من أجل ضمان جودة المجموعة المتحفيّة العموميّة وترشيد الاختيارات - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأربعاء 25 نوفمبر 2020

تابعونا على

Nov.
26
2020

لجنة شراء الأعمال الفنيّة

من أجل ضمان جودة المجموعة المتحفيّة العموميّة وترشيد الاختيارات

الأحد 25 أكتوبر 2020
نسخة للطباعة
بقلم: خليل قويعة

لجنة شراءات الأعمال الفنيّة التي تشرف عليها وزارة الشؤون الثقافيّة هي مكسب يتحتّم المحافظة عليه وهيكل وجب النّظر في تطوير اشتغاله الدّوري. فهي اليوم امتياز تونسيّ وترجع إلى فكرة أنّ مجموعة الأعمال الفنيّة التي تقتنيها الوزارة هي وجه لسيادة الدّولة وواجهة للقيم الحضاريّة والرّهان المجتمعي وقد حرصت عليها الدّولة الوطنيّة بُعيد إنشائها.

لم يستمرّ العرض السنويّ للمقتنيات الجديدة ولا نعرف اليوم حجم هذا الرّصيد وكم يبلغ مؤخّرا عدد الأعمال المقتناة وما مصيرها، غير أنّ هذا العدد سبق وان ناهز 12000 قطعة فنيّة، منذ قرابة العشر سنوات. وتنفق الدّولة أكثر من مليون دينارا سنويّا (وهو مبلغ بسيط بالقياس إلى الرّهان المتحفي وعدد التظاهرات ذات الصّلة وعدد الفنّانين النّاشطين وهم بالمئات...) لاقتناء أعمال لغاية عرضها في متحف الفنّ الحديث والمعاصر الذي لم ير النّور بعد، ممّا جعل الأعمال مكدّسة في المخازن لعقود من الزّمن ولم يقع استثمارها ثقافيّا وسياحيّا ولا في الدّراسات العلميّة... كما تحتاج إلى ترميم وحفظ دقيق في غياب مهندسين وخبراء للتّرميم وتقنيّين للصّيانة. وبعض عناصر هذا الرّصيد هي أيضا ذات قيمة تاريخيّة وبإمضاءات كبار الفنّانين الرّواد ويصعب اليوم تقديرها بثمن. وقد طالت هذه المجموعة الوطنيّة شبهات التّزييف والتّهريب في العهد السّابق لعدم عرضها للعموم أو نشر صورها وتوثيقها...

وسأكتفي هاهنا بعرض بعض الملاحظات المتعلّقة بتركيبة هذه اللّجنة في الأمر المنظّم، أوّلا، ثمّ بتقنية اشتغالها الدّاخلي، على نحو ما بلغ أسماعنا في الآونة الأخيرة، ثانيا. الغريب في الباب الأوّل، أنّه يمكن للأعضاء الإداريّين وهم ممثّل إدارة الشؤون الماليّة والإداريّة وممثّل وزارة أملاك الدّولة والمديرين أن يشاركوا في عمليّة اختيار الأعمال المعروضة للبيع في أحدث المعارض الفنيّة أي في تقييم هذه الأعمال وتحكيمها بناء على القيم الجماليّة والإبداعيّة ! وهو ما لا يستقيم أصلاً بحكم غياب التّخصّص المعرفي وغياب الخبرة العلميّة والفنيّة. ويفترض تنقيح قانون هذه اللّجنة في هذا المجال. ولا ريب، إنّ وجود الإداريّين في اللجنة من الأهمّية بمكان وذلك لتسهيل عمل «الخبراء» من بقيّة الأعضاء وضبط الجوانب الإداريّة وكشف الحسابات الماليّة المتاحة والتّذكير بالقوانين وإبداء الملاحظة التي تخصّ الجدولة والتّنظيم، فقط. أمّا تدخّل الإداريّين في التّحكيم والتقييم الجمالي، فذلك من قبيل الفوضى وتداخل المهامّ وتحميلهم أكثر من مستطاعهم.

تطبيق أسوإ أوجه الدّيمقراطيّة

على مجال الفنّ والنّظر

أمّا في الباب الثاني، فمن الملفت للانتباه في الأيّام الأخيرة أنّ طريقة اختيار الأعمال الفنيّة من قِبل اللّجنة قد تغيّرت لتعتمد على التّصويت السّرّي من خلال ورقة تُعطى لكلّ عضو ليكتب عليها اسم العمل المختار أو رقمه في المعرض أو اسم صاحبه من الفنّانين ! وهي طرقة دخيلة عن مفهوم الكيان الثقافي ومفهوم الإبداع وغير علميّة ولا تستوفي شروط الاختيار التي من أهمّها «المُداولة délibération» وليست من طبيعة عمل هذه اللّجنة. إذ أنّ اختيار عمل فنّي من المعرض ليس مثل التّصويت لانتخاب رئيس الجمهوريّة أو التّصويت للقائمات الحزبيّة أو المستقلّة المراد تمثيلها للشعب في مجلس البرلمان ! فلا وجود بعدُ لحملات «انتخابيّة» في المعارض الفنيّة والشأن غير الشأن. فنحن هاهنا بإزاء سحب إجراء سياسيّ على مفهوم الإبداع وتطبيق أسوأ أوجه الدّيمقراطيّة على مجال الفنّ والنّظر، وهي الدّيمقراطيّة الحسابيّة الجافّة والخالية من الحوار والمداولة ومراكمة الآراء والأحكام.

ومن جهة أخرى، ليس اختيار الأعمال الفنيّة القابلة للاقتناء من طرف الدّولة من جنس الحُكم الفردي الذّاتي كما في نظريّة الحُكم الجمالي التي صاغها الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط  (E.Kant )  في القرن الثامن عشر، عصر تبلور مفهوم الذّات والذّاتيّة في مجال التشريع للقيم، حيث المتعة الجماليّة الذاتيّة أساس الحُكم. بل إنّ عضو اللّجنة مطالب باختيار ما يناسب مشروع الدّولة من هذه المجموعة المتحفيّة وليس ما ينال إعجابه ذاتيّا وشخصيّا. ويفترض أن يختار أيضا ما – قد - لا يمتعه ولا يعجبه  وما يمكن أيضا ألاّ ينسجم مع ذائقته الفنيّة ولا ينتمي إلى توجّهه الفنّي المخصوص... ولكنّه ملائم ومناسب وتتوفّر فيه الشّروط.

وهكذا، إنّ التّصويت السّرّي الذي يسبق عمليّة احتساب الأصوات التي بمقتضاها يتمّ الاقتناء، لا يخدم الاختيار الأنسب بل يخضع إلى الأمزجة الشخصيّة التي تمثّل طريقا للمحسوبيّة والمحاباة، خصوصا وأنّ هناك من الأعضاء من مديري، المؤسّسات الثقافيّة والمعنيّة، لا يتغيّرون بين سنة وأخرى، بما يؤدّي إلى ديكتاتوريّة الاختيارات الفرديّة والارتهان بمزاج مخصوص بعينه في عمليّة الاحتساب من سنة إلى أخرى.

غياب المداولة هو تنكّر للقانون الأساسي

للجنة الشراءات نفسها

قد نقول نعم للاختيار الفردي، ولكن شريطة أن يكون بصفة علنيّة وليس سريّة أوّلاً، وأن يكون مقدّمة، مجرّد مقدّمة، للمُداولة الجماعي والحسم، ثانيا. إذ أنّ فضيلة المداولة هي عقلنة للتّصويت الذاتي ولا استغناء عنها وهي التي تمكّن كلّ عضو من تبرير اختياره والبرهنة عليها. بل هي الضّمانة الحقيقيّة لروح «اللّجنة» وكينونتها الجماعيّة، حتى لا يبقى الحكم ذاتيّا ومزاجيّا، مثيرا للشبهات، خصوصا عند غياب عديد الأطراف الممثلة والاقتصار على عدد قليل من الأعضاء الحاضرين، وإن كانوا في حجم النّصاب المطلوب شكليّا وحسابيّا.

ومن جهة أخرى، فإنّ من فضيلة المداولة أنّها تمكّن من تعديل الاختيارات التي قد تبدو زائغة عن الأهداف الأساسيّة ونتاج سوء معرفة هذا العضو أو ذاك بمسيرة هذا الفنّان أو ذاك. وهذا موجود، وقد سبق وأن أشرنا في منابر أخرى، إلى أنّ بعض أعضاء اللجنة لا علم لهم بتاريخ الفنّ في تونس ولا برموزه المؤسّسين، فكيف لهم أن يكونوا ملمّين بالرّموز الفنيّة الرّاهنة أو بالتّجارب الواعدة للمبدعين الشباب، مثلا ! وذلك موضوع آخر يستأهل التّقصّي.

كما أنّ غياب المداولة هو تنكّر للقانون الأساسي للجنة الشراءات نفسها، حيث وردت كلمة «مداولات» أكثر من مرّة في باب سير عمل اللّجنة، الرّائد الرّسمي للجمهوريّة التونسيّة، 17 جوان 1989.

وفي الأخير، إنّ تنظيم سلوك الاختيار بين ما هو فردي وما هو جماعي من خلال المداولة والنقاش المثمر، شرط لا مندوحة عنه لتمكين المجموعة المتحفيّة للدّولة من أن تستوفي مختلف الحساسيّات الفنيّة النّابضة بالسّاحة الفنيّة ومن ضمان جودتها (بعيدا عن تصفية الحسابات الشخصيّة وعقليّة الانتقام والمعاقبة)، حتى تكون هذه المجموعة المتحفيّة المقترحة للمصادقة عليها وزاريّا، «شاهدة» على الضمير الجمالي والثقافي المنزّه عن الأهواء و»واجهة» للذّكاء الإبداعي لدى أجيال الفنّانين و»مرجعًا» لمختلف تعيّناته لدى المبدعين التّونسيّين. عاشت الثقافة الوطنيّة سندا لقيم الفنّ والعدل والحوار الخلاّق.

(*) (تشكيلي، باحث، عضو سابق بلجنة شراءات الأعمال الفنيّة)

 

إضافة تعليق جديد