الرسام حمدة دنيدن و«قصة حياة» في معرضه الأخير برواق كالستي - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الاثنين 26 أكتوبر 2020

تابعونا على

Oct.
27
2020

الرسام حمدة دنيدن و«قصة حياة» في معرضه الأخير برواق كالستي

الجمعة 16 أكتوبر 2020
نسخة للطباعة
بقلم: منصف نوار

تمتدّ‭ ‬تجربة‭ ‬الرسام‭ ‬حمدة‭ ‬دنيدن‭ ‬التشكيليّة‭ ‬على‭ ‬عدّة‭ ‬عقود‭ ‬خلت‭ , ‬تبلور‭ ‬خلالها‭ ‬أسلوبه‭ ‬التشكيلي‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬التفرّد‭ ‬والتميّز‭ ‬لتأسيس‭ ‬كيان‭ ‬مُستقلّ‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬تشكيليّة‭ ‬اختلط‭ ‬فيها‭ ‬الغثّ‭ ‬بالسّمين‭ ‬والإبداع‭ ‬بالرداءة‭ ‬والأصالة‭ ‬بالزيف‭ ‬والصدّق‭ ‬بالتصنّع‭ ‬والوصوليّة‭ ‬والتزلّف‭ ...‬

ولئن‭ ‬كتبتُ‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬معرض‭ ‬حمدة‭ ‬دنيدن‭ ‬الأخير‭ ‬فلأنّه‭ ‬ما‭ ‬انقطع‭ ‬عن‭ ‬الرسم‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬بعيد‭ ‬ولأنّ‭ ‬أسلوبه‭ ‬التشكيلي‭ ‬ما‭ ‬فتئ‭ ‬يتطوّر‭ ‬تدريجيّا‭ ‬من‭ ‬عفويّة‭ ‬خالصة‭ ‬الى‭ ‬بحث‭ ‬أكثر‭ ‬عُمقا‭ ‬وتجديدا‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬مختلف‭ ‬فكريّة‭ ‬و‭ ‬تقنيّة‭ ‬ومهاريّة‭.. ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬بغريب‭ ‬على‭ ‬رسام‭ ‬سيدي‭ ‬بوسعيد‭ ‬الذّي‭ ‬سكنتهُ‭ ‬لغة‭ ‬اللّون‭ ‬والشكل‭ ‬والخطّ‭ ‬والتركيبة‭ ‬والتقنية‭ ‬المختلطة‭ ‬التّي‭ ‬صار‭ ‬يفكّر‭ ‬عبرها‭ ‬وبها‭ ‬تشكيليّا‭.‬

يضمّ‭ ‬المعرض‭ ‬أربعة‭ ‬وثلاثين‭ ‬عملا‭ ‬تشكيليّا‭ ‬من‭ ‬أحجام‭ ‬مختلفة‭ ‬ومواضيع‭ ‬متنوّعة‭ ‬وتقنية‭ ‬موحّدة‭ ‬والتقنية‭ ‬المختلطة‭. ‬وما‭ ‬شدّ‭ ‬انتباهي‭ ‬حقّا‭ ‬هو‭ ‬أهميّة‭ ‬المواضيع‭ ‬التّي‭ ‬تناولها‭ ‬الرسام‭ ‬نذكر‭ ‬منها‭ ‬لوحة‭ ‬سفينة‭ ‬نوح‭ ‬ولوحة‭ ‬فوضى‭ ‬ولوحات‭ ‬أخرى‭ ‬تحتوي‭ ‬رسوم‭ ‬نسائيّة‭. ‬هذا‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬رسوم‭ ‬للطبيعة‭ ‬الجامدة‭ ‬التّي‭ ‬لا‭ ‬تقلّ‭ ‬قيمة‭ ‬جماليّة‭ ‬وتقنيّة‭ ‬عن‭ ‬الأعمال‭ ‬الأخرى‭.‬

تميّزت‭ ‬رسومات‭ ‬دنيدن‭ ‬بطرافة‭ ‬التكوين‭ ‬ووفرة‭ ‬الأشكال‭ ‬المتداخلة‭ ‬والمُتنوّعة‭ ‬و‭ ‬المُتراصة‭ ‬لتجعل‭ ‬أغلب‭ ‬مساحة‭ ‬اللّوحات‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬وديناميّكيّة‭ ‬مسترسلة‭ ‬بل‭ ‬وفى‭ ‬حالة‭ ‬فوضى‭ ‬تعكسُ‭ ‬حركة‭ ‬الزمن‭ ‬المجتمعي‭ ‬وضجيج‭ ‬الحياة‭ ‬اليوميّة‭ ‬بين‭ ‬تجاذب‭ ‬وصراع‭ ‬وتصادم‭ ‬واحتدام‭ ‬نجح‭ ‬الرسام‭ ‬في‭ ‬صياغتها‭ ‬فنيّا‭ ‬وجماليّا‭.‬

فجلّ‭ ‬التكوينات‭ ‬الفنيّة‭ ‬رغم‭ ‬وفرة‭ ‬الأشكال‭ ‬وتنوّعها‭ ‬لا‭ ‬توقعُ‭ ‬عين‭ ‬المُشاهد‭ ‬في‭ ‬الزّخم‭ ‬والانسداد‭ ‬البصري‭ ‬ولا‭ ‬تحجُب‭ ‬ألرؤيا‭, ‬فهي‭ ‬في‭ ‬توازن‭ ‬وانسجام‭ ‬وشفافيّة‭ ‬تسمحُ‭ ‬للفضاء‭ ‬التشكيليّ‭ ‬بأن‭ ‬يتجادلُ‭ ‬فيه‭ ‬الباطن‭ ‬بالظاهر‭ ‬والعمق‭ ‬بالسطح‭ ‬والخفيّ‭ ‬بالظاهر‭.. ‬التقنية‭ ‬المختلطة‭ ‬عند‭ ‬حمدة‭ ‬دنيدن‭ ‬تصنعُ‭ ‬أدَمَة‭ ‬للوحة‭ ‬وأديمُها‭. ‬وفي‭ ‬أديم‭ ‬اللوحة‭ ‬ينبُتُ‭ ‬المعنى‭ ‬وتُورقُ‭ ‬المفاهيم‭ ‬والدلالات‭. ‬في‭ ‬لوحة‭ ‬‮«‬سفينة‭ ‬نوح‮»‬‭ ‬يبدو‭ ‬فضاء‭ ‬اللوّحة‭ ‬مُكتظّا‭ ‬ومُحتدما‭ ‬بالكائنات‭ ‬العجائبيّة‭ ‬التّي‭ ‬لا‭ ‬تبُوح‭ ‬عن‭ ‬كنهها‭ ‬وهويّتها‭ ‬مُباشرة‭. ‬فضاءٌ‭ ‬لوُجودٌ‭ ‬يحملُ‭ ‬المُتناقضات‭ ‬شكلا‭ ‬ومعنى‭ ‬يفترسُ‭ ‬فيه‭ ‬القويّ‭ ‬الضّعيف‭ ‬ويصطدمُ‭ ‬فيه‭ ‬الصّادقُ‭ ‬بالخبيث‭ ‬والنّبيل‭ ‬بالوقح‭ ‬والجاهل‭ ‬بالعالم‭ ‬والقبيح‭ ‬بالجميل‭.. ‬سؤال‭ ‬الوجود‭ ‬الأوّل‭ ‬وحقيقة‭ ‬الصراع‭ ‬الأزلي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬البقاء‭. ‬ذكرى‭ ‬الطوفان‭ ‬المُتلاشية‭ ‬في‭ ‬القدم‭ ‬وأغوار‭ ‬الذاكرة‭ ‬التّي‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬منها‭ ‬سوى‭ ‬هيئات‭ ‬وخيالات‭ ‬مُبهمة‭ ‬تتكتّم‭ ‬عن‭ ‬لغز‭ ‬وجودها‭ ‬الأبدي‭.‬

أمّا‭ ‬لوحة‭ ‬‮«‬فوضى‮»‬‭ ‬فتُوحي‭ ‬بالسوق‭ ‬الأسبوعيّة‭ ‬وكثافة‭ ‬المارة‭ ‬والعربات‭ ‬التّي‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬اتجاه‭ ‬والعجلات‭ ‬المُلقاة‭ ‬والمُبعثرة‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬وعربات‭ ‬الباعة‭ ‬المتجوّلين‭ ‬والأدباش‭ ‬والأشياء‭ ‬المختلفة‭ ‬والمتنوّعة‭: ‬صخبٌ‭ , ‬ضجيجٌ‭ , ‬عراكٌ‭ ,‬فوضى‭ , ‬صراخ‭ ,‬إزدحامٌ‭ ...‬فالرسام‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الحركة‭ ‬وفي‭ ‬قلب‭ ‬الحياة‭ ‬اليوميّة‭, ‬فهو‭ ‬شاهد‭ ‬على‭ ‬عصره‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأعين‭ ‬التّي‭ ‬تطلّ‭ ‬من‭ ‬اللوحة‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬ترمقُ‭ ‬هذه‭ ‬السنفونيّة‭ ‬الصاخبة‭ ‬التّي‭ ‬ترجمها‭ ‬تشكيليّا‭ ‬وصارت‭ ‬مرئيّة‭, ‬وحافظ‭ ‬خلالها‭ ‬الرسام‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬إيقاعها‭ ‬اللاّ‭ ‬مُنتظم‭ ‬وحُسن‭ ‬توزيعه‭ ‬للطخات‭ ‬اللونيّة‭ ‬والخطوط‭ ‬الحركيّة‭ ‬والأشكال‭. ‬إذ‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬القبض‭ ‬تشكيليّا‭ ‬على‭ ‬اللحظات‭ ‬الفالتة‭ ‬والزئبقيّة‭ ‬المُحمّلة‭ ‬بالصوت‭ ‬والمعنى‭ ‬الجمالي‭ ‬الحيوي‭. ‬يكادُ‭ ‬الخطّ‭ ‬المنحني‭ ‬لا‭ ‬يُفارق‭ ‬الرسام‭ ‬البتّة‭ ‬في‭ ‬جلّ‭ ‬أعماله‭ ‬الفنيّة‭ ‬وتكويناته‭ ‬المختلفة‭. ‬الخطّ‭ ‬المنحني‭ ‬الأنثوي‭ ‬الحسّي‭ ‬الحركي‭ ‬والمُتموج‭ ‬خطّ‭ ‬أنثوي‭ ‬بامتياز‭ ‬وهو‭ ‬خطّ‭ ‬جسد‭ ‬المرأة‭ ‬اللاحمة‭, ‬كانت‭ ‬المرأة‭ ‬اللاحمة‭ ‬مقياس‭ ‬جمال‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬روبانس‭ (‬Rubens‭ ) ‬ورونبراندت‭ (‬Rembrandt‭) ‬بما‭ ‬يكتنزه‭ ‬جسدها‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬رخوة‭ ‬وأحجام‭ ‬مُمتلئة‭ ‬وكريمة‭ ‬تعبيرا‭ ‬على‭ ‬خصوبة‭ ‬وصحّة‭ ‬الجسد‭ ‬وعطائه‭ ‬الدائم‭ ‬للحياة‭ ‬واللذّة‭, ‬جسدٌ‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الهزال‭ ‬ولا‭ ‬المرض‭ ‬ولا‭ ‬الجوع‭ ‬ولا‭ ‬الضعف‭, ‬جسد‭ ‬مُكتنز‭ ‬يُجابه‭ ‬قسوة‭ ‬الزمن‭ ‬والحياة‭.‬

ورغم‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬جماليّة‭ ‬دفينة‭ ‬فإنّ‭ ‬الرسام‭ ‬يأبى‭ ‬أن‭ ‬يُعرّيه‭ ‬ويكشف‭ ‬مفاتنه‭ ‬للناظرين‭ ‬فهو‭ ‬يحتفظُ‭ ‬بعفّته‭ ‬ليبقيه‭ ‬بين‭ ‬النور‭ ‬والعتمة‭, ‬مفترق‭ ‬طرق‭ ‬تلتقي‭ ‬فيه‭ ‬وسطيّة‭ ‬الأحكام‭ ‬الأخلاقيّة‭ ‬والجماليّة‭ ‬والنقديّة‭ ‬والحسيّة‭ ‬أيضا‭. ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬الجسد‭ ‬العاري‭ ‬في‭ ‬لوحة‭ ‬‮«‬زُبيدة‮»‬‭ ‬ولا‭ ‬لوحة‭ ‬‮«‬نسوة‭ ‬أنا‭ ‬أحبّكنّ‮»‬‭ ‬ولا‭ ‬لوحة‭ ‬‮«‬بطبوطة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬لوحة‭ ‬‮«‬موديل‮»‬‭ ‬فكلّ‭ ‬نساء‭ ‬دنيدن‭ ‬اللاّحمات‭ ‬الممتلئات‭ ‬لحما‭ ‬وشحما‭ ‬لا‭ ‬يُظهرن‭ ‬من‭ ‬أجسادهنّ‭ ‬إلاّ‭ ‬القليل‭ ‬النادر‭ ‬وأغلبهنّ‭ ‬وحيدات‭ ‬وقلّما‭ ‬اجتمعنا‭ ‬في‭ ‬لوحة‭ ‬واحدة‭. ‬نساء‭ ‬دنيدن‭ ‬في‭ ‬أعماله‭ ‬التشكيليّة‭ ‬لا‭ ‬يشبهن‭ ‬نساء‭ ‬بوترو‭ ‬Botero‭ ‬السّمينات‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬ولا‭ ‬نساء‭ ‬بيكاسو‭ ‬الممتلئات‭ ‬ذوات‭ ‬الأحجام‭ ‬الاسطوانية‭ ‬المتناغمة‭, ‬فأغلب‭ ‬رسوم‭ ‬النساء‭ ‬عند‭ ‬دنيدن‭ ‬بدينات‭ ‬ومُتّزنات‭ ‬وهادئات‭ ‬كمرفأ‭ ‬للسّكون‭ ‬والسّكينة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬مُتشنّج‭ ‬وصاخب‭ ‬ومُحتدم‭.‬

قد‭ ‬يتأثّر‭ ‬الرسام‭ ‬ببعض‭ ‬المدارس‭ ‬الفنيّة‭ ‬أو‭ ‬الرسامين‭ ‬العالميّين‭ ‬ولكنّه‭ ‬بقي‭ ‬وفيّا‭ ‬لذاته‭ ‬ومُساويا‭ ‬لها‭, ‬دون‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬المحاكاة‭ ‬أو‭ ‬التزييف‭ ‬أو‭ ‬المُخاتلة‭, ‬فإنّ‭ ‬عالمه‭ ‬التشكيلي‭ ‬يتّصف‭ ‬بالتفرّد‭ ‬والحميميّة‭ ‬ومصداقيّة‭ ‬الممارسة‭ ‬التشكيليّة‭. ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تغيبُ‭ ‬فيه‭ ‬المرأة‭ ‬ولا‭ ‬المجتمع‭ ‬ولا‭ ‬بهاء‭ ‬مدينة‭ ‬سيدي‭ ‬بوسعيد‭ ‬بمعمارها‭ ‬المتواضع‭ ‬الجميل‭ ‬وبحرها‭ ‬الذّي‭ ‬يطلّ‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬تحت‭ ‬زرقة‭ ‬السماء‭ ‬وجبل‭ ‬بوقرنين‭ ‬الشامخ‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يؤكّد‭ ‬أصالة‭ ‬الممارسة‭ ‬التشكيليّة‭ ‬عند‭ ‬حمدة‭ ‬دنيدن‭ ‬وصيرورة‭ ‬بحثه‭ ‬الدّؤوب‭ ‬عن‭ ‬الجديد‭ ‬والهام‭.‬

‭ ‬‭(*)‬‭ ‬‭ ‬رسام‭ ‬وأستاذ‭ ‬جامعي‭ ‬باحث

إضافة تعليق جديد