قضاة ومحامون لـ«الصباح»: الشيك دون رصيد طريق لإفلاس التجّار.. ووحدها العقوبة السجنية رادعة للمتحيلين - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 22 جانفي 2021

تابعونا على

Jan.
22
2021

اثر المبادرة التشريعية لإلغاء العقوبات السجنية في قضايا الصكوك..

قضاة ومحامون لـ«الصباح»: الشيك دون رصيد طريق لإفلاس التجّار.. ووحدها العقوبة السجنية رادعة للمتحيلين

السبت 14 نوفمبر 2020
نسخة للطباعة

لا تزال  المبادرة التشريعية التي سبق وأن تقدمت بها كتلة ائتلاف الكرامة الى مجلس نواب الشعب والمتمثلة في تنقيح أحكام الشيك بدون رصيد وإبدال العقوبة السجنية بعقوبات مالية وادارية  تثير الكثير من الجدل وتباين في الآراء  فهناك من يعتبرها مبادرة طيبة وتتماشى ومتطلبات الاقتصاد الوطني وهناك من يعتبرها سابقة لأوانها وتتطلب مزيد النقاش مع الفاعلين الاقتصاديين والماليين والحقوقيين.

«الصباح» كان لها اتصال مع عدد من رجال القانون من محامين وقضاة والذين تحدثوا عن هذه المبادرة وتأثيراتها سواء على المتهمين أو الاقتصاد بشكل عام.

 

القاضي والدكتور في القانون جابر الغنيمي اعتبر في تصريح لـ»الصباح»

إبدال العقوبة السجنية بعقوبات مالية وادارية مبادرة طيبة بما أنها تهدف إلى إلغاء العقوبات السجنية وابدالها بتضييقات مالية وتجارية وإدارية مع إمكانية التضييق على المتهم في تحركاته الداخلية والحدوديّة إلى حين الخلاص لذلك فهي مبادرة مقبولة وتتماشى مع ما يتطلبه دعم الاقتصاد والاستثمار.

  وأوضح أن الشيك يعتبر ورقة من الأوراق التجارية وهو وسيلة دفع ويتميز الشيك عن الكمبيالة من حيث الجزاء حيث أن تحرير كمبيالة وعدم توفر المؤونة لا يترتب عنه عقوبات جزائية تتمثل في السجن مضيفا أن  العديد من رجال القانون دعوا أيضا إلى إلغاء عقوبة السجن باعتبار أنه من شأنها أن تؤدي  إلى عرقلة الدورة الاقتصادية والاستثمار من خلال دخول أصحاب المؤسسات السجن بسبب إصدار  شيكات بدون رصيد مما يؤدي إلى إغلاق تلك المؤسسات وإفلاس مالكيها وفقدان مواطن الشغل كما أن دخول مصدّر الشيك بدون رصيد السجن  لا يعني المستفيد في شيء وإنما سيعطل خلاصه.

 وفي نفس الإطار قال جابر الغنيمي  إن عديد الدول الغربية على غرار فرنسا وكذلك بعض الدول العربية عملت على  إلغاء عقوبة السجن في قضايا إصدار شيكات بدون رصيد.

رئيس جمعية مكافحة الفساد إبراهيم ميساوي كذلك وخلال سماعه أمام لجنة التشريع العام بالبرلمان قال «إن تنقيح قانون الصك دون رصيد أصبح ضروريا لأنّ القانون الحالي أضر بالدورة الاقتصادية وأن المستفيد الوحيد منه هي المؤسسات البنكية التي أصدرت خلال سنة واحدة أكثر من 10 ملايين إشعار لصكوك دون رصيد.

 

لطفي العربي لـ«الصباح»: مشروع  ائتلاف الكرامة سابق لأوانه

العضو بمجلس الهيئة الوطنية للمحامين بتونس الأستاذ  لطفي العربي قال  في تصريح لـ»الصباح» إن المبادرة التشريعية التي تقدمت بها كتلة ائتلاف الكرامة في 15 جوان 2020 إلى مجلس النواب لتنقيح أحكام الشيك بدون رصيد في المجلة  التجارية والتي تهدف إلى تعديل الفصول 346 إلى 412 من المجلة التجارية وأن من  أهم النقاط التي احتوتها إدخال صيغة الشيك الالكتروني وإمكانية، طلب التصديق الإلكتروني لتأكيد  توفر الرصيد مضيفا  أن أهم  نقطة في المبادرة على مستوى تنقيح الفصل  411 من المجلة التجارية وحذف العقوبة السجنية والاكتفاء بالعقوبات المالية وإضافة إمكانية جديدة للمحكمة الحكم بعقوبات تكميلية.

واعتبر أن هذا المشروع ولئن كان يهدف إلى تحقيق غايات نبيلة من خلال طرح العقوبة السجنية وهو أمر محمود حسب رأيه الا أنه  لم يأخذ بعين الاعتبار الواقع الاقتصادي والاجتماعي باعتبار أن غالبية المؤسسات الصغرى والوسطى تتعامل بصيغ الشيكات خصوصا وأنه تم التحجير في التعامل نقدا في  قانون المالية لسنة 2020 والذي وضع سقفا حدد بمبلغ لا يتجاوز 5 الاف دينار وتم التخفيض فيه إلى 3 آلاف دينار في قانون المالية الحالي لسنة 2021 الذي سيعرض على مجلس النواب وهذا ما يعني أن الأرضية الاقتصادية وكذلك السوق المالية غير مهيأتين تماما لدخول هذا المشروع حيز التنفيذ ناهيك وان عدم التجريم المطلق لإصدار الشيك يتطلب  توفير ضمانات وإجراءات مرافقة وضمان حق المنتفعين من الشيكات في النفاذ المباشر للمعلومة ودون عقبات  للتأكد من الوضعية الاقتصادية لمستصدري الشيكات.

وأردف قائلا  بأن المنظومة التشريعية والاقتصادية والمالية غير مهيأة بالكيفية المطلوبة لرفع التجريم بصفة مطلقة خصوصا وأنه بالنظر إلى التجارب المقارنة في سائر البلدان  لم يقع رفع التجريم بصفة كاملة  بل تم الإبقاء على تمكين المتضررين من الالتجاء إلى محاكم الحق العام في تتبع مستصدري الشيك من أجل جريمة التحيل وهذا ما يجعل مشروع القانون المعروض من طرف كتلة ائتلاف الكرامة سابق لأوانه ويتطلب مزيد تعميق النقاش فيه مع سائر  الأطراف من فاعلين قانونيين واقتصاديين لتفادي حصول نتائج عكسية وفي مقدمتها الانكماش الاقتصادي وتعطيل الحركة الاقتصادية.

 وتجدر الإشارة  أن الهيئة الوطنية للمحامين بتونس تم الاستماع إليها مؤخرا  من قبل لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب لإبداء رأيها بخصوص المشروع.

وكان رئيس كتلة ائتلاف الكرامة سيف الدين مخلوف  فسر عبر  صفحته الرسمية على الفايس بوك فحوى المبادرة وقال إنها  ترمي إلى تعويض العقوبات السجنية بتضييقات مالية وتجارية وإدارية مع إمكانية التضييق على المتهم في تحركاته الداخلية والحدوديّة إلى حين الخلاص، بما يجعل من المعني بها في وضعية شبيهة بوضعية المحكوم بتفليسه.

 وبأنها مبادرة ستسهل بشكل كبير من إجراءات التسوية والصلح في مادة الشيكات وفي أي مرحلة من مراحل التتبع أو أي طور من أطوار المحاكمة ومن دون الحاجة في غالب الحالات للحضور بالمحكمة أصلا وستسمح باعتماد تقنية الشيك الالكتروني والمصادقة البنكية الالكترونية  بما يعطي ضمانات حسب رأيه  أكبر لتداول الشيكات ويقلل بشكل كبير جدا من رجوعها من دون خلاص.

 

عماد بن حليمة لـ«الصباح»: «لنا  تجربة مريرة مع  «كارثة» العفو العام في جرائم الشيك لسنة 2011

أما المحامي عماد بن حليمة فقد كان له رأي آخر حول هذه المبادرة اذ عبر وخلال إفادته لـ»الصباح» عن رفضه لها مشددا على ضرورة إبقاء العقوبة السالبة للحرية في قضايا الشيكات دون رصيد.

وأوضح  أن الصك أداة خلاص أي انه يقوم مقام المال العيني وتم احداثه كوسيلة تجنب  المتعاملين به مخاطر التنقل بمبالغ مالية هامة  لاتمام معاملات لذلك فان الشخص الذي يسلم صكا لغيره وليس له مقابل مالي يوم انشاء الصك يعتبر متحيلا لانه أوهم باعتماد خيالي ولذلك افرد المشرع هذا النوع من السلوك بجريمة خاصة وهي جريمة  إصدار صك بدون رصيد التي تصل العقوبة فيها الى السجن مدة خمس سنوات والخطية  الى نسبة  40 بالمائة من مبلغ الصك أو من المبلغ الناقص من المؤونة الى جانب 10 بالمائة فوائض للمستفيد وجملة المصاريف.

واعتبر  عماد بن حليمة أن المعاملات المدنية والتجارية مبنية على الثقة والأمانة والنزاهة فان اهتزت تلك المبادئ  وأصبح الناس لا يتورعون من نقض عهودهم بل أكثر من ذلك يتبجحون بتحيلهم فلا بد من التدخل التشريعي لضمان السلامة في المعاملات مشيرا انه قديما كان للدائن حق حبس المدين واسترقاقه الى حين وفائه بالدين المتخلد بذمته لكن مع تطور المنظومة الحقوقية اندثر هذا الحق للفرد ولم يبق إلا للمجموعة اي الدولة التي تمثلها النيابة العمومية والتي لها حق حبس المدين بخطايا للخزينة العامة الى حين خلاصها وهو ما يسمى بالجبر بالسجن.

وتابع قائلا بأن الملاحظ في المعاملات العامة ان الناس يخيرون التعامل بالصكوك ولا يحبذون التعامل بالكمبيالات والسبب واضح وهو ان هذه الاخيرة لا يترتب عن عدم خلاصها تتبع جزائي وتهديد بالسجن .

 وقد أفرز هذا الواقع حسب ذكره  ظاهرة مستفحلة وهي التعامل بالصكوك مؤجلة الدفع وانقلب بذلك الصك من اداة خلاص الى اداة تداين  كأنه كمبيالة أضيف لها السجن وهو سلوك يعاقب عليه قانونا ويعتبر جريمة قبول صك مع العلم بانعدام الرصيد.

 وبين أن الكمبيالة  أداة تداين بمعنى انها التزام بالدفع مؤجل التنفيذ الى تاريخ يتفق عليه الساحب لها والمستفيد منها والذي يمكن ان يكون شهرا او شهرين او اكثر وتتداول في اوساط المعاملات التجارية  وعدم خلاصها في الموعد المتفق عليه يفتح الحق للدائن في مباشرة اجراءات تتبع الاستخلاص على مكاسب المدين ان وجدت لكن لا يترتب عنها تتبع جزائي والسبب واضح لان القانون لا يفرض ان تكون المؤونة اي المبلغ المالي المضمن بها موجودا بحساب المدين يوم انشاء الكمبيالة

 وأكد أنه  مع التجريم  أيضا بخصوص الكمبيالات الراجعة بدون خلاص التي  تعتبر بمثابة التحيل  حتى نتمكن من مجابهة انتشار ثقافة «التحيّل» بجميع أشكاله  ونسترجع  شيئا من الأمانة في المعاملات خاصة وأن حجم قضايا الشيكات  وعدد الأحكام الصادرة فيها مهول ورغم ذلك فالمخالفون  يسعون لتسوية وضعياتهم ويواصلون نشاطهم في انتظار سقوط العقوبات بمرور الزمن.

واعتبر بن حليمة ان المتعاملين (ما عبر عنهم بالمتحيّلين) بالصكوك  والكمبيالات يهرّبون ممتلكاتهم لأقاربهم وزوجاتهم وأبنائهم وحتى خليلاتهم بنية التفصّي من الدفع والدولة «نائمة» ولا تفعّل مقتضيات قانون تبييض الأموال عندما يقع تسجيل عقود شراء لفائدة اشخصا لا يملكون مداخيل.

وأضاف أن  لنا  تجربة مريرة ما اعتبرها «كارثة» العفو العام في جرائم اصدار صكوك بدون رصيد لسنة 2011 التي انبنت على شبهات فساد وعلى خلاف العادة لم يشترط خلاص المستفيد للتمتع بالعفو بل اعفي «المجرمين» من السجن ومن الخطية  وترك للمستفيد مصير مواجهة غريمه مدنيا  وهذا الأمر تسبب في إفلاس عديد التجّار لان «المجرمين» (على حد تعبيره)  الذين كانوا يسعون للخلاص لتسوية وضعياتهم قبل 14 جانفي 2011  انقطعوا عن ذلك بعد ان تمتعوا بالعفو وزال عنهم شبح الدخول الى السّجن.

وقال إن  عديد الدول الغربية ومنها فرنسا توخت منحى حذف العقوبة السالبة للحرية في مجال الصكوك لكن الفرق بيننا وبينهم أنهم مجتمعات تربت على الوفاء بالوعود وبالعهود فضلا على وجود منظومة تشريعية متكاملة تجعل الشخص لا يقدم على التفكير في إصدار صك بدون رصيد لانه سيحرم من الانتفاع بأدنى الخدمات لكن نحن ليست لدينا  ثقافتهم والمعاملات لدينا مبنية في جانب كبير منها على المخاتلات والخزعبلات  لذلك لا بد من إبقاء العقوبة السالبة للحرية سيفا مسلّطا على «المتحيلين» وهم كثر مع التفكير في إعادة تنظيم طرق تداول الصكوك وشروط تسليمها من البنك للمتعاملين بها لان غياب الامانة في التعامل بالصكوك يولد سلسلة من المتضررين وله عواقب وخيمة على الأنشطة الاقتصادية.

 

◗ صباح الشابي

 

إضافة تعليق جديد