كتبت دستورا على المقاس.. وعطّلت تكوين المحكمة الدستورية - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الخميس 30 جويلية 2020

تابعونا على

Aug.
4
2020

أحزاب تدفع ثمن خطيئتها الكبرى

كتبت دستورا على المقاس.. وعطّلت تكوين المحكمة الدستورية

الخميس 30 جويلية 2020
نسخة للطباعة

لأول‭ ‬مرّة‭ ‬ومنذ‭ ‬انتخابات‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬التأسيسي‭ ‬لسنة‭ ‬2011‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يعلم‭ ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬تسير‭ ‬الأمور،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬أصبح‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬تكهّن‭ ‬سيناريوهات‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬ولعبة‭ ‬الأحزاب‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬بمجلس‭ ‬نواب‭ ‬الشعب‭ ‬وانخرام‭ ‬موزازين‭ ‬القوى‭ ‬للأحزاب‭ ‬الحاكمة‭ ‬والرابحة‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الأخيرة‭ ‬وتفكّك‭ ‬عقد‭ ‬الائتلاف‭ ‬الحاكم‭ ‬واستقالة‭ ‬حكومة‭ ‬إلياس‭ ‬الفخفاخ‭.. ‬

غيّر‭ ‬أنّه‭ ‬لا‭ ‬جدل‭ ‬بأنّ‭ ‬‮«‬السحر‭ ‬قد‭ ‬انقلب‭ ‬على‭ ‬الساحر‮»‬،‭ ‬فمن‭ ‬كان‭ ‬يظنّ‭ ‬أن‭ ‬الأحزاب‭ ‬المسيطرة‭ ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬ومهندسته‭ ‬منذ‭ ‬الأشهر‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الثورة‭ ‬ستقع‭ ‬في‭ ‬فخّ‭ ‬خُبثها‭ ‬ومساعيها‭ ‬للتحكم‭ ‬في‭ ‬منافذ‭ ‬الحكم؟‭ ‬

فالمشهد‭ ‬اليوم‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يُدار‭ ‬بمنطق‭ ‬التوافق‭ ‬الذي‭ ‬انتهجه‭ ‬الشيخان‭ ‬الراحل‭ ‬الباجي‭ ‬قائد وراشد‭ ‬الغنوشي،‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يفصل‭ ‬فيه‭ ‬بمنهج‭ ‬التنازلات‭ ‬السياسية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬الكلمة‭ ‬المفتاح‭ ‬التي‭ ‬استغلّها‭ ‬الجميع‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تونس‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المصالح‭ ‬الحزبية‭ ‬والشخصية‭ ‬الضيقة‭.‬

فدفع‭ ‬عدد‭ ‬منها‭ ‬الثمن‭ ‬بالتفكّك‭ ‬الحزبي‭ ‬والالتحاق‭ ‬بصف‭ ‬الأحزاب‭ ‬التي‭ ‬اندثرت‭ ‬وأصبحت‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬النسيان‭ ‬وبأحزاب‭ ‬تدحرجت‭ ‬إلى‭ ‬أسفل‭ ‬القائمة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬تتصدّر‭ ‬المشهد‭ ‬وإحرازها‭ ‬المراتب‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭. ‬

لتكون‭ ‬النتائج‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬عليه‭ ‬اليوم،‭ ‬‮«‬فالأحزاب‭ ‬لم‭ ‬تسع‭ ‬إلى‭ ‬تركيز‭ ‬المحكمة‭ ‬الدستورية‭ ‬لغرض‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬يعقوب‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬دوّن‭ ‬الأستاذ‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬الصيد‭ ‬على‭ ‬صفحته‭ ‬الرسمية‭ ‬بالفايسبوك‭.. ‬فأوضح‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬‮«‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬لرئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيد‭ ‬ليكون‭ ‬المرجع‭ ‬في‭ ‬تأويل‭ ‬نصوص‭ ‬الدستور‭ ‬يقرأها‭ ‬كما‭ ‬يشاء‭ ‬ويفسّرها‭ ‬كما‭ ‬يريد‭ ‬ويطبّقها‭ ‬كما‭ ‬يحلو‭ ‬له‭ ‬بلا‭ ‬حسيب‭ ‬ولا‭ ‬رقيب‭ ‬حتى‭ ‬أنه‭ ‬أصبح‭ ‬هو‭ ‬المحكمة‭ ‬الدستورية‮»‬‭.‬

وأضاف‭ ‬‮«‬بعض‭ ‬الأحزاب‭ ‬عمدت‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬تلغيم‭ ‬فصول‭ ‬الدستور‭ ‬لتتحكّم‭ ‬في‭ ‬المشهد‭.. ‬فأصبحت‭ ‬تلك‭ ‬الألغام‭ ‬سلاحا‭ ‬فتّاكا‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬رجل‭ ‬مختصّ‭.. ‬فلا‭ ‬تلوموه‭ ‬ولوموا‭ ‬أنفسكم‭.. ‬تركتم‭ ‬أبوابا‭ ‬مفتوحة‭ ‬لتتلاعبوا‭ ‬بأحكام‭ ‬الدستور‭ ‬فبعثت‭ ‬الأقدار‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬أقدر‭ ‬منكم‭ ‬على‭ ‬فكّ‭ ‬شفرات‭ ‬النصوص‭ ‬القانونية‮»‬‭. ‬

في‭ ‬ذات‭ ‬التوّجه‭ ‬قال‭ ‬المحامي‭ ‬والقاضي‭ ‬أحمد‭ ‬صواب‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬لموقع‭ ‬‮«‬الشارع‭ ‬المغاربي‮»‬‭ ‬مؤخرا‭ ‬إنّ‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيد‭ ‬أصبح‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬محكمة‭ ‬دستورية‭ ‬ورئيس‭ ‬حكومة‭ ‬ورئيس‭ ‬جمهورية‭. ‬

وأوضح،‭ ‬معلقا‭ ‬على‭ ‬تأكيد‭ ‬سعيد‭ ‬أنّ‭ ‬الشرعية‭ ‬تحتاج‭ ‬لمراجعة‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬الأغلبية،‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬سعيد‭ ‬جهّز‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬هناك‭ ‬مراحل‭ ‬سابقة‭ ‬لهذه‭ ‬المسألة‭ ‬وأوّلها‭ ‬ترذيل‭ ‬الأحزاب‭ ‬والبرلمان‭ ‬وثانيها‭ ‬خطاباته‭ ‬في‭ ‬ثكنات‭ ‬القوات‭ ‬الحاملة‭ ‬للسلاح‭ ‬وخاصة‭ ‬منها‭ ‬العسكرية‭ ‬ثمّ‭ ‬تلميحه‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬لاعتزامه‭ ‬تفعيل‭ ‬الفصل‭ ‬80‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬غياب‭ ‬المحكمة‭ ‬الدستورية،‭ ‬التي‭ ‬عطّلت‭ ‬إحداثها‭ ‬الأحزاب‭ ‬وفي‭ ‬مقدّمتها‭ ‬حركة‭ ‬النهضة،‭ ‬فإنّ‭ ‬جميعها‭ ‬سيدفع‭ ‬ثمن‭ ‬تغليب‭ ‬المحاصصة‭ ‬الحزبية‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬وجعله‭ ‬وفق‭ ‬المقاس‭.‬

وما‭ ‬تكليف‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬هشام‭ ‬المشيشي‭ ‬لرئاسة‭ ‬الحكومة‭ ‬وتشكيلها‭ ‬وعدم‭ ‬الاقتياد‭ ‬والالتزام‭ ‬بما‭ ‬تقدّم‭ ‬من‭ ‬مقترحات‭ ‬إلا‭ ‬رسالة‭ ‬والثمن‭ ‬الأوّل‭ ‬الذي‭ ‬ستدفعه‭ ‬الأحزاب،‭ ‬فكلّ‭ ‬الظروف‭ ‬والمعطيات‭ ‬تسمح‭ ‬لرئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬بالإمساك‭ ‬بقيود‭ ‬اللعبة‭ ‬وإعادة‭ ‬ترصيفها‭ ‬في‭ ‬اتجاهات‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬الآن‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬غير‭ ‬واضحة‭ ‬بالشكل‭ ‬المفترض‭ ‬والذي‭ ‬عهده‭ ‬أهل‭ ‬السياسة‭. ‬

قد‭ ‬يكون‭ ‬الثمن‭ ‬الثاني‭ ‬والباهظ‭  ‬لخطيئة‭ ‬الأحزاب‭ ‬الكبرى‭ ‬لعدم‭ ‬تركيزها‭ ‬للمحكمة‭ ‬الدستورية‭ ‬والتنصيص‭ ‬على‭ ‬فصول‭ ‬ملغمة‭ ‬بالدستور‭ ‬لحلّ‭ ‬البرلمان،‭ ‬وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬إمكانية‭ ‬سحب‭ ‬الثقة‭ ‬من‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬نواب‭ ‬الشعب‭ ‬راشد‭ ‬الغنوشي‭.‬

نتائج‭ ‬التصويت‭ ‬اليوم‭ ‬ببرلمان‭ ‬الشعب‭ ‬ستوّضحه‭ ‬أكثر‭ ‬المسارات‭ ‬القادمة‭ ‬للمشهد‭ ‬السياسي‭ ‬ومآل‭ ‬تكوين‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يمر‭ ‬على‭ ‬المصادقة‭ ‬على‭ ‬سابقتها‭ ‬ستّة‭ ‬أشهر‭ ‬لتقدّم‭ ‬استقالتها‭ ‬بعد‭ ‬حادثة‭ ‬تضارب‭ ‬المصالح‭ ‬لرئيسها‭ ‬إلياس‭ ‬الفخفاخ‭ ‬وفي‭ ‬ظروف‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وصحية‭ ‬أقلّ‭ ‬ما‭ ‬يقال‭ ‬عنها‭ ‬أوضاع‭ ‬وظروف‭ ‬كارثية‭ ‬قد‭ ‬تزداد‭ ‬حدّة‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تمّ‭ ‬تسجيل‭ ‬موجة‭ ‬جديدة‭ ‬لفيروس‭ ‬كوفيد‭ ‬19‭.‬

 

◗‭ ‬إيمان‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭ ‬

إضافة تعليق جديد