة التي تصادف نشأتها مع حلول أزمة انتشار فيروس كورونا وفكان تركيزها على معالجة تداعيات المتاعب الصحية والاقتصادية التي تسبب فيها..  

وكان إعلان مكتب البرلمان عن قرار مساءلة وتقييم حكومة الفخفاخ قد جاء في وقت تزايدت فيه وتيرة الخلافات السياسية صلب الائتلاف الحاكم نفسه (حركة الشعب± حركة النهضة) وتصاعد الخطاب السياسي المتوتر (بيانات وبيانات مضادة، وتصريحات حزبية وسياسية واتهامات متبادلة بالتخطيط لمناورات وتغذية الدسائس..)

وبناء عليه، ولتواصل نفس الظروف الموضوعية والسياسية التي نشأت فيها الحكومة الحالية، وتواصل نفس بذور الخلافات التي تشق النخبة السياسية خاصة البرلمانية منها، فإن رئيس الحكومة هشام المشيشي سيكون تحت دائرة الضغط في الفترة المقبلة خاصة بعد إتمام البرلمان عملية المصادقة على مشروعي قانون المالية التعديلي لسنة 2020، وقانون المالية لسنة 2021.

لكن السؤال الأهم: هل سيقرر مكتب البرلمان الحالي التعامل بنفس الطريقة التي تعامل معها مع حكومة المشيشي ويعلن مسبقا عن قراره مساءلة الحكومة على أدائها بمناسبة مرور مائة يوم على تسلم مهامها، أم أنه يتجاوز الأمر، ويغض النظر..؟

لا مناص من المواجهة

مهما يكن من أمر، لا مناص لرئيس الحكومة من مواجهة رغبات دفينة لبعض الأحزاب في التواجد في الحكومة مهما كان الثمن، وربما يفسر ذلك محاولاته احتواء تلك الضغوطات من خلال تكثيف لقاءاته الثنائية متواترة مع قيادات حزبية من مختلف الكتل والأحزاب خاصة تلك التي دعمته برلمانيا. وهو الذي ما فتئ يؤكد في كل مرة على تمسكه باستقلاليته عن الأحزاب والتيارات السياسية، فإلى أي مدى سينأى بحكومته عن تلك الضغوطات حتى لا يكون فريسة للارتهان السياسي..

علما أن الحديث عن تحالفات برلمانية وسياسية متضادة يزيد من الضغوطات المسلطة على الحكومة. في الوقت الذي تصاعدت فيه محاولات من خارج المنظومة الحزبية يقودها اتحاد الشغل، تعمل على لم الفاعلين السياسيين على طاولة حوار وطني شامل تحت رعاية رئيس الجمهورية قيس سعيد..

لكن هذه المحاولة الجدية من المنظمة الشغيلة، ما تزال تبحث عن بذور نجاحها. فلا يوجد لحد الآن مؤشرات ايجابية عن تفاعل جل الأحزاب أو الكتل البرلمانية بمبادرة الاتحاد، كما لزم رئيس الجمهورية الصمت ولم يبد تحمّسا للعب دور الرئيس الجامع والقائد والداعم لحوار وطني قادر على إخراج البلاد من أزماتها وإقرار تصوّر ورؤية واضحة، أو خارطة طريق أو ميثاق وطني مقنع لجميع الأحزاب والمنظمات الوطنية دون استثناء يتم من خلاله الالتقاء على معالجة كافة الملفات العالقة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وتكون بوصلة اتجاه للسنوات المقبلة إلى حين تعافي الاقتصاد الوطني وإيجاد صيغة جديدة تضمن انتخابات برلمانية على قاعدة قانون انتخابي جديد واستكمال بناء المؤسسات الدستورية..  

أخطاء وعثرات وملفات ثقيلة

وبعيدا عن المآمرات الحزبية والسياسية وكواليس التحالفات، وفي علاقة بأداء رئيس الحكومة هشام المشيشي، لا يمكن التغاضي عن بعض العثرات التي ارتكبها في علاقة بكيفية التعاطي مع بعض الملفات الساخنة، البعض منها لا يمكن تناولها دون ربطها بمحاولات إرضاء أهواء بعض الأحزاب، أو تصفية حسابات سياسية مثل سحب مشروع قانون السمعي البصري لفسح المجال أمام مقترح قانون مثير للجدل ومحل خلاف سياسي عميق، ورفض واسع من قبل المهنيين في قطاع الإعلام، ويتعلق بتنقيح مرسوم 116 تقدمت به كتلة ائتلاف الكرامة ودعمته كتلة قلب تونس وحركة النهضة.

ورغم أن مقترح القانون لم يمر على الجلسة العامة، إلا أن الأمر ساهم في اهتزاز الثقة بين رئاسة الحكومة ونقابة الصحفيين، كما زاد الرفض الضمني للحكومة المصادقة على الاتفاقية المشتركة للصحفيين ونشرها بالرائد الرسمي رغم صدور حكم بات من المحكمة الإدارية في هذا الاتجاه في توتر العلاقة بينهما. علما أن نقابة الصحفيين قررت في إطار الدفاع عن مصالح منظوريها تنفيذ إضراب عام في القطاع يوم 10 ديسمبر المقبل، الذي يتزامن مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان، ومع مرور 100 يوم من تسلّم الحكومة لمهامها..

كما يمكن لخطأ اتصالي فادح ارتكبه المشيشي في أن يعود بالوبال على استقرار الحكومة هي حاجة ماسة إلى هدنة اجتماعية وسياسية. حين حاول تثمين التوصل إلى اتفاق الكامور بتسمية ولايات دون غيرها وعد بأن تشملها اتفاقيات مماثلة. وأثار الخطأ نعرات جهوية، وحالات غضب واحتقان اجتماعي من ممثلين عن عدة ولايات تطالب بدورها بـ»التنمية والتشغيل»، أُسوة بما تم التوصل إليه مع تنسيقية المجتمع المدني بتطاوين.. والأمثلة عل ذلك كثيرة، فالاحتجاج شمل ولايات القصرين، وقابس، وصفاقس، وعدة مناطق أخرى جلها ترفع نفس الشعارات وتبحث لها عن «فانات» للضغط على الحكومة لتلبية مطالبها..

وأخيرا وليس آخرا، أمام الحكومة ملفات أخرى حارقة وثقيلة لا بد أن تعمل على احتوائها ومعالجتها بسرعة قبل فوات الأوان، وهي في النهاية معيار مهم لتقييم أدائها  واختبار حقيقي تثبت فيه جدارتها وعدم انحيازها وجديتها في عدم التسامح مع مظاهر الفساد والمفسدين الذين تغلغلوا في مفاصل الدولة وباتوا يشكلون خطرا داهما لا فقط على كيانها بل أيضا على أمنها القومي.. من ذلك مثلا، ملف الحاويات المنزلية الرابضة في ميناء سوسة، والذي كشف خيوطا معقدة في تفشي الفساد داخل أجهزة الإدارة. أو ملفات أخر ى شبيهة لا تبتعد عن دائرة شبهات الفساد الخطيرة..

ثم إن على الحكومة المشيشي إثبات سلامة نهجها في محاولة الخروج من الأزمة المالية الخانقة وتقديم خطة مقنعة لإنعاش الاقتصاد. كما ينتظرها اختبار التعامل مع ملف شائك وهو ارتفاع منسوب التوتر داخل السلطة القضائية، الذي تجلى خاصة مع تبادل اتهامات خطيرة بين مؤتمنين على هياكل قضائية في الدولة ونشر تفاصيل دقيقة عن شبهات فساد والتستر على معطيات تهم بملفات قضائية عل غاية من الخطورة مثل ملفي اغتيال الشهيدين بلعيد والبراهمي..

 

رفيق بن عبد الله

 

إضافة تعليق جديد