هل هو بداية التخلّي عن الدعم.. أم حلّ فرضه شحّ الموارد المالية؟ - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الثلاثاء 20 أكتوبر 2020

تابعونا على

Oct.
21
2020

مشروع قانون المالية 2021 يقترح زيادة في أسعار السكر وفي وقود السيارات..

هل هو بداية التخلّي عن الدعم.. أم حلّ فرضه شحّ الموارد المالية؟

الأحد 18 أكتوبر 2020
نسخة للطباعة

اقترحت حكومة هشام المشيشي في مشروع قانون المالية لسنة 2021 توظيف معاليم جديدة على بعض المواد الأساسية المدعّمة على غرار السكر أو ووقود السيارات.. من شأنها الترفيع في أسعارها، مقابل الإبقاء - مبدئيا- على أسعار مواد أخرى مدعمة دون تغيير مثل الزيت النباتي ومنتجات الحبوب والنقل وغيرها..  

فهل يمكن قراءة هذا التوجه ببداية فعلية لتخلي الدولة تدريجيا عن منظومة الدعم أو عل الأقل التخفيض في الاعتمادات المرصودة لها سنويا، أم هي حلول وقتية فرضتها شح الموارد المالية، والأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد وتعمقت خاصة مع بداية انتشار وباء كورونا منذ بداية العام الجاري؟

علما أن الحكومة السابقة كانت قد أقرت قبل أسابيع – بضغط من غرف ونقابات مهنية – الترفيع في سعر الحليب عند الاستهلاك ليصبح 1250 مليما للتر عوضا عن 1120 مليما للتر الواحد. ومع ذلك ما يزال لتر الحليب مدعّما بما قدره 390 مليما استنادا لتصريحات متطابقة لمسؤولين من وزارة التجارة، ومن اتحاد الفلاحين.

  ويقترح مشروع قانون المالية بمقتضى لسنة 2021 إحداث معلوم على مادّة السكر تنعكس بزيادة بـ100 مليم عن كل كيلوغرام من سعر البيع الموجّه إلى العموم، يوظف من قبل الديوان التونسي للتجارة على الكميّات التّي يتمّ بيعها محلّيا والمعدة للاستهلاك المنزلي أو الصناعي أو الحرفي كما هو الشأن بالنسبة إلى الأداء على القيمة المضافة.

كما يوظف المعلوم على مورّدي مادّة السكر المرخّص لهم، من قبل الديوان التونسي للتجارة، ويستخلص عند التوريد كما هو الشأن بالنسبة إلى المعاليم الديوانية.

وبررت وزارة المالية هذه الزيادة لدى شرحها للقرار، انه في إطار مزيد العمل على التحكم في عجز الميزان التجاري تم بمقتضى الفصل 39 من قانون المالية لسنة 2018 مراجعة المعاليم الموظفة على واردات من مجموعة من المنتجات الاستهلاكية، ومواصلة لنفس التمشي وفي إطار تعزيز موارد ميزانية الدولة ومقاومة التهريب والتجارة الموازية لمادة السكر وترشيد استهلاكها نظرا للاستهلاك الوطني المرتفع، يقترح إحداث معلوم على السكر المعد للاستعمال المنزلي أو الصناعي او الحرفي بمبلغ 100 مليم عن كل كيلوغرام.

كما اقترحت الحكومة في مشروع قانون المالية مراجعة المعلوم الموظف على استهلاك بعض أنواع المنتجات البترولية عبر الترفيع بنسبة 10 بالمائة في هذا المعلوم بدافع تعبئة موارد اضافية لميزانية الدولة لسنة 2021.

 وكشفت الحكومة عن نيتها اقرار هذه المراجعة في اطار الفصل 27 من مشروع قانون المالية، وأبقت على معاليم ثماني منتجات بترولية على حالها من بنيها البنزين الرفيع والبنزين العادي وزيوت التشحيم والتنظيف وزيوت الفزلين والبرافين وزيوت أخرى..

 لكنها وظفت المعلوم على تسع منتجات أخرى من بينها البنزين من نوع رفيع الخال من الرصاص وهو النوعية الأكثر استعمالا من قبل أصحاب السيارات الخفيفة والسياحية وهم يمثلون فئات واسعة من التونسيين، كما سيتم توظيف نفس المعلوم على بنزين الطائرات وبترول التشعيل وغاز ذو نسبة كبريت مرتفعة وفيول ثقيل وغاز النفط.

 وتضمنت القائمة كذلك غاز النفط بروبان وبيتان صبة او معلّب في قوارير يتعدي وزنها 13 كلغ والغاز الطبيعي المعدّ للاستعمال كوقود للسيارات.

 ومن المقرر تبعا لذلك أن يرتفع المعلوم الموظف على سبيل المثال على البنزين الرفيع الخالي من الرصاص، في حال اقراره، من 41،382 د، إلى 45،520 د/ هل.

 

تضاعف ميزانية دعم المواد الأساسية في 2020

وبلغة الأرقام، واستنادا إلى وثيقة رسيمة صادرة عن وزارة المالية، تحمل عنوان «التوزيع القطاعي لإطار الميزانية متوسط المدى لسنوات 2021-2023»، وفي باب دعم المواد الأساسية، اقترحت الحكومة بالنسبة للسنة المقبلة اعتمادات مالية تقدر ب2.4 مليار دينار لمنظومة دعم المواد الأساسية، بزيادة قرها 1.6 مليار دينار مقارنة بميزانية الدعم لسنة 2020، وهي التي خصص لها في ميزانية السنة الجارية 1.8 مليار دينار.

 لكن الأزمة الصحية التي حلّت بالبلاد وبسبب تداعيات الحجر الصحي الشامل وما رافقه من ارتفاع كبير عل استهلاك تلك المواد خاصة منها الفرينة والسميد والزيت النباتي والسكر، تم تحيين ومراجعة اعتمادات الدعم نحو الارتفاع في مشروع قانون المالية التكميلي لسنة 2020 من خلال تخصيص 3.53 مليار دينار، ما يمثل زيادة بنسبة تقارب 100 بالمائة عن الميزانية الأولية المرصودة.  

المثير للانتباه، أن دعم المحروقات شهد هو نفسه تحيينا في الاعتمادات لترتفع من 1.880 مليار دينار في قانون المالية الأصلي لسنة 2020، إلى 2.286 مليار دينار في مشروع قانون المالية التكميلي لنفس السنة. لكن هذا الرقم ينخفض بالنسبة لما ورد بمشروع قانون المالية لسنة 2021، بنسبة كبيرة جدا على اعتبار أن الاعتمادات الدعم المرصودة بعنوان المحروقات تنخفض إلى 401 مليون دينار فقط. علما أن نسبة كبيرة من الدعم موجة إلى الغاز المنزلي ووقود السيارات (بنزين، مازوط) وأيضا في مجال الطاقة المنتجة للكهرباء. علما أن مخصصات الدعم لقطاع النقل شهدت ارتفاعا بسيطا من 500 مليون دينار لسنة 2020 إلى 600 مليون دينار لسنة

2021.

 

ملف ثقيل ومعقد

مهما يكن من أمر، فإن ملف منظومة الدعم يظل من بين الملفات الثقيلة والمعقّدة، التي عجزت جل الحكومات المتعاقبة منذ الثورة على حلّه. وباستثناء مبادرات محتشمة قامت بها بعض الحكومات مثل حكومة يوسف الشاهد حين شكلت لجنة إصلاح فنية صلب وزارة التجارة توصلت إلى إعداد دراسة شاملة تهدف إلى ترشد منظومة الدعم بتوجيهيها نحو مستقدحيها، وذلك عبر آلية الدعم المالي المباشر عوضا عن الدعم غير المباشر، مقابل رفع الدعم تدريجيا عن المواد الأساسية واقرار أسعار حقيقية مطابقة لأسعار السوق وقانون العرض والطلب.  

لكن هذه الدراسة - على أهميتها-  ظلت حبيسة الرفوف على اعتبار أن نجاحها مرتبط أولا بصدور قرار سياسي طال انتظاره، وثانيا، باستكمال تركيز تطبيقات إعلامية ومنصات جديدة مثل منصة العائلات المعوزة والفقيرة، ومنصة المعرف الوحيد وذلك بهدف حصر الفئات التي ستواصل الاستفادة من الدعم ومن خلال وضع تطبيقة متكاملة لتوزيع نسب الدعم المقررة على جل العائلات التونسية وفقا لمستوى دخلها المادي الشهري وعدد الأبناء.

وكانت حكومة الفخفاخ السابقة، قاب قوسين من استكمال ما بدأته حكومة الشاهد قبل سنتين، في إصلاح منظومة الدعم. حين كشف وزير التجارة السابق محمد المسلميني أمام إحدى اللجان البرلمانية، عن وجود نية لدى الحكومة (السابقة)  في الشروع تدريجيا في طرح الحلول التقنية والفنية حول كيفية توجيه الدعم لمستحقيه وإصلاح المنظومة.

وكانت تفاصيل مقترحات الإصلاح وخلاصة أعمال اللجنة التي بعثت منذ مارس 2018 محل متابعة في مقالات سابقة نشرت بـ»الصباح» كشفت فيه عمّا تم التوصل إليه من توصيات وحلول لعملية للانتقال إلى نظام التحويلات المالية وطريقة احتسابها.

 

منظومة مختلة وبؤر فساد

تتكبد الدولة سنويا خسائر باهظة بسبب ارتفاع كلفة الدعم سنويا بسبب ارتفاع الأسعار على المستوى العالمي وانهيار الدينار أمام العملات الرئيسية وارتفاع تكلفة إنتاج المواد المدعمة مثل المواد الأساسية ( حبوب، حليب، خبز، سكر، زيت نباتي..) من جهة، مقابل رفض ضمني من قبل المؤسسات المشتغلة في حقل منظومة الدعم (معلبي الزيت، معلبي الغاز المنزلي، المخابز..) ورفض قطعي مبدئي لاتحاد الشغل للمساس بالمنظومة أو إلغائها أو التفكير في الترفيع في أسعار المواد الأساسية المدعمة دون تفكير في اثر ذلك الكارثي على العائلات الفقيرة والمعوزة، من جهة أخرى.

 وتشير الدراسات الميدانية المتوفرة أن منظومة الدعم يستفيد منها فقط نسبة قدرها البعض بـ 30 بالمائة من الفئات الاجتماعية المستحقة، وربما أقل من ذلك، مع وجود فساد خطير بات ينخر القطاع في السنوات الأخيرة بعد اكتشاف شبكات واسعة من بارونات وعصابات تهريب واحتكار وتخزين، تستفيد من الدعم لتوجيهه لغايات تجارية وربحية، مثل إعادة تصديرهــا إلى دول مجــاورة ( ليبيا والجزائر) أو إعادة توزيعها في السوق المحلية بأسعار أخرى، محققة أرباحا خيالية على حساب الفئات الفقيرة المحتاجة للدعم، وعلى حساب الدولة التي تخسر سنويا مئات المليارات جراء سوء التصرف وضعف مراقبة القطاع..

من ذلك أنّ الزيت النباتي المدعّم يصعب الحصول عليه وهو شبه مفقود في الأسواق تتكبد الدولة سنويا مئات المليارات لتوريده «صبّة» قبل تعليبه وتخزينه من قبل شركات تعبئة ثم يتم توزيعه عبر مسالك التجارة القانونية.  لكن في السنوات الأخيرة ظهرت شبكات مختصة في «تهريب» الزيت المدعم وإعادة بيعه بأسعار غير قانونية لفائدة أصحاب المطاعم والنزل ومصنعي الحلويات. وازدادت ظاهرة التلاعب بالمواد الأساسية بروزا خاصة في فترة الحجر الصحي الشامل، حين تعمّد بعض الموزعين تخزين مادتي السميد والفارينة واحتكارها والتلاعب بأسعارها.

وتقدر الاستعمالات غير المرخصة للمواد المدعمة الأساسية بـ 350 م.د في السنة (التهريب، استغلال الدّعم بشكل غير ملائم، الاستعمال غير القانوني من قبل المهنيين..)

 

رفيق بن عبد الله  

 

إضافة تعليق جديد