في استراتيجية مقاومة الإرهاب - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 25 سبتمبر 2020

تابعونا على

Sep.
26
2020

في استراتيجية مقاومة الإرهاب

الثلاثاء 15 سبتمبر 2020
نسخة للطباعة
بقلم: زاهية جويرو

يتفق‭ ‬أغلب‭ ‬التونسيين‭ ‬المعتنين‭ ‬بالشأن‭ ‬العام‭ ‬والرافضين‭ ‬لظاهرة‭ ‬العنف‭ ‬والإرهاب،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬مرجعياتهم‭ ‬الفكرية‭ ‬والإيديولوجية،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬مقاومة‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬التي‭ ‬أنهكت‭ ‬الدولة‭ ‬التونسية‭ ‬وخلقت‭ ‬أسبابا‭ ‬للتناحر‭ ‬الداخلي‭ ‬وللعداء‭ ‬بين‭ ‬فئات‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬لم‭ ‬يعرفها‭ ‬التونسيون‭ ‬حتى‭ ‬خلال‭ ‬اشتداد‭ ‬سطوة‭ ‬استبداد‭ ‬الأنظمة‭ ‬السابقة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬المعالجة‭ ‬الأمنية‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬ضرورية،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يرفد‭ ‬العمل‭ ‬الأمني‭ ‬عمل‭ ‬فكري‭ ‬ثقافي‭ ‬يحصن‭ ‬العقول‭ ‬والوعي‭ ‬من‭ ‬جرثومة‭ ‬الفكر‭ ‬الإرهابي‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬تنخر‭ ‬عقول‭ ‬أعداد‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬فئات‭ ‬متنوعة‭ ‬اجتماعيا‭ ‬وعمريا‭. ‬فكيف‭ ‬نفهم‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق؟‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬تفعيله‭ ‬إجرائيا؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬الخطط‭ ‬الإستراتيجية‭ ‬الكفيلة‭ ‬بالقضاء‭ ‬على‭ ‬الإرهاب؟

إذا‭ ‬كان‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ ‬أبسط‭ ‬تعريفاته‭ ‬يفيد‭ ‬الاستخدام‭ ‬غير‭ ‬المشروع‭ ‬للعنف‭ ‬ووسائل‭ ‬القوّة‭ ‬وأدواتها‭ ‬بهدف‭ ‬تحقيق‭ ‬مصلحة‭ ‬تخص‭ ‬فاعله،‭ ‬فإن‭ ‬أول‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تطرح‭ ‬هي‭: ‬هل‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الاستخدام‭ ‬فردي؟‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬كذلك‭ ‬ما‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الإرهاب‭ ‬والجريمة؟‭  ‬وهل‭ ‬الإرهاب‭ ‬الذي‭ ‬تعاني‭ ‬منه‭ ‬تونس‭ ‬داخل‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬التعريف‭ ‬أم‭ ‬هو‭ ‬إرهاب‭ ‬أخطر‭ ‬لأنه‭ ‬منظم‭ ‬وسياسي‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬ويستهدف‭ ‬الدولة‭ ‬ذاتها؟

من‭ ‬الواضح‭ ‬إذا‭ ‬تتبعنا‭ ‬العمليات‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬حصلت‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬أن‭ ‬الاستخدام‭ ‬غير‭ ‬المشروع‭ ‬للعنف‭ ‬ووسائل‭ ‬القوة‭ ‬ومنها‭ ‬خاصة‭ ‬الأسلحة‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬فواعله‭ ‬الظاهرون‭ ‬أفرادا‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يتنزل‭ ‬ضمن‭ ‬إستراتيجية‭ ‬منظمة‭ ‬ذات‭ ‬أهداف‭ ‬سياسية‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬واضحا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المستهدفين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العمليات،‭ ‬وهم‭ ‬عامة‭ ‬رموز‭ ‬الدولة‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬والقطاعات‭ ‬التي‭ ‬ينهض‭ ‬عليها‭ ‬اقتصادها،‭ ‬وحتى‭ ‬استهداف‭ ‬شخصيات‭ ‬وطنية‭ ‬من‭ ‬أعلام‭ ‬السياسة‭ ‬فإنما‭ ‬يستهدفون‭ ‬بصفتهم‭ ‬تلك‭ ‬مما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬المستهدف‭ ‬الأبعد‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬تعرضوا‭ ‬لها‭ ‬هو‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬للدولة‭ ‬عبر‭ ‬خلق‭ ‬وضعية‭ ‬مناسبة‭ ‬للصراع‭ ‬والتناحر‭ ‬وحتى‭ ‬للفراغ‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬يسهل‭ ‬للإرهابيين‭ ‬تحصيل‭ ‬المنفعة‭ ‬المنشودة‭. ‬وإذا‭ ‬نظرنا‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬فواعل‭ ‬الإرهاب‭ ‬وخلفياتهم‭ ‬الإيديولوجية‭ ‬وجدنا‭ ‬قاسما‭ ‬مشتركا‭ ‬بينهم‭ ‬جميعا‭ ‬وهو‭ ‬اقتناعهم‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬يستهدفون‭ ‬رموزها‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬ومصالحها‭ ‬هي‭ ‬دولة‭ ‬‮«‬طاغوت‮»‬‭ ‬لأنها‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬قوانين‭ ‬وضعية‭ ‬وتعتمد‭ ‬على‭ ‬مؤسسات‭ ‬تحتكم‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬ديموقراطي،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬ثمة‭ ‬تستوجب‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬إسقاطها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬بديل،‭ ‬وهي،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬تدل‭ ‬عليه‭ ‬مرجعياتهم‭ ‬الفكرية‭ ‬والعقائدية،‭ ‬دولة‭ ‬الشريعة‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تحتكم‭ ‬إلى‭ ‬النظام‭ ‬الشرعي‭ ‬الذي‭ ‬تمثله‭ ‬دولة‭ ‬الخلافة‭. ‬

هذه‭ ‬المعطيات‭ ‬إذن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬استنتاج‭ ‬بديهي‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬تواجه‭ ‬إرهابا‭ ‬سياسيا‭ ‬منظما‭ ‬يستهدف‭ ‬الدولة‭ ‬ويرمي‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬سياسية‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬إقامة‭ ‬نظام‭ ‬بديل‭ ‬لنظام‭ ‬دولة‭ ‬القانون‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والديموقراطية،‭  ‬ولذلك‭ ‬نعتبر‭ ‬الصمت‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬وتجاهلها‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬الإرهاب‭ ‬وكأنه‭ ‬عمليات‭ ‬فردية‭ ‬معزولة‭ ‬لا‭ ‬يربط‭ ‬بينها‭ ‬رابط‭ ‬ولا‭ ‬تتنزل‭ ‬ضمن‭ ‬إستراتيجية‭ ‬منظمة‭ ‬ذات‭ ‬أهداف‭ ‬سياسية‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬وتقف‭ ‬وراءها‭ ‬تنظيمات‭ ‬سياسية‭ ‬تخطط‭ ‬وتوفر‭ ‬وسائل‭ ‬التنفيذ‭ ‬العنيفة‭ ‬وأدواته‭ ‬خطأ‭ ‬استراتيجيا‭ ‬لن‭ ‬يسمح‭ ‬لأي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬مقاومة‭ ‬الإرهاب‭ ‬بالقضاء‭ ‬عليه،‭ ‬هذا‭ ‬إذا‭ ‬أحسنا‭ ‬الظن‭ ‬واعتبرنا‭ ‬الأمر‭ ‬خطأ‭ ‬في‭ ‬التقدير،‭ ‬ولكن‭ ‬قد‭ ‬يجوز‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬نعتبر‭ ‬هذا‭ ‬التجاهل‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التآمر‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬المخطط‭ ‬الإرهابي‭ ‬يستوجب‭ ‬البحث‭ ‬كذلك‭ ‬عن‭ ‬المتورطين‭ ‬فيه‭ ‬وعمن‭ ‬يسهلون‭ ‬للإرهابيين‭ ‬تنفيذ‭ ‬إستراتيجيتهم‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬الدولة‭ ‬نفسها‭. ‬ومن‭ ‬ثمة‭ ‬تصير‭ ‬المعالجة‭ ‬الأمنية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬استهداف‭ ‬الفواعل‭ ‬الظاهريين‭ ‬والمنفذين‭ ‬وحدهم‭ ‬معالجة‭ ‬قاصرة‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬الغاية‭ ‬الأبعد‭ ‬وهي‭ ‬حماية‭ ‬الدولة‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬ونظامها‭ ‬ومصالحها‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬ذاته‭ ‬مصالح‭ ‬الشعب‭ ‬كله‭. ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬المعالجة‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬مجدية‭ ‬إلا‭ ‬متى‭ ‬حددت‭ ‬بكل‭ ‬وضوح‭ ‬وبالجرأة‭ ‬المطلوبة‭ ‬التنظيمات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬وراء‭ ‬الإرهابيين‭ ‬وتمدهم‭ ‬بالخطط‭ ‬والوسائل‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬التنفيذ‭  ‬والتي‭ ‬تتبنى‭ ‬الفكر‭ ‬نفسه‭ ‬والمشروع‭ ‬نفسه‭ ‬وتنظر‭ ‬له‭ ‬وتجند‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيقه‭ ‬شبكة‭ ‬واسعة‭ ‬يجتمع‭ ‬فيها‭ ‬المسجد‭ ‬والمدرسة‭ ‬‮«‬القرآنية‮»‬‭ ‬والجمعية‭ ‬‮«‬الخيرية‮»‬‭ ‬والجمعيات‭ ‬المتسترة‭ ‬بشعار‭ ‬دمقرطة‭ ‬الإسلام‭ ‬والعاملة‭ ‬على‭ ‬زرع‭ ‬الفكر‭ ‬نفسه‭ ‬والعقيدة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تحرك‭ ‬الإرهابي‭ ‬وتدفعه‭ ‬إلى‭ ‬تنفيذ‭ ‬ما‭ ‬جند‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تنفيذه‭.‬

أما‭ ‬الإستراتيجية‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭ ‬لمقاومة‭ ‬الإرهاب‭ ‬فهي‭ ‬إستراتيجية‭ ‬معرفية‭ ‬ثقافية‭ ‬وإعلامية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتضافر‭ ‬فيها‭ ‬المؤسسة‭ ‬التعليمية‭ ‬والثقافية‭ ‬والإعلامية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحصين‭ ‬العقول‭ ‬من‭ ‬التسرب‭ ‬الإرهابي‭ ‬الذي‭ ‬يستغل‭ ‬المكون‭ ‬العقائدي‭ ‬للشخصية‭ ‬التونسية‭ ‬بهدف‭ ‬تحويله‭ ‬عن‭ ‬طبيعته‭ ‬الإيمانية‭ ‬وحقنه‭ ‬بمضمون‭ ‬إيديولوجي‭ ‬يستمد‭ ‬عناصره‭ ‬من‭ ‬إيديولوجيا‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬التصدّي‭ ‬لمثل‭ ‬هذا‭ ‬المخطط‭ ‬يقتضي‭ ‬التفكير‭ ‬المعمق‭ ‬والتخطيط‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬لإصلاح‭ ‬تعليمي‭ ‬يشمل‭ ‬كل‭ ‬مراحل‭ ‬التعليم‭ ‬ويشارك‭ ‬فيه‭ ‬الخبراء‭ ‬المؤهلون‭ ‬لمثل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر،‭ ‬ولنا‭ ‬منهم‭ ‬كثيرون‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬إلا‭ ‬أنهم‭ ‬مغيبون،‭ ‬فإن‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬المتاحة‭ ‬حاليا‭ ‬هي‭ ‬توحيد‭ ‬التعليم‭ ‬ووضعه‭ ‬تحت‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة‭ ‬أساسا‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬البرامج‭ ‬التي‭ ‬تدرس‭ ‬ومنهجيات‭ ‬التدريس،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المدارس‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬منها‭ ‬خارج‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬وعلى‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة‭ ‬أيضا‭ ‬وتفرض‭ ‬على‭ ‬مرتاديها‭ ‬برامج‭ ‬ومنهجيات‭ ‬ونظاما‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬تضبطه‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬المؤهلة‭ ‬لذلك‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬مراقبة‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬انتصبت‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬المدارس‭ ‬القرآنية‭ ‬وتعليم‭ ‬الشريعة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬للمجتمع‭ ‬معرفة‭ ‬دقيقة‭ ‬وصحيحة‭ ‬بمن‭ ‬يقف‭ ‬وراءها‭ ‬ولا‭ ‬بما‭ ‬يرمى‭ ‬إليه‭ ‬حقا‭ ‬مما‭ ‬يدرس‭ ‬فيها‭  ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬منها‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬أوكار‭ ‬حاضنة‭ ‬للفكر‭ ‬العنيف‭ ‬المؤهل‭ ‬لصناعة‭ ‬الإرهاب‭. ‬

وإذا‭ ‬كنا‭ ‬نؤمن‭ ‬بأن‭ ‬المدرسة‭ ‬هي‭ ‬صانعة‭ ‬العقول‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬العقول‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬ما‭ ‬تتلقاه‭ ‬من‭ ‬معارف‭ ‬ومن‭ ‬كيفيات‭ ‬التعليم‭ ‬ومنهجياته،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬المدرسة‭ ‬الوطنية‭ ‬العمومية‭ ‬التونسية‭ ‬المؤهلة‭ ‬لبناء‭ ‬العقول‭ ‬المنفتحة‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬الحديثة‭ ‬وعلى‭ ‬منهجيات‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬المستقل‭ ‬ولبناء‭ ‬الشخصية‭ ‬المتوازنة‭ ‬والعقلانية‭ ‬لن‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬هدفها‭ ‬هذا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬مؤسسات‭ ‬أخرى‭ ‬تهدم‭ ‬ما‭ ‬تبنيه‭ ‬المدرسة‭ ‬،‭ ‬وهنا‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسة‭ ‬الإعلامية‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مكملا‭ ‬للمدرسة‭ ‬في‭ ‬تثبيت‭ ‬الوعي‭ ‬المواطني‭ ‬المدني،‭ ‬ولكن‭ ‬يسهل‭ ‬للملاحظ‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬بالفعل‭ ‬مؤسسات‭ ‬إعلامية‭ ‬تعمل،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تقصد‭ ‬ذلك‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تقصده،‭ ‬على‭ ‬هدم‭ ‬ما‭ ‬تبنيه‭ ‬المدرسة‭ ‬إما‭ ‬بما‭ ‬تبثه‭ ‬من‭ ‬برامج‭ ‬لا‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬مضمونها‭ ‬وفي‭ ‬أسلوبها‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬التلقين‭ ‬وعلى‭ ‬الترغيب‭ ‬والترهيب‭ ‬عن‭ ‬مضمون‭ ‬الفكر‭ ‬المتطرف‭ ‬والمنغلق‭ ‬الباني‭ ‬للعقل‭ ‬الإرهابي،‭ ‬أو‭ ‬ببرامجها‭ ‬المغرقة‭ ‬في‭ ‬التفاهة‭ ‬وفي‭ ‬التسطيح‭ ‬وفي‭ ‬خلق‭ ‬أنماط‭ ‬سلوكية‭ ‬جامعة‭ ‬بين‭ ‬أسوأ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الليبرالية‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬وأسوأ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬معتقدات‭ ‬خرافية‭ ‬وشعوذة‭  

إننا‭ ‬نحتاج‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الفكر‭ ‬المتطرف‭ ‬والعنيف‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬وطنية‭ ‬عقلانية‭ ‬متنورة‭ ‬ومنفتحة‭ ‬على‭ ‬المعارف‭ ‬الإنسانية‭ ‬الحديثة،‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬العمل‭ ‬والجدّ‭ ‬والانضباط‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬ثقافة‭ ‬التسيب‭ ‬والكسل‭ ‬واللامبالاة‭ ‬بالأهداف‭ ‬الوطنية‭ ‬وتقديم‭ ‬المصلحة‭ ‬الفردية‭ ‬على‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة،‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬مواطنية‭ ‬مدنية‭ ‬تزرع‭ ‬الوعي‭ ‬بأن‭ ‬مصلحة‭ ‬الفرد‭ ‬المشروعة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬العامة‭ ‬وفي‭ ‬صلبها،‭ ‬وهذا‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬ممكنا‭ ‬في‭ ‬نظرنا‭ ‬إلا‭ ‬بإستراتيجية‭ ‬ثابتة‭ ‬وعلمية‭ ‬ومخطط‭ ‬لها‭ ‬تخطيطا‭ ‬جيدا‭ ‬تتضافر‭ ‬فيها‭ ‬وتلتقي‭ ‬حولها‭ ‬المؤسسة‭ ‬التعليمية‭ ‬والثقافية‭ ‬والإعلامية‭.‬

‭(*) ‬أكاديمة‭ ‬وباحثة‭ ‬تونسية‭ ‬

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد