إكراهات لقاء صعب بين الاعلام والقضاء (1-2) - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 22 جانفي 2021

تابعونا على

Jan.
22
2021

الحق في المعلومة في مواجهة صرامة الحقيقة القضائية

إكراهات لقاء صعب بين الاعلام والقضاء (1-2)

الخميس 12 نوفمبر 2020
نسخة للطباعة
بقلم: القاضي ونائب رئيس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري عمر الوسلاتي

تنشر‭ ‬‮«‬الصباح‮»‬‭ ‬في‭ ‬عددها‭ ‬الصادر‭ ‬اليوم‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬دراسة‭ ‬قانونية‭ ‬حول‭ ‬‮«‬الحق‭ ‬في‭ ‬المعلومة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬صرامة‭ ‬الحقيقة‭ ‬القضائية‭:‬

إكراهات‭ ‬لقاء‭ ‬صعب‭ ‬بين‭ ‬الاعلام‭ ‬والقضاء‮»‬‭ ‬للقاضي‭ ‬عمر‭ ‬الوسلاتي‭..‬

 

يثير‭ ‬بحث‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإعلام‭ ‬والقضاء‭ ‬عديد‭ ‬الإشكاليات‭ ‬مردّها‭ ‬اختلاف‭ ‬تصوّر‭ ‬السلطتين‭ ‬للحقيقة‭ ‬واختلاف‭ ‬آليات‭ ‬بحث‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬عنها‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬القضاء‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬تطبيق‭ ‬القوانين‭ ‬والنطق‭ ‬بها‭ ‬طبق‭ ‬إجراءات‭ ‬قانونية‭ ‬محددة‭ ‬بهدف‭ ‬ضمان‭ ‬الأمن‭ ‬القانوني‭ ‬والسلم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وإيصال‭ ‬الحقوق‭ ‬لأصحابها،‭ ‬فإن‭ ‬الإعلام‭ ‬يهدف‭ ‬بالأساس‭ ‬إلى‭ ‬تلقي‭ ‬المعلومات‭ ‬والأخبار‭ ‬وتقصّيها‭ ‬ونقلها‭ ‬للجمهور‭ ‬عبر‭ ‬مختلف‭ ‬الوسائط‭ ‬السمعية‭ ‬والبصرية‭ ‬وغيرها‭ ‬بشكل‭ ‬متزامن‭ ‬مع‭ ‬حدوثها‭.‬

يتقاطع‭ ‬هنا‭ ‬الإعلام‭ ‬مع‭  ‬القضاء‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬الأخبار‭ ‬القضائية‭ ‬التي‭ ‬يساهم‭ ‬ترويجها‭ ‬عبر‭ ‬المنصات‭ ‬الإعلامية‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬نسب‭ ‬المشاهدة‭ ‬والمتابعة‭ ‬للوسائل‭ ‬الاعلامية‭ ‬وبالتالي‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬ما‭ ‬ترغبه‭ ‬من‭ ‬تنافسية‭ ‬تنمي‭ ‬مردوديتها،‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬يدفع‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬للسعي‭ ‬إلى‭ ‬أخذ‭ ‬السبق‭ ‬عن‭ ‬القضاء‭ ‬في‭ ‬استخلاص‭ ‬النتائج‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالجرائم‭ ‬البشعة‭ ‬وبالعمليات‭ ‬الإرهابية‭ ‬أو‭ ‬بالقضايا‭ ‬ذات‭ ‬الاستقطاب‭ ‬الحاد‭ ‬لرفع‭ ‬نسب‭ ‬المشاهدة‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬الى‭ ‬منزلقات‭ ‬خطيرة‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬استيلاء‭ ‬بؤر‭ ‬توتّر‭ ‬بين‭ ‬القضاء‭ ‬والإعلام‭.‬

الإطار‭ ‬التشريعي‭ ‬المنظم‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬القضاء‭ ‬والإعلام‭ ‬

في‭ ‬التعاطي‭ ‬الإعلامي‭ ‬

يمنع‭ ‬القانون‭ ‬تناول‭ ‬وتداول‭ ‬الحيـاة‭ ‬الخاصة‭ ‬للطفل‭ ‬سـواء‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬بنشـر‭ ‬أو‭ ‬ترويج‭ ‬أخبـار‭ ‬تتعلـق‭ ‬بما‭ ‬يدور‭ ‬بالجلسـات‭ ‬التـي‭ ‬تعالـج‭ ‬فيهـا‭ ‬قضايا‭ ‬الأطفـال‭ ‬أو‭ ‬بنشر‭ ‬أو‭ ‬ترويج‭ ‬نصوص‭ ‬أو‭ ‬صور‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تطلع‭ ‬العموم‭ ‬على‭ ‬هوية‭ ‬الطفل‭ ‬متهما‭ ‬كان‭ ‬أو‭ ‬متضررا‭..‬لقد‭ ‬حاول‭ ‬المرسوم‭ ‬عدد‭ ‬115‭ ‬لسنة‭ ‬2011‭ ‬المؤرخ‭ ‬في‭ ‬02‭ ‬نوفمبر‭ ‬2011‭ ‬ضبط‭ ‬الحدود‭ ‬وخطوط‭ ‬التماس‭ ‬حول‭ ‬التداول‭ ‬الإعلامي‭ ‬لبعض‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تهز‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬وتجنب‭ ‬التصادم‭ ‬في‭ ‬كشف‭ ‬الحقيقة‭ ‬بين‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬يكشفها‭ ‬الاعلام‭ ‬يوم‭ ‬الواقعة‭ ‬أو‭ ‬بعد‭ ‬يومين‭ ‬والحقيقة‭ ‬القضائية‭ ‬التي‭ ‬تأخذ‭ ‬سنوات‭ ‬وأطوار‭ ‬كبيرة‭ ‬لتظهر‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭.‬

فتمّ‭ ‬تجريم‭ ‬النشر‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬والجرائم،‭ ‬منها‭ ‬جرائم‭ ‬الاغتصاب‭ ‬والتحرش‭ ‬الجنسي‭ ‬ومعاقبتها‭ ‬بعقوبة‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬سجنا‭ ‬وهي‭ ‬عقوبة‭ ‬ربما‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬غير‭ ‬متناسبة‭ ‬مع‭ ‬حق‭ ‬الجمهور‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬أطوار‭ ‬القضايا‭ ‬الهامة،‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬حجر‭ ‬نشر‭ ‬وثائق‭ ‬التحقيق‭ ‬قبل‭ ‬تلاوتها‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬علنية‭ ‬ويعاقب‭ ‬مرتكب‭ ‬ذلك‭ ‬بخطية‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬ألفي‭ ‬دينار‭. ‬ويسلّط‭ ‬نفس‭ ‬العقاب‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬ينشر‭ ‬دون‭ ‬إذن‭ ‬من‭ ‬المحكمة‭ ‬المتعهدة،‭ ‬كل‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬الظروف‭ ‬المحيطة‭ ‬بالمحاكمات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالجرائم‭ ‬أو‭ ‬الجنح‭ ‬المنصوص‭ ‬عليها‭ ‬بالفصول‭ ‬736‭ ‬إلى‭ ‬713‭ ‬من‭ ‬المجلة‭ ‬الجزائية‭. ‬كما‭ ‬يحجّر‭ ‬التناول‭ ‬الاعلامي‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬الثلب‭ ‬في‭ ‬الصور‭ ‬المنصوص‭ ‬عليها‭ ‬بالفقرتين‭) ‬أ‭(‬و‭)‬ب‭ (‬من‭ ‬الفصل‭ ‬16‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المرسوم‭ ‬وكذلك‭ ‬بقضايا‭ ‬ثبوت‭ ‬النسب‭ ‬والطلاق‭ ‬والإجهاض‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬للدوائر‭ ‬والمجالس‭ ‬الناظرة‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬المدنية‭ ‬تحجير‭ ‬نشر‭ ‬تفاصيل‭ ‬القضايا،‭ ‬أو‭ ‬نشر‭ ‬أسرار‭ ‬مفاوضات‭ ‬الدوائر‭ ‬والمحاكم‭. ‬كما‭ ‬يحجّر‭ ‬أثناء‭ ‬المرافعات‭ ‬وداخل‭ ‬قاعات‭ ‬جلسات‭ ‬المحاكم‭ ‬استعمال‭ ‬آلة‭ ‬التصوير‭ ‬الشمسي‭ ‬أو‭ ‬الهواتف‭ ‬الجوالة‭ ‬أو‭ ‬التسجيل‭ ‬السمعي‭ ‬أو‭ ‬السمعي‭ ‬البصري‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬وسيلة‭ ‬أخرى‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬صدرت‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬رخصة‭ ‬من‭ ‬السلطة‭ ‬القضائية‭ ‬ذات‭ ‬النظر‭. ‬وكل‭ ‬مخالفة‭ ‬لهذه‭ ‬الاحكام‭ ‬يعاقب‭ ‬عنها‭ ‬بخطية‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬خمسمائة‭ ‬دينار‭ ‬مع‭ ‬حجز‭ ‬الوسائل‭ ‬المستعملة‭ ‬لذلك‭ ‬الغرض‭. ‬

التصادم‭ ‬بين‭ ‬القضاء‭ ‬والإعلام‭ ‬بسبب‭ ‬اختلاف‭ ‬الغايات

إن‭ ‬سعي‭ ‬الإعلام‭ ‬لكشف‭ ‬الحقيقة‭ ‬يهدف‭ ‬بالأساس‭ ‬إلى‭ ‬ضمان‭ ‬ممارسة‭ ‬بقية‭ ‬الحقوق‭ ‬المتصلة‭ ‬به‭ ‬كالحق‭ ‬في‭ ‬النفاذ‭ ‬للمعلومات‭ ‬والوصول‭ ‬لوسائل‭ ‬الاعلام‭ ‬المترابطة‭ ‬معها‭ ‬باعتباره‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬للتمتع‭ ‬بباقي‭ ‬الحقوق‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬ديمقراطي‭ ‬تعددي‭ ‬دون‭ ‬مفاضلة‭ ‬بينها،‭ ‬ويخوّل‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬للصحافيين‭ ‬وغيرهم‭ ‬القيام‭ ‬بدورهم‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬السلطات‭ ‬العمومية‭ ‬والقيام‭ ‬بدور‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬النهوض‭ ‬بالمجتمع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المضامين‭ ‬التي‭ ‬يبثّها‭.‬

‭ ‬ويتطلّب‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬المعلومات‭ ‬طبق‭ ‬شروط‭ ‬موضوعية‭ ‬تحترم‭ ‬أخلاقيات‭ ‬المهنة‭ ‬وقواعدها‭ ‬والسعي‭ ‬لنشرها‭ ‬وترويجها‭ ‬بشكل‭ ‬واسع،‭ ‬أما‭ ‬القضاء‭ ‬فيبحث‭ ‬عن‭ ‬تطبيق‭ ‬القانون‭ ‬باعتبار‭ ‬احترامه‭ ‬لمبدا‭ ‬الشرعية‭ ‬والنطق‭ ‬به‭ ‬طبق‭ ‬إجراءات‭ ‬محددة‭ ‬تنص‭ ‬عليها‭ ‬مجلة‭ ‬الإجراءات‭ ‬الجزائية‭ ‬أو‭ ‬المدنية‭ ‬ويتخّذ‭ ‬المسار‭ ‬القضائي‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمعالجته‭ ‬لكل‭ ‬القضايا‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬ردود‭ ‬الأفعال‭ ‬حولها‭ ‬مسارا‭ ‬محددا‭ ‬سلفا‭ ‬ويكون‭ ‬الزمن‭ ‬القضائي‭ ‬غير‭ ‬معتبر‭ ‬ولا‭ ‬يأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬المتشنجة‭ ‬بهدف‭ ‬ضمان‭ ‬الأمن‭ ‬القانوني‭ ‬والسلم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لتعزيز‭ ‬ثقة‭ ‬العموم‭ ‬في‭ ‬القضاء‭ ‬واحترام‭ ‬كل‭ ‬شروط‭ ‬المحاكمة‭ ‬العادلة‭ ‬وقرينة‭ ‬البراءة‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬الحقوق‭ ‬الأساسية‭ ‬للإنسان،‭ ‬وهي‭ ‬احدى‭ ‬أول‭ ‬أوجه‭ ‬التصادم‭ ‬بين‭ ‬القضاء‭ ‬والاعلام‭.‬

‭(..‬يتبع‭)‬

إضافة تعليق جديد