وجوبية ترسيم الحق العيني (1-8) - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الثلاثاء 24 نوفمبر 2020

تابعونا على

Nov.
24
2020

دراسة قانونية

وجوبية ترسيم الحق العيني (1-8)

الجمعة 20 نوفمبر 2020
نسخة للطباعة
إعداد: وديع الجديدي..متفقد رئيس بالإدارة الجهوية للديوان الوطني للملكية العقارية بأريانة

تنشر «الصباح» في عددها الصادر اليوم الجزء الأول من دراسة قانونية حول وجوبية ترسيم الحق العيني لوديع الجديدي متفقد رئيس بالإدارة الجهوية للديوان الوطني للملكية العقارية بأريانة.

 

إن الهدف من تدعيم شكليات الترسيم هو ضمان حقوق الغير الذي سيعتمد ذلك الترسيم. فبقدر ما تكون إجراءات الترسيم صارمة وثابتة ودقيقة، بقدر ما تكون في مأمن من الأخطاء. وبالتالي تحقيق الطمأنينة والقناعة لدى الأشخاص  الذين سيلجؤون إلى هذا الترسيم بوصفه المرجع القانوني الوحيد الذي يمكن من أخذ فكرة حقيقية عن وضعية العقار. لذلك تواصلت الإجراءات التشريعية في مجال الترسيم بالخصوص إلى حد هذا اليوم والتي من شأنها أن تحقق نجاعة الترسيم كأداة للإشهار العقاري حتى يكون فاعلا حقيقيا في كل تعامل على هذا النوع من العقارات وحتى يكون مرآة عاكسة لحقيقة العقار ومؤدى ذلك أن مصداقية الرسم العقاري تقتضي التوافق التام بين حالة الرسوم وواقع العقار.

وقد تعرضت مجلة الحقوق العينية إلى وجوبية ترسيم الحقوق العينية في الباب الأول من العنوان الرابع الوارد تحت عنوان ترسيم الحقوق العينية وذلك من خلال الفصل 373 الذي ورد به: « الأمور الآتية يجب إشهارها بطريقة ترسيم برسم الملكية: ...» حتى ينشأ الحق العيني. ولا يمكن الحديث عن نشأة هذا الحق بمنأى عن مبدأ الشرعية  ويقتضي التطرق لترسيم الحق العيني التعرض إلى الشروط الشكلية لترسيم الحق العيني (الفصل الأول) وإلى الشروط الأصلية لترسيم هذا الحق (الفصل الثاني).

الفصل الأول

الشروط الشكلية لترسيم الحق العيني

اقتضى الفصل 389 من م.ح.ع أنه:» يتحقق مدير الملكية العقارية من هوية الأطراف ومن أهليتهم ومن صحة الوثائق المدلى بها تأييدا لمطلب الترسيم».

وتأسيسا على ذلك فإن التحقق من صحة الوثائق المؤيدة لمطلب الترسيم يقتضي أن تتوفر في الكتائب المرتبة للحقوق العينية التي يجب إشهارها بالسجل العقاري جميع الشروط الشكلية التي يوجبها القانون لصحتها وذلك تطبيقا لمبدأ الشرعية.

الـمبحث الأول

شـــــكلية الـكـتب

يقضي المبدأ العام الذي يحكم المادة التعاقدية أن الإرادة تكفي بمفردها لإنشاء الالتزامات مهما كان شكل التعبير عنها. ولقد كرس المشرع التونسي هذا المبدأ بالفصل 580 من م.إ.ع المتعلق بعقد البيع والذي نص على أنه: «إذا وقع من المتعاقدين ما يدل على الرضا بالبيع واتفقا على الثمن والمثمن وعلى بقية شروط العقد انعقد البيع بينهما».غير أنه يستثنى من المبدأ المشار إليه بالفصل المذكور صورة ما إذا تعلق موضوع البيع بعقار أو بحقوق عقارية حيث يجب في هذه الصورة التعبير عن الإرادة بالطريقة التي استوجبها القانون والمتمثله بالأساس في وضع قواعد لتحرير الكتب (الفقرة الثانية) وبالشكل الذي اقتضاه والمتمثل في شكلية الكتابة (الفقرة الأولى) .

الفقرةالأولى: اشتراط الكتب في العمليات العقارية

تعتبر الكتابة من الشكليات الأساسية التي أوجب القانون احترامها كلما تعلق موضوع العملية العقارية بعقار. وبما أن المشرع قد أوجب إشهار العقود التي يكون موضوعها حقا عينيا عقاريا بطريق الترسيم برسم الملكية، فإن مبدأ الشرعية يقتضي أن يتثبت مدير الملكية العقارية من وجود هذه الشكلية القانونية بمناسبة نظره في مطالب الترسيم باعتبار  وجود الكتب هو شرط أساسي لصحة العملية العقارية (أ) بالإضافة إلى وجوب تقديمه للترسيم بإدارة الملكية العقارية (ب).

أ- وجود الكتب كشرط صحة

 إن فكرة الحرية التعاقدية هي من أهم آثار مبدأ سلطان الإدارة على الإطلاق وقوامها احترام تلك الإرادة وقت تكوين العقد وزمن تنفيذه . وتقوم هذه الفكرة من حيث الأصل على حرية الشخص في أن يتعاقد أو أن يمتنع عن التعاقد وذلك حسب الضرورة التي تقتضيها مصالحه، وإذا تعاقد فتتجسد تلك الحرية في تحديده لمضمون العقد كيفما يريد.

ويترتب عن تلك الحرية من حيث الشكل قاعدة الرضائية في العقود، إذ يكفي لتكوين العقد ونشأته صحيحا مجرد تلاقي الإرادتين مع توفر بقية شروط الفصل الثاني من مجلة الالتزامات والعقود إلا أن الأمر يصبح على خلاف ذلك إذا كان موضوعه عقارا أو حقا عينيا على عقار، ذلك أن الفصل 581 من م.إ.ع يشترط صراحة أن يكون البيع كتابة بحجة ثابتة التاريخ قانونا إذ ورد به : « إذا كان موضوع البيع عقارا أو حقوقا عقارية أو غيرها مما يمكن رهنه يجب أن يكون بيعها كتابة بحجة ثابتة التاريخ قانونا ولا يجوز الاحتجاج بالعقد المذكور على الغير إلا إذا سجل بقباضة المالية مع مراعاة الأحكام الخاصة بالعقارات المسجلة.»

يرى كل من الأستاذ نذير بن عمو والأستاذ عبد الله الأحمدي أنّ الكتب يعتبر شرط صحة وهو رأي أيده الأستاذ محمد كمال شرف الدين، والحجج في ذلك عديدة:

منها ما تأسس على علاقة الفصل 580 بالفصل 581 من م.إ.ع، إذ يلاحظ أن الفصل 581 ورد كاستثناء للمبدا المضمن بالفصل 580، وتدل عبارة» إذا كان موضوع البيع عقارا ...» على أن مناط الفصل فرضيّة خاصة يعلن عنها المشرع بجملة اشتراطية ، وهذا يعني التخصيص بالابتعاد عن مبدأ الرضائية وتبني الشكلية، ومنها ما ينبني على استعمال المشرع لصيغة الوجوب بكلمة «يجب أن يكون...» وهذه الصيغة ترتبط ضمنيا بقاعدة كلية أوردها الفصل 539 من م.إ.ع وهي: « إذا صرح القانون بالنهي عن شيء معين كان إتيانه باطلا لا ينبني عليه شيء».

وقد اتخذت محكمة التعقيب نفس الموقف حين اعتبرت في إحدى المناسبات «عقد بيع عقار يجب أن يكون بكتب ثابت التاريخ وأنه يجب التعريف بإمضاء الطرفين وإلا فإنه لا يترتب عليه التزام ولا تنتقل به الملكية استنادا إلى الفصل 581 من م.إ.ع».

وبما أن المشرع قد أوجب إشهار الكتب بطريق الترسيم بالسجل العقاري إذا كان العقار مسجلا، فإن مدير الملكية العقارية ملزم بالتثبت من وجود هذه الشكلية ضرورة أن الكتب هو الوعاء المادي للعملية العقارية المطلوب ترسيمها ذلك أن واجب التحقيق في صحة الوثائق المدلى بها تأييدا لمطلب الترسيم هو من صميم عمل المحقق عملا بأحكام الفصل 389 من م.ح.ع وإذا ما تبين له أن الوثائق المدلى بها لا تستجيب للضوابط الشكلية التي اقتضاها القانون رفض مطلب الترسيم. وإذا كان الأمر على خلاف ذلك مر إلى غير ذلك من الشروط ومن بينها ما تعلق بالشكل الذي يجب أن يتخذه الكتب.

(..يتبع)

 

إضافة تعليق جديد