دستور 2014 وقع عجنه بمكوّنات غريبة لا تتفاعل كيميائيا فيما بينها، فظهرت مفاسده، في جوانبه وبين فواصله - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 25 سبتمبر 2020

تابعونا على

Sep.
26
2020

د.سامي الجلولي المستشار الدولي في الأنظمة السياسية لـ«الصباح»:

دستور 2014 وقع عجنه بمكوّنات غريبة لا تتفاعل كيميائيا فيما بينها، فظهرت مفاسده، في جوانبه وبين فواصله

الثلاثاء 15 سبتمبر 2020
نسخة للطباعة
◄ اقتصادنا مكبّل بقوانين متخلفة.. والعالم مر نحو الاستخبارات الاقتصادية

حكومة‭ ‬جديدة‭ ‬انطلقت‭ ‬في‭ ‬عملها‭ ‬منذ‭ ‬أيام‭ ‬لتمسك‭ ‬بملفات‭ ‬عديدة‭ ‬متشعبة‭ ‬وسط‭ ‬أجواء‭ ‬ومناخ‭ ‬سياسي‭ ‬متعفن‭ ‬ووسط‭ ‬وضع‭ ‬اقتصادي‭ ‬صعب‭ ‬يوشك‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬كارثيا‭. ‬ونحن‭ ‬على‭ ‬أعتاب‭ ‬10‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الثورة،‭ ‬تراجعت‭ ‬كل‭ ‬المؤشرات‭ ‬لتشهد‭ ‬تونس‭ ‬وضعا‭ ‬سياسيا‭ ‬كله‭ ‬احتقان‭ ‬يتوفر‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬إلا‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬بمفهومه‭ ‬المتعارف‭ ‬عليه‭.. ‬كما‭ ‬شهد‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬انهيارا‭ ‬كبيرا‭ ‬أوصل‭ ‬البلاد‭ ‬إلى‭ ‬عتبة‭ ‬الإفلاس‭ ‬بعد‭ ‬بلوغ‭ ‬نسبة‭ ‬التداين‭ ‬العمومي‭ ‬مستويات‭ ‬قصوى‭.. ‬وعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬سجلت‭ ‬البلاد‭ ‬تراجعا‭ ‬كبيرا‭ ‬لتزداد‭ ‬نسب‭ ‬الفقر‭ ‬والبطالة‭ ‬والجريمة‭..‬

حول‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬وما‭ ‬تعيشه‭ ‬البلاد‭ ‬كان‭ ‬لـ«الصباح‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬مع‭ ‬سامي‭ ‬الجلولي‭ ‬المستشار‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬الأنظمة‭ ‬السياسية‭ ‬ومدير‭ ‬مؤسس‭ ‬شركة‭ ‬STRATEGE CONSULTING‭ ‬في‭ ‬جينيف‭ ‬المختصة‭ ‬في‭ ‬البحوث‭ ‬والدراسات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭.‬

 

حاوره‭: ‬سفيان‭ ‬رجب

‭* ‬ماهي‭ ‬قراءتكم‭ ‬للوضع‭ ‬الحالي‭ ‬عموما‭ ‬وبعد‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬المشيشي‭ ‬خصوصا؟

لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬الآن‭ ‬عن‭ ‬برنامج‭ ‬حكومي‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬عدم‭ ‬استقرار‭ ‬سياسي‭ ‬وفي‭ ‬خضمّ‭ ‬مخلّفات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬صعبة‭. ‬خطاب‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الثقة‭ ‬كان‭ ‬بنفس‭ ‬وتيرة‭ ‬حديث‭ ‬الحكومات‭ ‬السابقة‭. ‬أراه‭ ‬مبعثا‭ ‬للقلق‭ ‬والحيرة،‭ ‬ورد‭ ‬عامّا‭ ‬ومقتضبا‭. ‬نحن‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬حكومة‭ ‬مبادرات‭ ‬وإنجازات‭ ‬لا‭ ‬لحكومة‭ ‬ترقيع،‭ ‬مهمتها‭ ‬سد‭ ‬الثغرات‭.‬

في‭ ‬تونس‭ ‬لنا‭ ‬قرابة‭ ‬218‭ ‬حزبا‭ ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬لدينا‭ ‬أحزاب‭ ‬بالمفهوم‭ ‬العلمي،‭ ‬الفعلي‭ ‬والقيمي؟‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬ذلك،‭ ‬فهي‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬ماكينة‮»‬‭ ‬انتخابية‭ ‬وإعلامية‭. ‬في‭ ‬جل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬تستأنس‭ ‬الأحزاب‭ ‬بمفكريها‭ ‬وبباحثيها‭. ‬أين‭ ‬هم‭ ‬مفكرو‭ ‬وباحثو‭ ‬الأحزاب‭ ‬في‭ ‬تونس؟‭ ‬بل‭ ‬دلّنا‭ ‬على‭ ‬حزب‭ ‬واحد‭ ‬ينشر‭ ‬دراساته‭ ‬وبحوثه‭ ‬إن‭ ‬وجدت‭ ‬للعلن؟‭ ‬هل‭ ‬لدى‭ ‬هذه‭ ‬الأحزاب‭ ‬مفكرون‭ ‬وصنّاع‭ ‬رأي؟‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تدوينات‭ ‬الذباب‭ ‬الإلكتروني‭ ‬التخوينية‭ ‬والتكفيرية‭ ‬والاقصائية،‭ ‬الخالية‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬رؤية‭ ‬وفكر،‭ ‬نكاد‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬شيئا‭. ‬من‭ ‬أبجديات‭ ‬الأحزاب‭ ‬قيامها‭ ‬على‭ ‬فلسفة‭ ‬حكم‭ ‬معينة‭ ‬وعلى‭ ‬رؤية‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وثقافية‭ ‬محددة‭.‬الأحزاب‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬تفتقد‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬المناهج‭. ‬بحثت‭ ‬مثلا‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بل‭ ‬والسياسي‭ ‬لبعض‭ ‬الأحزاب‭ ‬المتصدرة‭ ‬للمشهد‭ ‬فلم‭ ‬أعثر‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬ذي‭ ‬قيمة،‭ ‬فقط‭ ‬مجرد‭ ‬تدوينات‭ ‬وجدانية‭ ‬وسطحية‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭.‬

قد‭ ‬أكون‭ ‬ربما‭ ‬مقصّرا‭ ‬في‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬فكرهم‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الأحزاب‭ ‬مقصّرة‭ ‬في‭ ‬التعريف‭ ‬بهم،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬حقيقة‭ ‬كفاءات‭ ‬ومفكرين‭ ‬واستراتيجيين‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬الأحزاب‭ ‬التونسية‭ ‬بل‭ ‬أقدّر‭ ‬أن‭ ‬المفكرين‭ ‬والاستراتيجيين‭ ‬الفعليّين‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬بقوا‭ ‬خارج‭ ‬الانتماءات‭ ‬الحزبية‭.‬

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الآن‭ ‬يظهر‭ ‬أداء‭ ‬الرئيس‭ ‬ضعيفا‭. ‬بل‭ ‬مختزلا‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬الشكوى‭ ‬والتهديد‭. ‬يظهر‭ ‬كرئيس‭ ‬معارض‭ ‬لا‭ ‬كرئيس‭ ‬جامع‭. ‬الرئيس‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فاعلا،‭ ‬منتجا‭ ‬للأفكار،‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مؤسّسا‭ ‬لمنهج‭ ‬ولبرنامج‭ ‬ما،‭ ‬وأن‭ ‬يعرف‭ ‬متى،‭ ‬كيف،‭ ‬أين‭ ‬ومع‭ ‬من‭ ‬يعقد‭ ‬الاتفاقات،‭ ‬بوصلته‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المصلحة‭ ‬العليا‭ ‬لتونس‭.‬

في‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة‭ ‬تظهر‭ ‬مكونات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬كصور‭ ‬مصغّرة‭ ‬ورديئة‭ ‬للأحزاب‭. ‬فهي‭ ‬موكول‭ ‬لها‭ ‬الأعمال‭ ‬الرديئة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للأحزاب‭ ‬القيام‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الاعتبارية‭. ‬لذا،‭ ‬عدا‭ ‬نسبة‭ ‬ضعيفة‭ ‬جدا،‭ ‬تظهر‭ ‬هذه‭ ‬المكونات‭ ‬كمعطّل‭ ‬فعلي‭ ‬للتنمية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬وخارج‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للدولة‭.‬

‭* ‬هل‭ ‬تعتقد‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬منظومة‭ ‬آمنة‭ ‬في‭ ‬الدولة؟

فهم‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬السوسيولوجية،‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬جل‭ ‬المجالات‭ ‬السيادية‭ ‬ومنع‭ ‬حدوث‭ ‬الجريمة‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬تصنيفها‭ ‬ومأتاها،‭ ‬اقتصادية،‭ ‬سياسية،‭ ‬اجتماعية‭ ‬أو‭ ‬أمنية‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬أعمال‭ ‬الدولة‭ ‬الآمنة‭. ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬مرتبطة‭ ‬ببعضها‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تكوّن‭ ‬المنظومة‭ ‬الآمنة‭ ‬للدولة‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬مثلا‭ ‬تحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬والسلم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انحدار‭ ‬خطير‭ ‬للقدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬وللمستوى‭ ‬المعيشي‭ ‬للمواطن‭.‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬وسط‭ ‬ارتفاع‭ ‬كبير‭ ‬للجريمة،‭ ‬عزوف‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬للمستثمرين‭ ‬وإدارة‭ ‬تشتغل‭ ‬بقوانين‭ ‬متخلفة‭... ‬بل‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انعدام‭ ‬شبه‭ ‬كلي‭ ‬لرؤية‭ ‬مستقبلية‭.‬

الدولة‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬مكاتبها‭ ‬وأن‭ ‬تتحدث‭ ‬مع‭ ‬المواطنين‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الخطاب‭ ‬العلوي‭ ‬ومنطق‭ ‬السلطة‭. ‬أن‭ ‬تفهم‭ ‬سيكولوجية‭ ‬المواطن،‭ ‬ألاّ‭ ‬تبادر‭ ‬بالقمع‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬استنفاذ‭ ‬الحلول‭ ‬الأخرى‭. ‬نعم‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار،‭ ‬لكن‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬مصانع‭ ‬تشتغل‭ ‬وفلاحة‭ ‬مزدهرة‭ ‬وخدمات‭ ‬راقية‭ ‬وتعليم‭ ‬مستقرّ‭. ‬لا‭ ‬أبالغ‭ ‬إن‭ ‬قلت‭ ‬أنه‭ ‬ربما‭ ‬من‭ ‬آخر‭ ‬اهتمامات‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬هو‭ ‬انشغاله‭ ‬بنظريات‭ ‬الحكم‭ ‬وإشكالات‭ ‬السلطة‭...‬

‭* ‬هل‭ ‬عجز‭ ‬النظام‭ ‬البرلماني‭ ‬بعد‭ ‬عشرية‭ ‬ساخنة؟

أعيد‭ ‬التأكيد‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬البرلماني‭ ‬سبب‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬الأزمات‭ ‬اللي‭ ‬تعيشها‭ ‬البلاد‭. ‬الأمور‭ ‬التقنية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمشاريع‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭. ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬والقرارات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬سلطة‭ ‬موحدة‭. ‬سلطة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬بطريقة‭ ‬سريعة،‭ ‬فعالة‭ ‬وحينية‭.‬‮ ‬إقرار‭ ‬النظام‭ ‬البرلماني‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬كان‭ ‬خطأ‭ ‬فادحا‭ ‬ومثّل‭ ‬سقوطا‭ ‬حرّا‭ ‬في‭ ‬منهجية‭ ‬التدرّج‭ ‬النسقي،‭ ‬لهذا‭ ‬كل‭ ‬قراراتنا‭ ‬وتصرفاتنا‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬السلطة‭ ‬والشأن‭ ‬العام‭ ‬ارتجالية‭ ‬وفاشلة‭.. ‬المواصلة‭ ‬في‭ ‬اعتماد‭ ‬النظام‭ ‬البرلماني،‭ ‬هروب‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬وسيؤدي‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬نفق‭ ‬مظلم‭.‬

‭* ‬ألا‭ ‬تعتقد‭ ‬ربما‭ ‬أن‭ ‬دستور‭ ‬2014‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬تأزيم‭ ‬الوضع‭ ‬وهل‭ ‬يصحّ‭ ‬القول‭ ‬فيه‭ ‬بأنه‭ ‬دستور‭ ‬فاشل؟

سنة‭ ‬2011،‭ ‬هرع‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬تأسيس‭ ‬أحزاب‭ ‬بنكهِ‭ ‬وأنواع‭ ‬شتّى‭. ‬حتى‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬ان‭ ‬الأحزاب‭ ‬كان‭ ‬تأسيسها‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬تأسيس‭ ‬الشركات‭ ‬التجارية‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬الأحزاب‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬الواحدة‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬الانفلات‭ ‬السياسي‭ ‬إلا‭ ‬تعبيرا‭ ‬رمزيا‭ ‬وأجوف‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التعطش‭ ‬لفضاءات‭ ‬أرحب،‭ ‬فضاءات‭ ‬يعبر‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬عما‭ ‬يخالجه‭ ‬بكل‭ ‬حرية‭. ‬ويمكن‭ ‬التأكيد‭ ‬أنه‭ ‬عدا‭ ‬بعض‭ ‬السياسيين،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬للمؤسّسين‭ ‬الجدد‭ ‬لا‭ ‬الخبرة‭ ‬السياسية‭ ‬ولا‭ ‬القاعدة‭ ‬الشعبية‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬الهبّة‭ ‬المنفلتة،‭ ‬وقع‭ ‬البدء‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬دستور‭ ‬جديد‭ ‬لتونس‭. ‬انتظر‭ ‬الناس‭ ‬شيئا‭ ‬جميلا‭...‬الواقع،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬دستورا‭ ‬عصريا‭ ‬ولا‭ ‬ثوريا‭ ‬في‭ ‬مبادئه‭ ‬ومفاهيمه،‭ ‬بل‭ ‬ورد‭ ‬دستورا‭ ‬غريبا،‭ ‬هجينا،‭ ‬متداخلا،‭ ‬يؤسس‭ ‬للصدام‭ ‬والصراع‭ ‬دون‭ ‬تقديم‭ ‬الحلول‭. ‬دستورا‭ ‬وقع‭ ‬عجنه‭ ‬بمكوّنات‭ ‬غريبة‭ ‬لا‭ ‬تتفاعل‭ ‬كيميائيا‭ ‬فيما‭ ‬بينها،‭ ‬فظهرت‭ ‬مفاسده،‭ ‬في‭ ‬جوانبه‭ ‬وبين‭ ‬فواصله‭.‬

أحيانا‭ ‬أتساءل،‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬هؤلاء‭ ‬المنفلتين،‭ ‬الذين‭ ‬تعوزهم‭ ‬الخبرة‭ ‬القانونية‭ ‬والسياسية،‭ ‬التأسيس‭ ‬لنظام‭ ‬برلماني‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬بنيتها‭ ‬الثقافية،‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬السياسية‭ ‬والقانونية‭ ‬لا‭ ‬تتلاءم‭ ‬والنظام‭ ‬البرلماني؟ما‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬هؤلاء‭ ‬يختارون‭ ‬ويصوّتون‭ ‬لصالح‭ ‬نظام‭ ‬برلماني‭ ‬لا‭ ‬تتوفر‭ ‬أسس‭ ‬نجاحه‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬الجنوب‭ ‬عامة‭ ‬وفي‭ ‬تونس‭ ‬خاصة،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬علمنا‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬البرلماني‭ ‬هو‭ ‬نظام‭ ‬تشاركي‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬السلطة‭ ‬ويقتضي‭ ‬وجود‭ ‬تنمية‭ ‬سياسية،‭ ‬ثقافية،‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬متقدمة‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬الصدام‭. ‬فالنظام‭ ‬البرلماني‭ ‬هو‭ ‬نظام‭ ‬معقّد‭ ‬وغير‭ ‬سلس‭ ‬وتقوم‭ ‬مجالسه‭ ‬أساسا‭ ‬على‭ ‬الدفع‭ ‬والدفع‭ ‬المضاد،‭ ‬يتطلب‭ ‬طاقات‭ ‬فكرية‭ ‬أكبر‭ ‬ومساحة‭ ‬زمنية‭ ‬أوسع‭ ‬وجهدا‭ ‬أكثر‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬اتفاقات‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬تحقيقها‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يمكنني‭ ‬الجزم‭ ‬بأنه‭ ‬نظاما‭ ‬فاشلا‭ ‬في‭ ‬تونس‭.‬

كانت‭ ‬حجة‭ ‬البعض‭ ‬وخاصة‭ ‬الإسلاميين‭ ‬خوفهم‭ ‬من‭ ‬تغوّل‭ ‬سلطة‭ ‬الفرد‭ ‬الواحد‭ ‬وبالتالي‭ ‬حسب‭ ‬رأيهم‭ ‬عودة‭ ‬الدكتاتورية‭ ‬وعودة‭ ‬المنافي‭ ‬والسجون‭. ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬على‭ ‬افتراض‭ ‬أنه‭ ‬دافع‭ ‬سليم‭ ‬نسبيا،‭ ‬فهو‭ ‬مبالغ‭ ‬فيه،‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬لحجج‭ ‬عقلانية‭ ‬تدفع‭ ‬إلى‭ ‬الاعتقاد‭ ‬في‭ ‬ذلك‭. ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬عودة‭ ‬الدكتاتورية‭ ‬وجنوح‭ ‬السلطة،‭ ‬أمر‭ ‬يكاد‭ ‬معدوما‭ ‬اليوم‭ ‬مع‭ ‬انفتاح‭ ‬الداخل‭ ‬على‭ ‬الخارج‭ ‬وتراجع‭ ‬أو‭ ‬اضمحلال‭ ‬لسيادة‭ ‬الدولة‭ ‬بالمفهوم‭ ‬التقليدي‭ ‬وسط‭ ‬تحولات‭ ‬تكنولوجية‭ ‬وإعلامية‭ ‬ضخمة‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬نصرة‭ ‬الحريات‭ ‬أمام‭ ‬انفلات‭ ‬السلطة‭.‬

الثابت،‭ ‬أننا‭ ‬هربنا‭ ‬من‭ ‬دكتاتورية‭ ‬الفرد‭ ‬فوجدنا‭ ‬أنفسنا‭ ‬محكومون‭ ‬بدكتاتورية‭ ‬الجماعة‭.‬

‭* ‬هل‭ ‬تغير‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬مفهومنا‭ ‬للحكم‭ ‬وقابليتنا‭ ‬للاختلاف؟

لا‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬تغيّر‭. ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تخلّفنا‭ ‬لسنوات‭ ‬وسجلنا‭ ‬تقهقرا‭ ‬في‭ ‬جل‭ ‬الميادين،‭ ‬وإن‭ ‬حققنا‭ ‬مكسبا‭ ‬حقوقيا‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬والتي‭ ‬أراها‭ ‬نسبية‭ ‬وتمييزية،‭ ‬إلا‭ ‬أننا‭ ‬خسرنا‭ ‬مكاسب‭ ‬أخرى،‭ ‬ليس‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬بحوزتنا‭ ‬بل‭ ‬لأننا‭ ‬عجزنا‭ ‬على‭ ‬كسبها‭ ‬خلال‭ ‬العشرية‭ ‬الأخيرة‭ ‬والحال‭ ‬أننا‭ ‬كنّا‭ ‬مهيّئين‭ ‬إلى‭ ‬نيل‭ ‬ذلك‭ ‬بطرق‭ ‬ومناهج‭ ‬أقل‭ ‬تكلفة‭...‬

الواقع،‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬ورطة،‭ ‬وهذا‭ ‬النظام‭ ‬المثقل‭ ‬بالأزمات‭ ‬والمنتج‭ ‬للصراعات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يستمر‭.‬علينا،‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬من‭ ‬برلماني‭ ‬إلى‭ ‬رئاسي‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المكاسب‭ ‬الحقوقية‭ ‬وتدعيم‭ ‬الرقابة‭ ‬الدستورية‭ ‬لضمان‭ ‬حكم‭ ‬عادل‭ ‬وناجع‭.‬النظام‭ ‬الرئاسي‭ ‬المعدل‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬الآلية‭ ‬الأقرب‭ ‬للخروج‭ ‬بالبلاد‭ ‬من‭ ‬محنتها‭.‬

حان‭ ‬الوقت‭ ‬لأن‭ ‬نغيّر‭ ‬من‭ ‬مفهومنا‭ ‬وطريقة‭ ‬تعاطينا‭ ‬مع‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭. ‬المثال‭ ‬الذي‭ ‬نتبعه‭ ‬استوفى‭ ‬جلّ‭ ‬مراحله‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬مواكبا‭ ‬للتحولات‭ ‬المحلية‭ ‬والدولية‭. ‬تعاطي‭ ‬وإدارة‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬مثل‭ ‬الكتاب‭ ‬المدرسي‭ ‬يحتكم‭ ‬لزمن‭ ‬فيزيائي‭ ‬وافتراضي‭ ‬محدد‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اليوم،‭ ‬مثلا،‭ ‬أن‭ ‬تحارب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬بناء‭ ‬المستقبل‭ ‬بآليات‭ ‬ومناهج‭ ‬دولة‭ ‬الاستقلال‭. ‬بلادنا‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬جادة‭ ‬وعاجلة‭ ‬للنهوض‭ ‬ولا‭ ‬تتحمل‭ ‬تشتت‭ ‬القرار‭.‬فلنقتصر‭ ‬المسافات‭ ‬ونهيّئ‭ ‬الناس‭ ‬والسلطة‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬لتغيير‭ ‬النظام‭.‬

‭* ‬تعيش‭ ‬تونس‭ ‬تدهورا‭ ‬في‭ ‬اقتصادها‭ ‬وتحديدا‭ ‬في‭ ‬قطاعها‭ ‬الصناعي،‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجعلنا‭ ‬لا‭ ‬نطوّر‭ ‬صناعتنا‭ ‬ونستحدث‭ ‬أخرى‭ ‬جديدة؟

هذا‭ ‬السؤال‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يراودني‭ ‬رفقة‭ ‬عدة‭ ‬أسئلة‭ ‬أخرى‭. ‬لعلّ‭ ‬أهمها‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬بيئتنا‭ ‬بظهور‭ ‬رجال‭ ‬أعمال‭ ‬جدد‭ ‬من‭ ‬أوساط‭ ‬اجتماعية‭ ‬وجهوية‭ ‬جديدة؟

اقتصادنا‭ ‬مكبّل‭ ‬بقوانين‭ ‬متخلفة‭ ‬ومحكوم‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬لوبيات‭ ‬قطاعية‭ ‬تتصدى‭ ‬بكل‭ ‬الطرق‭ ‬لأي‭ ‬نفس‭ ‬تجديدي،‭ ‬بل‭ ‬همّها‭ ‬الوحيد‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تشريع‭ ‬قوانين‭ ‬حمائية‭ ‬وتمييزية‭ ‬لصالحها‭ ‬وقد‭ ‬رأينا‭ ‬تأثير‭ ‬هؤلاء‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬ظهور‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التشريعات‭ ‬لصالحهم‭.‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انهيار‭ ‬النسيج‭ ‬الصناعي‭ ‬والفلاحي‭ ‬الوطني‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬تعطيل‭ ‬ظهور‭ ‬فئة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتطور‭ ‬صناعتنا‭ ‬دون‭ ‬غلق‭ ‬محكم‭ ‬وفوري‭ ‬لمنافذ‭ ‬التهريب‭ ‬وإجبار‭ ‬المهرّبين‭ ‬على‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الرسمية‭ ‬ومحاكمتهم‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬العود‭.‬

منذ‭ ‬استقلالها‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬تونس‭ ‬أزمات‭ ‬في‭ ‬مصادرها‭ ‬الغذائية‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬اليوم‭... ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬اللي‭ ‬ندخل‭ ‬فيه‭ ‬للمغازات‭ ‬والدكاكين‭ ‬نجد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬أرباع‭ ‬المنتوج‭ ‬المعروض‭ ‬أجنبي‭.‬عدا‭ ‬بعض‭ ‬العجائن‭ ‬ومشتقات‭ ‬الحليب‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬ننتج‭ ‬الشيء‭ ‬الكثير‭.‬بل‭ ‬أصبحنا‭ ‬نستورد‭ ‬مثيلا‭ ‬لمنتوجات‭ ‬وطنية‭ ‬أصيلة‭. ‬هل‭ ‬البسكويت‭ ‬والحلويات‭ ‬والبلاستيك‭ ‬بأصنافه‭ ‬تتطلب‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬دقيقة‭ ‬وحسّاسة‭ ‬لصناعتها‭ ‬حتى‭ ‬نقوم‭ ‬باستيرادها؟‭ ‬هل‭ ‬عجزت‭ ‬أراضينا‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬البقول‭ ‬الجافة‭ ‬لنستوردها‭ ‬مسرطنة؟

لنأخذ‭ ‬مثالا‭ ‬عل‭ ‬ذلك‭. ‬زيت‭ ‬الزيتون‭ ‬التونسي‭ ‬من‭ ‬أجود‭ ‬أنواع‭ ‬الزيوت‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬بلدنا‭ ‬ثاني‭ ‬منتج‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬نصدر‭ ‬هذا‭ ‬الزيت‭ ‬في‭ ‬براميل‭.‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬بعض‭ ‬المورّدين‭ ‬الأجانب‭ ‬شنيع‭ ‬وفظيع‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬منتوجنا‭ ‬حيث‭ ‬يقع‭ ‬خلطه‭ ‬مع‭ ‬زيوت‭ ‬أخرى‭ ‬أقل‭ ‬جودة‭ ‬لتحقيق‭ ‬أرباحا‭ ‬كبيرة،‭ ‬رغم‭ ‬اقتناءه‭ ‬بأسعار‭ ‬تفاضلية‭. ‬النتيجة‭ ‬خسارة‭ ‬جودة‭ ‬المنتوج‭ ‬التونسي‭.‬

زيت‭ ‬الزيتون‭ ‬التونسي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬معلّبا‭ ‬ومغلّفا‭ ‬تحت‭ ‬علامة‭ ‬‮«‬منتوج‭ ‬تونسي‮»‬‭. ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نصدّر‭ ‬الزيت‭ ‬لنصبح‭ ‬دولة‭ ‬غنية‭ ‬ولكن‭ ‬نسوّق‭ ‬معه‭ ‬تاريخا‭ ‬وهوية،‭ ‬نصدّر‭ ‬زيتا‭ ‬ذا‭ ‬مواصفات‭ ‬عالية،‭ ‬يدخل‭ ‬المطبخ‭ ‬الفرنسي‭ ‬أو‭ ‬الألماني‭ ‬أو‭ ‬الأمريكي‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬عملية‭ ‬طهي‭ ‬يتذكر‭ ‬الفرنسي‭ ‬أو‭ ‬الألماني‭ ‬والأمريكي‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المنتوج‭ ‬تونسي‭. ‬فمعرفة‭ ‬الدول‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬معرفة‭ ‬منتجاتها‭.‬علينا‭ ‬تثمينه‭ ‬كالشكولاتة‭ ‬السويسرية‭. ‬هل‭ ‬رأيتم‭ ‬يوما‭ ‬شوكولاتة‭ ‬سويسرية‭ ‬تصدّر‭  ‬غير‭ ‬معلبة؟‭ ‬إطلاقا‭ ‬لا‭.‬

‭* ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬وقع‭ ‬الحديث‭ ‬أخيرا‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬دفع‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الاقتصادية؟

خطوة‭ ‬متأخرة‭ ‬جدا‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬مواكبة‭ ‬للتحولات‭. ‬الصين‭ ‬وضعت‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬جهازا‭ ‬نشطا‭ ‬في‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والأمنية‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬البرامج‭ ‬الدولية‭ ‬شبه‭ ‬السرية‭ ‬يطلق‭ ‬عليهThousand Talents‭.‬

هذا‭ ‬البرنامج‭ ‬موجّه‭ ‬لإغراء‭ ‬كبار‭ ‬العلماء‭ ‬والباحثين‭ ‬الأجانب‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬مثل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬البيوتكنولجيا‭ ‬أو‭ ‬الاندماج‭ ‬النووي‭.‬من‭ ‬مهماته‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الأدمغة‭ ‬في‭ ‬جامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬بحوث‭ ‬ومخابر‭ ‬أوروبية‭ ‬وأمريكية،‭ ‬يقع‭ ‬انتدابهم‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬جمعيات‭ ‬صينية‭ ‬وقع‭ ‬تأسيسها‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬بلدان‭ ‬مثل‭ ‬أمريكا،‭ ‬فرنسا،‭ ‬سويسرا،‭ ‬بريطانيا،‭ ‬كندا‭... ‬والإغراءات‭ ‬كبيرة‭ ‬جدا‭. ‬الراتب‭ ‬السنوي‭ ‬قد‭ ‬يتجاوز‭ ‬2‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬لكل‭ ‬باحث‭ ‬يلتحق‭ ‬بمخابر‭ ‬البحث‭ ‬الصينية‭.‬

إذن‭ ‬نحن‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬دبلوماسية‭ ‬اقتصادية‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الموازية‭ ‬البحثية‭ ‬والأمنية‭. ‬البرنامج‭ ‬حقق‭ ‬نتائج‭ ‬باهرة‭ ‬واستفادت‭ ‬منه‭ ‬الصين‭ ‬بصفة‭ ‬كبيرة‭.‬

ماذا‭ ‬أعدت‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬؟‭ ‬لا‭ ‬شيء‭. ‬لا‭ ‬برامج‭ ‬ولا‭ ‬دبلوماسية‭ ‬بحثية‭ ‬لدينا‭ ‬ولا‭ ‬أموال‭ ‬لنغري‭ ‬بها‭ ‬الباحثين‭ ‬الأجانب‭. ‬ما‭ ‬تبحث‭ ‬عنه‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬لدينا‭ ‬في‭ ‬تونس‭. ‬لدينا‭ ‬ما‭ ‬يكفينا‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬الطموحة،‭ ‬لدينا‭ ‬كبار‭ ‬الباحثين‭ ‬والمهندسين‭ ‬والاستراتيجيين‭ ‬في‭ ‬أكبر‭ ‬مخابر‭ ‬البحث‭ ‬ومراكز‭ ‬الدراسات‭ ‬الأجنبية‭ ‬ولكن‭ ‬لدينا‭ ‬حكومات‭ ‬فاشلة‭.‬اليوم‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬كيفية‭ ‬وضع‭ ‬أسس‭ ‬لدبلوماسية‭ ‬اقتصادية‭ ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬كما‭ ‬ذكرت‭ ‬تعتبر‭ ‬متخلفة‭ ‬ومتأخرة‭ ‬جدا‭ ‬مقارنة‭ ‬بدول‭ ‬أخرى‭. ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬دخلت‭ ‬مرحلة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬الأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتجاوزتنا‭ ‬بأشواط‭.‬

‭* ‬تونس‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬ماذا‭ ‬تحديدا؟

تونس‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬أجهزة‭ ‬الدولة‭ ‬والمواطن‭. ‬علينا‭ ‬الإقرار‭ ‬بأن‭ ‬الثقة‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬منعدمة‭ ‬تماما‭. ‬تونس‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬ثورة‭ ‬تجديدية‭ ‬شاملة‭ ‬تشمل‭ ‬جلّ‭ ‬القطاعات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بالبلاد‭. ‬تونس‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬البروز‭ ‬والظهور‭. ‬تونس‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬إبهار‭ ‬قوية‭ ‬في‭ ‬الصناعة‭ ‬والفلاحة‭ ‬والسياحة‭ ‬والهندسة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والخدمات‭. ‬تونس‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬قوية‭ ‬من‭ ‬شبكة‭ ‬طرقات‭ ‬سريعة‭ ‬وخطوط‭ ‬نقل‭ ‬حديدي‭ ‬واتصالات‭ ‬قوية‭.‬اللوجستيك‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬نموّ‭ ‬كل‭ ‬اقتصاد‭.‬

لنستأنس‭ ‬بتجارب‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭. ‬منذ‭ ‬السبعينات‭ ‬سنّت‭ ‬سويسرا‭ ‬قانون‭ ‬دعم‭ ‬صادرات‭ ‬بعض‭ ‬المنتوجات‭ ‬المصنعة‭ ‬كالبسكويت‭ ‬والشكولاتة‭. ‬وقدمت‭ ‬الدولة‭ ‬حوافز‭ ‬مادية‭ ‬هامة‭ ‬لتثبيت‭ ‬منتوجها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية‭. ‬الشكلاطة‭ ‬السويسرية‭ ‬قطاع‭ ‬استراتيجي‭ ‬قدم‭ ‬خدمات‭ ‬جليلة‭ ‬للقطاع‭ ‬السياحي‭ ‬السويسري‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬سويسرا‭ ‬تعرف‭ ‬كدولة‭ ‬منتجة‭ ‬للشكولاتة‭ ‬والساعات‭ ‬والصناعات‭ ‬الدقيقة‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬كبلد‭ ‬ديمقراطي‭.‬

تركيا‭ ‬اليوم‭ ‬تتبع‭ ‬المنوال‭ ‬السويسري‭ ‬لكن‭ ‬بطريقة‭ ‬وحشية،‭ ‬تزاحم‭ ‬العجائن‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬أفريقيا‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬مصانعها‭ ‬تبيعها‭ ‬بأقل‭ ‬من‭ ‬سعر‭ ‬التكلفة‭ ‬لافتكاك‭ ‬هذه‭ ‬الأسواق‭.‬في‭ ‬تونس‭ ‬بعض‭ ‬منتوجاتنا‭ ‬نقوم‭ ‬بتصديرها‭ ‬دون‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬والدولة‭ ‬لم‭ ‬تفعل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تثبيت‭ ‬منتوجات‭ ‬تونسية‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬

لا‭ ‬نفعل‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الانتشار‭ ‬خارج‭ ‬تونس‭ ‬وبعض‭ ‬المحاولات‭ ‬تبقى‭ ‬فردية‭ ‬وفي‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬تأطير‭ ‬وتنظيم‭. ‬الدولة‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تتدخل‭ ‬لدعم‭ ‬منتوجات‭ ‬محددة‭ ‬خارج‭ ‬تونس‭.‬

من‭ ‬الحلول‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬أراها‭ ‬عاجلة،‭ ‬سن‭ ‬عفو‭ ‬جبائي‭ ‬شامل‭ ‬وطي‭ ‬صفحة‭ ‬الماضي‭ ‬وسن‭ ‬قوانين‭ ‬جديدة‭ ‬عصرية،‭ ‬تشجع‭ ‬المستثمر‭ ‬على‭ ‬المبادرة‭ ‬والإنتاج،‭ ‬تخفّف‭ ‬العبء‭ ‬على‭ ‬الإدارة‭ ‬وتهيئتها‭ ‬للتحول‭ ‬إلى‭ ‬الإدارةالإلكترونية‭. ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬المالي،‭ ‬ضرورة‭ ‬تعصير‭ ‬البنوك‭ ‬وخروجها‭ ‬من‭ ‬الدور‭ ‬التقليدي،‭ ‬بناء‭ ‬ثقة‭ ‬جديدة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬شفافية،أن‭ ‬تصبح‭ ‬البنوك‭ ‬شريكا‭ ‬فعليا‭ ‬في‭ ‬الاستثمار‭ ‬والتنمية،‭ ‬أن‭ ‬تنفتح‭ ‬أكثر‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الأجنبية،‭ ‬أن‭ ‬تنوّع‭ ‬منتوجاتها‭ ‬وأن‭ ‬ترسي‭ ‬تطبيقات‭ ‬جديدة‭ ‬ومتنوعة،‭ ‬وأن‭ ‬تبني‭ ‬ثقة‭ ‬جديدة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭.‬

 

الحل‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬انفتاح‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬الخارج‭ ‬مع‭ ‬ممارسة‭ ‬سياسة‭ ‬حمائية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المنتوجات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ودفع‭ ‬الصناعة‭ ‬بكل‭ ‬مكوناتها‭ ‬الفلاحية‭ ‬والخدماتية‭ ‬والإلكترونية‭ ‬والميكانيكية‭.‬علينا‭ ‬بتكاتف‭ ‬الجهود‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حل‭ ‬شامل‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬تحرير‭ ‬المبادرة‭ ‬وإنتاج‭ ‬الأفكار‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬منتوج‭ ‬حيوي‭ ‬منافس‭.‬

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد