جائحة كورونا وتأثيراتها البعديّة لتغيير مفاهيم العلاقات الدوليّة - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الثلاثاء 24 نوفمبر 2020

تابعونا على

Nov.
24
2020

جائحة كورونا وتأثيراتها البعديّة لتغيير مفاهيم العلاقات الدوليّة

السبت 21 نوفمبر 2020
نسخة للطباعة
بقلم: الحبيب الذوادي

اتخذ‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬بعد‭ ‬انتشار‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬مسارا‭ ‬جديدا‭  ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬التعاون‭ ‬الدولي‭ ‬عما‭ ‬سبقه‭ ‬منذ‭ ‬تأسيس‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬سنة‭ ‬1945‭ ‬التي‭ ‬استرشدت‭ ‬في‭ ‬مهمتها‭  ‬وعملها‭  ‬حينها‭ ‬بالأهداف‭ ‬والمقاصد‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬ميثاق‭ ‬تأسيسها‭  ‬والمتمثلة‭  ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬السلام‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين‭ ‬وحماية‭  ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وتقديم‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬ونزع‭ ‬السلاح‭  ‬وحالات‭ ‬الطوارئ‭ ‬الصحية‭... ‬ولترسيخ‭ ‬مفهوم‭ ‬التعاون‭ ‬الدولي‭ ‬لدى‭ ‬المنظمة‭ ‬الأممية‭ ‬تم‭ ‬إنشاء‭  ‬عدة‭ ‬مؤسسات‭ ‬تابعة‭ ‬لهاته‭ ‬المنظمة‭ ‬منها‭ ‬المجلس‭ ‬الاقتصادي‭  ‬والاجتماعي‭ ‬المعني‭ ‬بالقضايا‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬للدول‭ ‬ومنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬المهتمة‭ ‬بالشؤون‭ ‬الصحية،‭ ‬ومنظمة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭.. ‬بحيث‭ ‬توجهت‭ ‬جميع‭ ‬الجهود‭ ‬حينها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تفعيل‭ ‬مفهوم‭ ‬التعاون‭ ‬الدولي‭ .‬

وبرغم‭  ‬كل‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬واجهت‭  ‬النظام‭ ‬الدولي‭  ‬منذ‭ ‬نشأته‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭  ‬بقيت‭ ‬مستقرة‭ ‬على‭ ‬نهج‭ ‬التعاون‭ ‬الدولي‭ ‬حيث‭ ‬حظي‭ ‬تاريخ‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬بسيطرة‭ ‬نظام‭ ‬القطبين‭ ‬فوجدنا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬اللتين‭ ‬تحولتا‭ ‬بعد‭ ‬استقلال‭ ‬مستعمراتها‭ ‬وبعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬إلى‭ ‬دولتين‭ ‬متوسطتي‭ ‬القوة،‭ ‬وحلت‭ ‬محلهما‭ ‬لاحقا‭ ‬كلا‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفياتي‭  ‬كقطبين‭ ‬رئيسين‭ ‬جديدين‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬ظهر‭ ‬إلى‭ ‬جانبهما‭ ‬فاعلون‭ ‬آخرون‭ ‬يتمتعون‭ ‬بالشخصية‭ ‬القانونية‭  ‬ويلعبون‭  ‬دورا‭ ‬فاعلا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬مثل‭ ‬المنظمات‭ ‬التابعة‭  ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬كمنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬ومحكمة‭ ‬الجنايات‭  ‬وبدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬لعبت‭ ‬الشركات‭ ‬المتعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬دورا‭  ‬مكملا‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬للقوى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭ ‬بحكم‭ ‬علاقاتها‭ ‬الوطيدة‭  ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬صانعي‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬موطنها‭ ‬الأصلي،‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬السبعينات‭ ‬حينها،‭ ‬كذاك‭ ‬لاحظنا‭ ‬تفاوت‭ ‬دور‭ ‬الفاعلين‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الدول‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬منظمات‭  ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬وثورة‭ ‬الاتصالات‭ ‬والإعلام‭  ‬ووسائل‭  ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬غير‭ ‬تأثير‭ ‬ثانوي‭ ‬على‭ ‬مجرى‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬وأدى‭ ‬صعود‭ ‬الصين‭  ‬الملحوظ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭  ‬التاريخية‭ ‬الحالية‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬البشرية‭  ‬على‭  ‬المستوى‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬الحديث‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬عن‭ ‬ثنائية‭  ‬قطبية‭ ‬جديدة‭ ‬متمثلة‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭  ‬بدل‭ ‬الأحادية‭ ‬القطبية‭ ‬والتي‭ ‬تمثلها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭  ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬اثر‭ ‬تراجع‭ ‬روسيا‭ ‬أمام‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بعد‭ ‬تفكك‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفياتي‭ ‬وحصول‭ ‬أغلبية‭ ‬الجمهوريات‭ ‬السابقة‭ ‬على‭ ‬استقلاله‭ ‬رغم‭ ‬احتفاظ‭ ‬روسيا‭ ‬بمقعد‭ ‬كعضو‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ .‬

بعد‭ ‬انتشار‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬خلال‭ ‬نهايات‭ ‬سنة‭ ‬2019‭ ‬حدثت‭ ‬أزمة‭ ‬عالمية‭ ‬خلخلت‭ ‬جميع‭ ‬مفاهيم‭ ‬التعاون‭ ‬الدولي،‭ ‬فبعد‭ ‬ظهوره‭ ‬أولا‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬ووهان‭ ‬الصينية،‭ ‬انتشر‭ ‬في‭ ‬اغلب‭ ‬المدن‭ ‬الصينية‭ ‬لاحقا‭ ‬وأصاب‭ ‬الاف‭ ‬الصينيين‭ ‬وخلف‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الموتى‭ ‬لينتقل‭ ‬على‭ ‬اثرها‭ ‬إلى‭ ‬عدة‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬غير‭ ‬الصين‭ ‬منها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ودول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬ثم‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬اغلب‭ ‬دول‭ ‬آسيا‭ ‬مخلفا‭ ‬أرقاما‭ ‬مفزعة‭ ‬لا‭ ‬زال‭ ‬العالم‭ ‬يعرفها‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬بخصوص‭ ‬الوفيات‭ ‬وعدد‭ ‬المصابين‭ ‬به،‭ ‬وبذلك‭ ‬ألقى‭ ‬وباء‭ ‬كوفيد‭ ‬19‭ ‬بظلاله‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬ينتبه‭ ‬منظرو‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬كبير‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬تلك‭ ‬الأوبئة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬بنية‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬برزت‭ ‬على‭ ‬إثرها‭  ‬ملامح‭ ‬أزمة‭ ‬دولية‭ ‬بدأت‭ ‬بالظهور‭ .‬

تبعا‭ ‬لما‭ ‬تقدم‭  ‬وجدنا‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬والعظمى‭ ‬الفاعلة‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬والتي‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬تساعد‭ ‬بقية‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭  ‬لمواجهة‭  ‬انتشار‭  ‬هذا‭ ‬الوباء،‭ ‬قد‭ ‬اكتفت‭ ‬بنفسها‭  ‬وانعزلت‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬الى‭ ‬داخل‭ ‬حدودها‭ ‬الإقليمية‭ ‬الوطنية‭   ‬لتعيد‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬ترسيم‭ ‬حدودها‭ ‬والانكماش‭ ‬على‭ ‬نفسها‭ ‬وذلك‭ ‬باتخاذها‭ ‬إجراءات‭ ‬احترازية‭ ‬مثل‭ ‬غلق‭ ‬منافذها‭ ‬الحدودية،‭ ‬وإيقاف‭ ‬حركة‭ ‬الطيران‭ ‬وفرض‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬التبادل‭  ‬التجاري‭  ‬مع‭ ‬بقية‭  ‬الدول‭.. ‬خلافا‭ ‬لما‭ ‬كانت‭ ‬تنادي‭ ‬به‭ ‬سابقا‭ ‬بضرورة‭ ‬التعاون،‭ ‬والاعتمادية‭ ‬المتبادلة،‭ ‬والانفتاح‭ ‬الحر‭  ‬وقاعدة‭ ‬‮«‬دعه‭ ‬يعمل‭ ‬دعه‭ ‬يمر‮»‬‭ ‬بل‭ ‬انشغلت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬اليوم‭  ‬بنفسها‭ ‬وتركت‭ ‬بقية‭ ‬الدول‭ ‬تواجه‭  ‬مصيرها‭ ‬بنفسها‭ .‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬ذكره‭ ‬اعتمدت‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬إستراتيجيات‭ ‬مختلفة‭ ‬لمواجهة‭ ‬هذا‭ ‬الوباء‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬اعتمد‭ ‬استراتيجيّة‭ ‬‮«‬مناعة‭ ‬القطيع‮»‬‭  ‬كالسويد‭ ‬وألمانيا،‭ ‬ومنها‭ ‬من‭ ‬اعتمد‭ ‬استراتيجيّة‭ ‬مكافحة‭ ‬الوباء‭ ‬حصرا‭ ‬رغم‭ ‬عدم‭ ‬تواجد‭ ‬علاج‭ ‬مؤكّد‭ ‬مع‭ ‬اعتماد‭  ‬تدابير‭ ‬التباعد‭  ‬الاجتماعي‭ ‬وارتداء‭ ‬الكمامة‭ ‬وغسل‭ ‬الأيدي‭ ‬والتعقيم،‭ ‬وأخرى‭  ‬اعتمدت‭ ‬سياسة‭ ‬‮«‬مواجهة‭ ‬الوباء‮»‬‭ ‬وعدم‭  ‬توقف‭ ‬عجلة‭ ‬الإنتاج‭  ‬والدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ .‬

لذا‭ ‬يشهد‭ ‬عالمنا‭ ‬اليوم‭ ‬تدهورا‭ ‬حادا‭ ‬في‭ ‬الأداء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬جراء‭ ‬استمرار‭ ‬تفشي‭ ‬وباء‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬ومن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬البلدان‭ ‬النامية‭ ‬خصوصا‭ ‬ستتضرر‭ ‬بشدة‭ ‬من‭ ‬جراء‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬التى‭ ‬حدت‭ ‬بصندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬وهيئات‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬التحذير‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬تتسبب‭ ‬في‭ ‬أسوا‭  ‬تراجع‭ ‬اقتصادي،‭ ‬حيث‭ ‬يتوقع‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬تشهد‭ ‬عديد‭ ‬الدول‭ ‬غنية‭ ‬ام‭ ‬فقيرة‭  ‬انخفاضا‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬التوظيف‭ ‬العام‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬انخفاض‭ ‬متوسط‭ ‬مستويات‭ ‬المعيشة،‭ ‬مع‭ ‬انخفاض‭ ‬تصدير‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭  ‬للسلع‭ ‬الأساسية‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬الصناعة‭ ‬ويعد‭ ‬النفط‭ ‬المثال‭ ‬الصارخ‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬وانخفاض‭ ‬العملة‭ ‬الوطنية‭... ‬كما‭ ‬ان‭ ‬مواقف‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬ليست‭ ‬كسابقاتها‭ ‬فبعد‭ ‬انتشار‭ ‬الوباء‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬القارات‭ ‬وجدنا‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭  ‬الأمريكية‭ ‬هاجمت‭ ‬المنظمة‭ ‬وغادرتها‭ ‬متهمة‭ ‬إياها‭ ‬بالتقاعس‭  ‬في‭ ‬أداء‭ ‬مهامها‭ ‬وبتواطئها‭ ‬مع‭ ‬الحكومة‭ ‬الصينية‭ ‬للتكتم‭ ‬على‭ ‬الفيروس‭ ‬ومطالبتها‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭ ‬بضرورة‭ ‬إجراء‭ ‬إصلاحات‭  ‬داخل‭ ‬هذه‭  ‬المنظمة‭  ‬وإقرارها‭ ‬بتعليق‭ ‬مساهماتها‭ ‬الماليّة‭ ‬،‭ ‬أما‭ ‬فرنسا‭ ‬فقد‭ ‬انتقدت‭ ‬المنظمة‭  ‬السالفة‭ ‬الذكر‭  ‬بأسلوبها‭  ‬الدبلوماسي‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬من‭ ‬خلال‭  ‬تفرد‭  ‬الصين‭  ‬في‭ ‬إدارة‭  ‬الأبحاث‭  ‬وعدم‭  ‬تسهيل‭  ‬خبراء‭  ‬المنظمة‭ ‬بالمشاركة‭  ‬في‭  ‬التحقيق‭  ‬في‭ ‬مصدر‭ ‬الوباء‭  ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬من‭ ‬مهام‭ ‬هذه‭  ‬المنظمة‭  ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬التي‭ ‬تكافح‭ ‬فيه‭ ‬دول‭ ‬العالم‭  ‬اليوم‭ ‬وخصوصا‭ ‬المتقدمة‭ ‬منها‭  ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬وباء‭ ‬كرونا‭   ‬بمحاولاتها‭ ‬لاكتشاف‭ ‬التلاقيح‭ ‬اللازمة‭  ‬تشهد‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬خصوصا‭ ‬الفقيرة‭  ‬تهديدات‭ ‬في‭ ‬النظم‭ ‬الصحية‭ ‬خصوصا‭ ‬منها‭  ‬المنخفضة‭ ‬الدخل‭ ‬والمتضررة‭  ‬من‭ ‬النزاعات‭ ‬بسبب‭ ‬وباء‭ ‬كورونا‭  ‬الذي‭ ‬يحتاج‭ ‬خصوصا‭ ‬الكثافة‭ ‬السكانية‭ ‬العالية‭ ‬لان‭ ‬مقاومة‭  ‬هذا‭ ‬الوباء‭ ‬تتطلب‭ ‬درجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬النظافة‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬الى‭ ‬مياه‭ ‬نظيفة‭ ‬وعمليات‭ ‬تعقيم‭ ‬جيدة‭ ‬ومواد‭ ‬غذائية‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬تقوية‭ ‬المناعة‭ ‬ومنظومة‭ ‬صحية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬معين‭ ‬من‭ ‬الكفاءة‭.. ‬لكن‭ ‬الواقع‭  ‬العملي‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬ان‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬الفقيرة‭   ‬وخصوصا‭ ‬منها‭ ‬الإفريقية‭  ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الريفية‭  ‬والإحياء‭ ‬الشعبية‭  ‬الفقيرة‭  ‬في‭ ‬المدن‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬او‭ ‬معظم‭  ‬هذه‭ ‬المقومات‭ ‬الأساسية‭  ‬لجعلها‭ ‬قاصرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬جائحة‭  ‬كورونا‭ ‬المستجدة‭ .‬

لقد‭ ‬كشفت‭ ‬الأزمة‭ ‬خللا‭ ‬في‭ ‬التواصل‭ ‬في‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬والدول‭ ‬خصوصا‭ ‬الغنية‭ ‬منها‭ ‬حيث‭ ‬ترى‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭  ‬تأخرا‭ ‬في‭ ‬استجابة‭ ‬هذه‭ ‬المنظمة‭ ‬ومواكبتها‭  ‬لنشوء‭ ‬الوباء‭ ‬وانتشاره‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬تداعياته‭ ‬عدم‭ ‬اعتماد‭ ‬استراتيجية‭ ‬علنية‭  ‬موحدة‭ ‬لمواجهة‭ ‬هذا‭ ‬العدو‭ ‬الخفي‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬كافة‭ ‬الدول‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬بينت‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬ان‭ ‬إعلان‭ ‬حالة‭  ‬الطوارئ‭ ‬الصحية‭ ‬أتى‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭ ‬وقتا‭ ‬كافيا‭ ‬للاستعداد‭ ‬وطلباتها‭ ‬المتكرر‭ ‬بضرورة‭ ‬إشراكها‭ ‬في‭ ‬التحقيقات‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬بيكين‭ ‬أنها‭ ‬تجربها‭ ‬في‭ ‬المختبرات‭ ‬في‭ ‬مقاطعة‭ ‬ووهان‭ ‬حيث‭ ‬بدأ‭ ‬انتشار‭ ‬الوباء‭ .‬

إذن‭ ‬فنحن‭ ‬اليوم‭  ‬أمام‭ ‬مرحلة‭ ‬تاريخية‭ ‬جديدة‭  ‬تعرفها‭ ‬العلاقات‭  ‬الدولية‭ ‬سماتها‭ ‬الأساسية‭ ‬برأينا‭ ‬حربا‭ ‬باردة‭ ‬بكيفية‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفياتي‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬أطرافها‭ ‬اليوم‭ ‬واشنطن‭ ‬وبيكين‭ ‬بهدف‭ ‬إنهاء‭ ‬الزعامة‭ ‬الأحادية‭ ‬التي‭ ‬بسطتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭  ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬العالم‭  ‬والتي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭  ‬مسرحا‭ ‬لهاته‭  ‬الحرب‭ ‬الباردة‭  ‬وضعتها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬روسيا‭  ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬أثر‭  ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬أوروبا‭  ‬اقتصاديا‭  ‬خصوصا‭ ‬تجاه‭ ‬بلدان‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية‭ ‬واعتبارها‭ ‬من‭ ‬ثم‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفياتي‭ ‬امتدادا‭ ‬للنفوذ‭ ‬الأمريكي‭  ‬على‭ ‬حدود‭ ‬روسيا‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬مع‭ ‬التأكيد‭ ‬بأن‭ ‬مواقف‭ ‬أمريكا‭ ‬أثناء‭ ‬العولمة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬أوروبا‭ ‬هدفا‭ ‬لمشروع‭  ‬طريق‭ ‬الحرير‭ ‬الجديد‭  ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬آسيا‭ ‬بأوروبا‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬بذلك‭ ‬الأوروبيون‭ ‬موظفين‭ ‬بأجور‭ ‬ضئيلة‭  ‬لدى‭ ‬شركات‭ ‬الصينية‭ ‬العملاقة‭ .‬

لذا‭ ‬يعرف‭ ‬عالمنا‭ ‬اليوم‭  ‬ويشهد‭ ‬فكرة‭  ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬ثنائي‭  ‬القطب‭ ‬الى‭ ‬عالم‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭ ‬او‭ ‬عالم‭ ‬متعدد‭ ‬المراكز‭  ‬رواجا‭ ‬متزايدا‭  ‬فوجدنا‭ ‬اليوم‭ ‬روسيا‭ ‬مع‭ ‬فرنسا‭ ‬تسعيان‭ ‬إلى‭ ‬طرح‭ ‬فكرة‭  ‬تعدد‭ ‬الأقطابكبديل‭  ‬لثنائية‭ ‬الأقطاب‭  (‬الصين‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭) ‬حيث‭ ‬سبقت‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬ظهور‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭  ‬وتجسدت‭ ‬في‭ ‬الدوافع‭   ‬المشتركة‭ ‬للرئيس‭ ‬الفرنسي‭  ‬والروسي‭  ‬حيث‭ ‬أظهر‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬بوتين‭ ‬أن‭ ‬بلاده‭ ‬لا‭ ‬تزال‭  ‬من‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬أما‭ ‬بخصوص‭ ‬فرنسا‭ ‬حيث‭ ‬يرى‭   ‬ماكرون‭ ‬أن‭ ‬التعددية‭ ‬هي‭ ‬الضمان‭ ‬للسلم‭ ‬والأمن‭ ‬العالمي‭ ‬وسيمنح‭ ‬ذلك‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬سماع‭ ‬صوته‭ ‬للعالم‭ ‬كما‭ ‬أراد‭ ‬الزعيمان‭ ‬التفكير‭ ‬بعضوياتهما‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬كدول‭ ‬دائمة‭ ‬العضويّة‭ ‬وما‭ ‬يمثل‭ ‬ذلك‭  ‬من‭ ‬ّأهمية‭  ‬في‭ ‬العلاقات‭  ‬الدولية،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يفوتنا‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬اقترحه‭ ‬بوتين‭ ‬بمناسبة‭ ‬الاحتفال‭ ‬بالذكرى‭ ‬75‭ ‬لتأسس‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لإطلاق‭ ‬مشروع‭ ( ‬بي‭ ‬5‭ ) ‬الذي‭ ‬اخذ‭ ‬تجسيدا‭ ‬عمليا‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬2020‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ضرورة‭ ‬وأهمية‭ ‬العمل‭ ‬الجماعي‭ ‬للدول‭ ‬الخمسة‭ ‬الكبرى‭ ‬الدائمة‭ ‬العضوية‭ ‬في‭  ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬محاربة‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬وفي‭ ‬دعمها‭ ‬لدعوة‭ ‬الأمن‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لهدنة‭ ‬او‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬نزاعات‭ ‬العالم‭  ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬محاربة‭  ‬كورونا‭ ‬الا‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تلق‭ ‬آذانا‭ ‬صاغية‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬واليمن‭ ‬وشمال‭ ‬سوريا‭..  ‬بذلك‭ ‬يمكننا‭ ‬الجزم‭ ‬اليوم‭ ‬ان‭ ‬الأوبئة‭  ‬المعدية‭  ‬وسريعة‭ ‬الانتشار‭ ‬اليوم‭ ‬تلعب‭ ‬دورا‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬بنية‭  ‬النظام‭ ‬الدولي‭  ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬اقتصادية‭  ‬أو‭ ‬اجتماعية‭ ‬او‭ ‬سياسية‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬حيث‭ ‬لاحظنا‭ ‬ان‭ ‬التوازنات‭ ‬الدوليّة‭ ‬قبل‭ ‬الوباء‭ ‬تشير‭ ‬الى‭ ‬بداية‭ ‬حدوث‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬وكأنه‭ ‬يتحرك‭  ‬نحو‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬تعدد‭ ‬الأقطاب‭ ‬في‭ ‬ضل‭ ‬صعود‭ ‬قوى‭ ‬دوليّة‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬التي‭ ‬تتعارض‭  ‬مصالحها‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سعي‭  ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لتحول‭ ‬دون‭ ‬صعود‭  ‬قوى‭ ‬منافسة‭   ‬لها‭. ‬فهل‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬حوار‭ ‬جديد‭ ‬اليوم‭ ‬ضمن‭ ‬العلاقات‭  ‬الدولية‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬عودة‭ ‬الدولة‭ ‬باعتبارها‭ ‬الفاعل‭ ‬الأساسي‭  ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬تبين‭ ‬ان‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬هو‭ ‬اكبر‭ ‬أزمة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭ ‬حاليا‭ ‬والمهدد‭ ‬للبشرية؟

‭*‬‭ ‬باحث‭ ‬وناشط‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬الجمعياتي‭ ‬بمدينة‭ ‬بنزرت

إضافة تعليق جديد