الزيارات الفجئية تجاوزتها الأحداث - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الثلاثاء 20 أكتوبر 2020

تابعونا على

Oct.
21
2020

الزيارات الفجئية تجاوزتها الأحداث

السبت 17 أكتوبر 2020
نسخة للطباعة

 

إن‭ ‬الزيارات‭ ‬الفجئية‭ ‬وتغيير‭ ‬مسارات‭ ‬الزيارات‭ ‬الرسمية،‭ ‬أسلوب‭ ‬قديم‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬يعتمد‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الديكتاتورية،‭ ‬والهدف‭ ‬منه‭ ‬هو‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬‮«‬تلبّس‮»‬‭ ‬بالتملص‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬السياق‭ ‬يسمح‭ ‬بذلك،‭ ‬لأن‭ ‬النظام‭ ‬الديكتاتوري‭ ‬كان‭ ‬يضع‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬واحدة‭ ‬ويسلط‭ ‬عليهم‭ ‬رقابة‭ ‬مشددة،‭ ‬وجميعهم‭ ‬محل‭ ‬شك،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬المفروض‭  ‬تكون‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تماما،‭ ‬أي‭ ‬انها‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬المتبادلة‭. ‬

وبما‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬أصبحت‭ ‬دولة‭ ‬ديمقراطية،‭ ‬أو‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬كذلك‭ ‬بعد‭ ‬أحداث‭ ‬14‭ ‬جانفي‭ ‬التي‭ ‬نتج‭ ‬عنها‭ ‬إسقاط‭ ‬الديكتاتورية،‭ ‬فإنه‭ ‬يصبح‭ ‬لا‭ ‬معنى‭ ‬للزيارات‭ ‬الفجئية‭ ‬وللزيارات‭ ‬الليلية،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬قد‭ ‬تجاوزته‭ ‬الأحداث‭ ‬وذلك‭ ‬لهذين‭ ‬السببين‭. ‬

أولا،‭ ‬إن‭ ‬الزيارات‭ ‬الفجئية‭ ‬كانت‭  ‬أسلوبا‭ ‬دعائيا‭ ‬بحتا،‭ ‬وكانت‭ ‬السلطة‭ ‬أو‭ ‬الديكتاتورية‭ ‬تريد‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬توجيه‭ ‬رسائل‭  ‬إلى‭ ‬الشعب‭ ‬تفيد‭ ‬بأن‭ ‬قائد‭ ‬الدولة‭ ‬الأوحد،‭  ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تأهب‭ ‬دائم‭ ‬وفي‭ ‬حالة‭ ‬استعداد‭ ‬للتصرف‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬يفترضه‭ ‬موقعه‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬مسؤول‭ ‬يخل‭ ‬بمسؤولياته،‭ ‬وكذلك‭ ‬إلى‭ ‬المسؤولين،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يطمئنوا‭ ‬ابدا‭ ‬للمنصب‭. ‬فيظلوا‭ ‬هم‭ ‬بدورهم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تأهب‭ ‬دائم‭ ‬وفي‭ ‬حالة‭ ‬خوف‭ ‬من‭ ‬فقدان‭ ‬المنصب‭ ‬والمكاسب‭ ‬المتأتية‭ ‬منه‭. ‬

ثانيا،‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬المناصب‭ ‬تمنح‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الديكتاتورية‭ ‬بالولاءات‭ ‬والمحاباة‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬مناصب‭ ‬تهدى،‭ ‬فإنها،‭ ‬لا‭ ‬تمنح،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬المفروض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الأمر‭ ‬كذلك،‭ ‬إلا‭ ‬لمن‭ ‬يستحقها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العهد‭ ‬الديمقراطي‭ ‬السعيد‭. ‬وبالتالي،‭    ‬لا‭ ‬ينال‭ ‬منصبا‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬وفي‭ ‬الإدارة،‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يتمتع‭ ‬بالكفاءة‭ ‬والجدارة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الصفات‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتوفر‭ ‬في‭ ‬الشخصية‭ ‬المناسبة‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬المناسب‭. ‬

صحيح،‭ ‬إن‭ ‬المحاسبة‭ ‬وحتى‭ ‬الرقابة‭ ‬مطلوبة،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬منح‭ ‬المسؤولين‭ ‬حرية‭ ‬مطلقة،‭ ‬لكن‭ ‬اسلوب‭ ‬المحاسبة‭ ‬يختلف‭ ‬بين‭ ‬نظام‭ ‬ديمقراطي‭ ‬ونظام‭ ‬ديكتاتوري‭. ‬فإن‭ ‬كان‭ ‬العزل‭ ‬هو‭ ‬آلية‭  ‬أساسية‭ ‬ويدخل‭ ‬ضمن‭ ‬صلاحيات‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬الدولة،‭ ‬فإن‭ ‬الطريقة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬وذاك‭. ‬فالمحاسبة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الديمقراطي‭ ‬تتم‭ ‬وفق‭ ‬النتائج،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الديكتاتوري‭ ‬فهي‭  ‬مرتبطة‭ ‬بالأهواء‭ ‬والأمزجة‭ ‬وأشياء‭ ‬اخرى‭ ‬معروفة‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬نكون‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬استعراضها‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحيز‭. ‬

ولنا‭  ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التمسك‭ ‬بالزيارات‭ ‬الفجئية‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬مستوى‭  ‬الوزراء‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬بالإدارات‭ ‬التابعة‭ ‬لوزاراتهم،‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬يؤكد‭  ‬وجود‭ ‬مفارقة‭  ‬عجيبة‭. ‬فبقدر‭ ‬ما‭ ‬يصر‭ ‬المسؤولون‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬بداية‭ ‬بمن‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬هرم‭ ‬السلطة‭ ‬وصولا‭  ‬إلى‭ ‬أصغر‭ ‬مسؤول‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الإدارة،‭ ‬على‭ ‬أنهم‭ ‬نتاج‭ ‬الثورة‭ ‬وأنهم‭  ‬من‭ ‬أبنائها‭ ‬وكثيرون‭ ‬منهم‭ ‬ما‭ ‬كانوا‭ ‬ليحلموا،‭ ‬حتى‭ ‬مجرد‭ ‬الحلم‭ ‬بالوصول‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬قبل‭ ‬2011،‭ ‬فإن‭ ‬أغلبهم‭ ‬يتمسك‭ ‬بالأسلوب‭ ‬القديم‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬وفي‭ ‬التسيير‭. ‬

فلا‭ ‬تجديد‭ ‬ولا‭ ‬تغيير‭ ‬يذكر‭ ‬والعقلية‭ ‬تقريبا‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬وهي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الترصد‭ ‬وعلى‭  ‬تصيّد‭ ‬الأخطاء،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬المفروض‭ ‬أن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬التضامن‭ ‬بين‭  ‬الفريق‭ ‬الواحد‭ ‬وعلى‭ ‬تقاسم‭ ‬النجاح‭ ‬وعلى‭ ‬تقاسم‭ ‬المسؤولية‭  ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬قوانين‭ ‬اللعبة‭ ‬واضحة‭. ‬

وقد‭ ‬وجب‭ ‬لفت‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬وفي‭ ‬إدارة‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬قد‭ ‬اثبت‭ ‬فشله‭. ‬فالمسؤول‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬المركزي‭ ‬أو‭ ‬الجهوي‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬المحلي‭  ‬يحتاج‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬أنه‭ ‬جزء‭ ‬من‭  ‬فريق‭ ‬عمل‭ ‬وأن‭ ‬يحظى‭ ‬بحد‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬الثقة‭. ‬وهي‭ ‬ثقة‭ ‬مفقودة‭ ‬حاليا،‭ ‬مما‭ ‬انجر‭ ‬عنه‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات‭ ‬تقريبا‭. ‬والنتائج‭ ‬واضحة،‭ ‬فقلة‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬نجحوا‭ ‬في‭ ‬مهامهم‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬اليوم‭ ‬وخسرت‭ ‬البلاد‭ ‬جراء‭ ‬ذلك‭ ‬الكثير‭. 

وبطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬فوق‭ ‬المحاسبة‭ ‬أوفوق‭ ‬المساءلة،‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬التحفيز‭ ‬وتشجيع‭ ‬العمل‭ ‬وبين‭ ‬الضغط‭ ‬والهرسلة‭. ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬وللأسف‭ ‬لا‭ ‬نصر‭ ‬على‭ ‬الأساليب‭ ‬البالية‭ ‬في‭ ‬ادارة‭ ‬الامور،‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬نتباهى‭ ‬بها‭ ‬ونشهرها‭ ‬أمام‭ ‬الملأ،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الأساليب‭ ‬التي‭ ‬تجاوزتها‭ ‬الأحداث،‭ ‬تأتي‭ ‬الزيارات‭ ‬الفجئية،‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬القائمة‭. ‬

 

◗‭ ‬حياة‭  ‬السايب

إضافة تعليق جديد