إكراهات لقاء صعب بين الاعلام والقضاء (2-2) - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 22 جانفي 2021

تابعونا على

Jan.
22
2021

دراسة قانونية: الحق في المعلومة في مواجهة صرامة الحقيقة القضائية

إكراهات لقاء صعب بين الاعلام والقضاء (2-2)

الجمعة 13 نوفمبر 2020
نسخة للطباعة
بقلم: القاضي ونائب رئيس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري عمر الوسلاتي

تنشر «الصباح» في عددها الصادر اليوم الجزء الثاني من دراسة قانونية حول «الحق في المعلومة في مواجهة صرامة الحقيقة القضائية:

إكراهات لقاء صعب بين الاعلام والقضاء» للقاضي عمر الوسلاتي..

التصادم بين القضاء والاعلام بسبب اختلاف الوسائل

غالبا ما يؤدي تقاسم الإعلام والقضايا مناطق تقاطع وتداخل في الشأن القضائي (نقل الأخبار أو انتقاد الأحكام ومناقشة القضايا التي تهمّ الرأي العام وهي محل نظر القضاء) إلى ردود فعل قوية رافضة ويعود السبب في ذلك بالأساس إلى اختلاف طرق معالجة الحقيقة بين القضاء والإعلام.

فالمختصون في القضاء والنقابات والجمعيات القضائية يعتبرون أن الإعلام لا يكشف الحقيقة بقدر ما يشوهها أو يدخل عليها تغييرات جوهرية تعيق الوصول إليها وتجعل الحقيقة التي سينتهي اليها القضاء محل شك مما يؤثر على  ثقة العموم في القضاء الذي يعتبر أحد ابرز المعايير لقياس ثقة المواطنين فيه.

 أما الاعلام فإنه يسعى بكل الوسائل التي يمتلكها في الوصول إلى المعلومات المختلفة لما يلازمه من حماية خاصة لمصادره، إلى التعاطي مع كل الأخبار والقضايا التي تكون محور اهتمام الرأي العامّ خاصة مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت وسيلة مهمة في التعاطي مع الأحداث وأن نقاش تلك القضايا المختلفة دون سقف معين ودون حدود نظرا لأهميتها في خدمة المجتمع الديمقراطي التعددي.

انتقاد القرارات القضائية عنصر إضافي لتغذية الصراع

تمثل مناقشة القرارات القضائية وانتقاد أدائها أو التناول الإعلامي للقضايا التي تعهد بها القضاء عنصراً آخر يُضاف إلى عناصر أخرى مؤثرة في تشريح العلاقة المتوترة بين الإعلام والقضاء قد يعود ذلك إلى عدم قبول السلطة القضائية آليات الرقابة الإعلامية على أدائها وهي لم تتعود ذلك إلا نادرا أو بسبب اعتماد القضاء طريقة بيروقراطية في تمكين وسائل الاعلام من الأخبار.

وقد عرفت هذه العلاقة على امتداد مرحلة الانتقال الديمقراطي ارتفاع منسوب التوتر بسبب بعض الأحكام القضائية التي أصدرتها المحاكم عند تناولها لقضايا الحريات كقضية «الإفطار في رمضان»، بعدما تمّ الحكم بالسجن على أربعة شبان بالسجن لمدة أربعة اشهر أو قضايا المثليين أو «قضايا التعبير الفني» ولد الكانز « قضية بن بريك « الذي قضي في شانه بالسجن النافذ لمدة سنة، وهذا التوتر عكسته البيانات الصادرة عن جمعية القضاة التونسيين والنقابة الوطنية للصحافيين وغيرها من الجمعيات والمنظمات المدافعة عن الحريات.

ويفسر المختصون في القضاء أن حرية الاعلام يجب أن تأخذ مسافة معينة تلتزم الحياد والصمت – التعتيم -  في التعاطي مع الأخبار القضائية وكذلك في خصوص انتقاد القرارات القضائية أو في ما يتعلق بتداول القضايا التي تعهد بها القضاء ذات الاستقطاب الأحادي، مما يساهم في نشر الشائعات والأخبار الزائفة وهي شائعات وأخبار تغذيها مواقع التواصل الاجتماعي التي تتبناها التيارات الشعبوية الاجتماعية أو السياسية ويؤدي ذلك إلى فقدان الاعلام لدوره كأداة ناجعة للرقابة على باقي السلط الاخرى في مجتمع ديمقراطي تعددي وفي الآن نفسه فقدان القضاء لثقة العموم في قراراته أو في نزاهة قضاته وسلامة مساره الإجرائي ويمكن استحضار أمثلة كثيرة لهذا التصادم ومنزلقاته.

وهو ما أثارته «قضية سوسة الإرهابية « بنزل الإمبريال في 26 جوان 2015 فقد تميز التناول الإعلامي  بالمخاطرة والالتباس حول قدرة الأجهزة الأمنية على مقاومة الجريمة الإرهابية، وبعد أن تعهد القطب القضائي للإرهاب تقاطع التناول الإعلامي مع التعاطي القضائي وقد أظهر للراي العام عجز المنظومة الأمنية والقضائية في كشف الحقيقة التي سبقتها حقيقة إعلامية يعتبرها المدافعون عن حقوق الانسان والمختصون في المحاكمة العادلة متسرعة وتعرض عديد المبادئ التي تحكم الإجراءات القضائية كقرينة البراءة وعدم تعريض الشهود للخطر وهو ما دفع بالهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري كهيئة تعديلية إلى إصدار رأي في 29 جوان 2015 لاحظت خلاله أن التناول الإعلامي لتلك الاحداث الخطيرة برز من خلال اتخاذ  بعض الاعلاميين مواقف تميزت بالتشنج في حين وجب التحلي بالمهنية وضبط النفس والتعامل بعقلانية ومسؤولية مع مثل هذه القضايا وتجنب بث خطابات التحريض وبث مشاهد صادمة. والحال أنه كان من الواجب وضع العلامات الدالة لحماية الأطفال والفئات الهشة والتقليص من مثل هذه المشاهد والاقتصار على ما هو ضروري لضمان حق المواطن في المعلومة.

وكذلك التناول الإعلامي لجريمة قتل شنيعة جدّت بتاريخ 17  ماي 2016 وراح ضحيتها طفل الأربع سنوات الذي أختطفه القاتل وهو رقيب في الجيش الوطني يُدعى «محمد أمين» وقام بقتله ذبحاً ورميه في الشارع بعد وضعه في كيس بلاستيكي وقد سبقت وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة صدور التقرير الطبي وادعاء أن الطفل لم يتعرض للاغتصاب خلافا للحقيقة كما تم كشف هوية الطفل وعائلته وعنوان إقامته.

وقد يُفسّر هذا التصادم كما سبق أن بيّنا باختلاف وسائل وأهداف التعاطي مع هذه الأخبار أو بسبب الخلط المتعمد وأحيانا الملتبس بين دور وسائل الاعلام في نقل الأخبار وإعلام الجمهور بالأحداث التي تحصل دون تعتيم وتبنيها دورا جديدا مؤثرا وأحيانا مضللا ونشر أخبار لا تحترم قواعد المهنة والمتمثلة أساسا باحترام الحقيقة وحق الجمهور في معرفة الحقيقة والالتزام بالموضوعية وعدم الخلط بين الرأي والخبر واللجوء إلى طرق ملتوية في الحصول على المعلومات والتعامل المهني مع مصادر المعلومات وعدم الخلط بين النشاط السياسي والعمل الصحفي وتصحيح الأخطاء وعدم استغلال المهنة الصحفية للحصول على مكاسب شخصية وعدم الخلط بين المادة الاعلانية والمادة التحريرية واحترام الأشخاص وخصوصياتهم والدور الذي يضطلع به القضاء كأداة لضمان الأمن القانوني وحماية قرينة البراءة وعدم تعريض الشهود للخطر.

(..انتهى)

 

إضافة تعليق جديد