قاضي الحريات حين يكون الخصم والحكم - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - السبت 8 أوت 2020

تابعونا على

Aug.
9
2020

محاكمة بن بريك في قضية المس بالقضاء في تونس

قاضي الحريات حين يكون الخصم والحكم

الأربعاء 29 جويلية 2020
نسخة للطباعة
بقلم القاضي: عفيف الجعيدي

 

بداية‭ ‬الشهر‭ ‬العاشر‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬2019‭ ‬وبمناسبة‭ ‬مشاركته‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬البرامج‭ ‬الحوارية‭ ‬التلفزية‭ ‬أدان‭ ‬الصحافي‭ ‬والناشط‭ ‬السياسي‭ ‬توفيق‭ ‬بن‭ ‬بريك‭ ‬استمرار‭ ‬إيقاف‭ ‬نبيل‭ ‬القروي‭ ‬رغم‭ ‬نجاحه‭ ‬في‭ ‬المرور‭ ‬للدور‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية‭.‬

‮ ‬وقد‭ ‬اعتبر‭ ‬أن‭ ‬إيقافا‭ ‬كذاك‭ ‬يواجه‭ ‬‮«‬‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬أخرى‭ ‬برفع‭ ‬الناس‭ ‬السلاح‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬رجالهم‮»‬‭ ‬وانتهى‭ ‬إلى‭ ‬وصف‭ ‬القضاة‭ ‬‮«‬بالكلاب‮»‬‭ ‬كما‭ ‬شهّر‭ ‬بعدد‭ ‬ممّن‭ ‬نظروا‭ ‬في‭ ‬ملف‭ ‬القضية‭ ‬ورفضوا‭ ‬الإفراج‭ ‬عن‭ ‬حليفه‭ ‬السياسي‭ ‬بأن‭ ‬عدّد‭ ‬أسماءهم‭ ‬متّهما‭ ‬إياهم‮ ‬‭ ‬بالفساد‭ ‬والانتماء‭ ‬لمنظومة‭ ‬قضاة‭ ‬التعليمات‭.‬

‮ ‬اعتبرت‭ ‬الهيئة‭ ‬العليا‭ ‬المستقلّة‭ ‬للإعلام‭ ‬السمعي‭ ‬البصري‭ ‬أن‭ ‬خطاب‭ ‬بن‭ ‬بريك‭ ‬‮«‬تحريضي‭ ‬على‭ ‬العنف‭ ‬والكراهية‭ ‬تضمن‭ ‬عبارات‭ ‬ثلب‭ ‬وشتم‭ ‬وقذف‭ ‬وإهانة‭ ‬ومسّ‭ ‬من‭ ‬اعتبار‭ ‬وسمعة‭ ‬أشخاص‭ ‬والمؤسسة‭ ‬القضائية‭ ‬‮«‬‭ ‬وتولّت‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬صلاحية‭ ‬قانونية‭ ‬تسليط‭ ‬خطية‭ ‬مالية‭ ‬على‭ ‬قناة‭ ‬نسمة‭. ‬كما‭ ‬أخطرت‭ ‬النيابة‭ ‬العمومية‭ ‬لدى‭ ‬المحكمة‭ ‬الإبتدائية‭ ‬ببن‭ ‬عروس‭ ‬به‭ ‬وطلبت‭ ‬منها‭ ‬تتبعه‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التحريض‭ ‬على‭ ‬الكراهية‭ ‬والعنف،‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬التاريخ‭ ‬دعت‭ ‬هياكل‭ ‬القضاة‭ ‬إلى‭ ‬تفعيل‭ ‬القانون‭ ‬حياله‭ ‬لإيغاله‭ ‬في‭ ‬التحريض‭ ‬على‭ ‬القضاء‭.‬

‮ ‬وجهت‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬لمن‭ ‬ذكرته‭ ‬التشهير‭ ‬وأحالته‭ ‬للدائرة‭ ‬الجناحية‭ ‬بالمحكمة‭ ‬الإبتدائية‭ ‬ببن‭ ‬عروس‭ ‬لمقاضاته‭ ‬لأجلها‭ ‬وهنا‭ ‬اختار‭ ‬بن‭ ‬بريك‭ ‬أن‭ ‬يتغيّب‭ ‬عن‭ ‬إجراءات‭ ‬البحث‭ ‬الأولي‭ ‬والمحاكمة‭ ‬بما‭ ‬انتهى‭ ‬لأن‭ ‬صدر‭ ‬في‭ ‬حقه‭ ‬حكم‭ ‬غيابي‭ ‬يقضي‭ ‬بسجنه‭ ‬مدة‭ ‬سنتين‭ ‬مع‭ ‬النفاذ‭ ‬العاجل‭ ‬اعترض‭ ‬عليه‭ ‬ومثل‭ ‬أمام‭ ‬المحكمة‭ ‬حيث‭ ‬تمسّك‭ ‬بذات‭ ‬أقواله‭ ‬ومواقفه‭ ‬فقضي‭ ‬في‭ ‬حقه‭ ‬من‭ ‬ذات‭ ‬المحكمة‭ ‬بسنة‭ ‬سجن‭ ‬مع‭ ‬النفاذ‭ ‬العاجل،‭ ‬وهو‭ ‬الحكم‭ ‬الذي‭ ‬نفذ‭ ‬بإيداعه‭ ‬بالسجن‭ ‬المدني‭ ‬بالمرناقية‭ ‬بتاريخه‭ ‬الموافق‭ ‬لـ‭ ‬23‭-‬07‭-‬2020‭.‬

‮ ‬نقابة‭ ‬الصحافة‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬ديكتاتورية‭ ‬القضاة

‮ ‬أثار‭ ‬الحكم‭ ‬وتنفيذه‭ ‬ردّ‭ ‬فعل‭ ‬معارض‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬الحقوقي‭ ‬فكان‭ ‬أن‭ ‬اعتبرته‭ ‬نقابة‭ ‬الصحافيين‭ ‬في‭ ‬بلاغ‭ ‬صدر‭ ‬عنها‭ ‬بتاريخ‮ ‬‭ ‬24‭-‬07‭-‬2020‭ ‬فضيحة‭ ‬قضائية‭ ‬وانحرافا‭ ‬خطيرا‭ ‬في‭ ‬المعالجة‭ ‬القضائية‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬إقحام‭ ‬الصحفيين‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬السياسية‮»‬‭ ‬ويؤشر‭ ‬على‭ ‬‮«‬تنامي‭ ‬دكتاتورية‭ ‬القضاة‭ ‬لضرب‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬والصحافة‮»‬‭ ‬ويؤول‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬الخشية‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬نقد‭ ‬المؤسسات‭ ‬ومنها‭ ‬القضاء»والتي‭ ‬تعترف‭ ‬المجتمعات‭ ‬الديمقراطية‭ ‬للجميع‭ ‬بحق‭ ‬نقدها‭ ‬كما‭ ‬وصفته‭ ‬35‭ ‬جمعية‭ ‬حقوقية‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬صدر‭ ‬عنها‭ ‬بتاريخ‭ ‬27‭-‬07‭-‬2020‭ ‬‮«‬بالحكم‭ ‬الظالم‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يتحمّل‭ ‬من‭ ‬أصدره‭ ‬ومن‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يبرره‭ ‬المسؤولية‭ ‬التاريخية‭ ‬عنه‭.‬

الوسط‭ ‬القضائي‭ ‬يرحّب

‮ ‬في‭ ‬نقيض‭ ‬ذلك،‭ ‬وجد‭ ‬ذات‭ ‬الحكم‭ ‬قبولا‭ ‬وصل‭ ‬حدّ‭ ‬الترحاب‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬القضائي‭ ‬وقد‭ ‬انتقدت‭ ‬جمعية‭ ‬القضاة‭ ‬التونسيين‭ ‬في‭ ‬بلاغ‭ ‬صدر‭ ‬عنها‭ ‬بتاريخ‭ ‬25‭-‬07‭-‬2020‭ ‬ما‭ ‬تضمّنه‭ ‬بلاغ‭ ‬نقابة‭ ‬الصحافيين‭ ‬لجهة‭ ‬أن‭ ‬ما‮ ‬‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬بن‭ ‬بريك‭ ‬يندرج‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬وقد‭ ‬رأت‭ ‬أنه‭ ‬ارتكب‭ ‬‮«‬خلطا‭ ‬متعمدا‭ ‬بين‭ ‬خطاب‭ ‬العنف‭ ‬حدّ‭ ‬التحريض‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬السلاح‭ ‬والاقتتال‭ ‬وحرية‭ ‬التعبير‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬‮«‬يشجّع‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الصحفيين‭ ‬على‭ ‬تبني‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‮»‬‭ .‬

‮ ‬ويؤشر‭ ‬الخلاف‭ ‬والجدل‭ ‬الدائر‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬بات‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬تعريف‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬نقد‭ ‬القضاء‭ ‬وممارسته‭ ‬ولكونه‭ ‬يبرز‭ ‬فيما‭ ‬قرر‭ ‬من‭ ‬عقاب‭ ‬الإشكاليات‭ ‬التي‭ ‬تطرح‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬التشهير‭ ‬المتعلق‭ ‬بالقضاء‭ ‬والقضاة‭.‬

‮ ‬الخطاب‭ ‬حول‭ ‬القضاء‭: ‬حدود‭ ‬النقد‭ ‬المباح‭ ‬للقضاء‭ ‬والقضاة

يكرس‭ ‬الفصل‭ ‬31‭ ‬من‭ ‬الدستور‭ ‬التونسي‭ ‬‮«‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والفكر‭ ‬والتعبير‭ ‬والإعلام‭ ‬والنشر‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬يفرض‭ ‬ألا‭ ‬تمارس‭ ‬عليها‭ ‬أي‭ ‬رقابة‭ ‬مسبقة‭. ‬بالمقابل،‭ ‬يجيز‭ ‬الفصل‭ ‬49‭ ‬منه‭ ‬تدخل‭ ‬القانون‭ ‬للحدّ‭ ‬من‭ ‬الحقوق‭ ‬الأساسية‭ ‬ومنها‭ ‬هذه‭ ‬الحقوق‭ ‬بشرط‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬لضرورة‭ ‬تقتضيها‭ ‬دولة‭ ‬مدنية‭ ‬ديمقراطية‭ ‬وبهدف‭ ‬حماية‭ ‬حقوق‭ ‬الغير،‭ ‬أو‭ ‬لمقتضيات‭ ‬الأمن‭ ‬العام،‭ ‬أو‭ ‬الدفاع‭ ‬الوطني،‭ ‬أو‭ ‬الصحة‭ ‬العامة،‭ ‬أو‭ ‬الآداب‭ ‬العامة‮»‬‭ ‬وأن‭ ‬يحترم‭ ‬فيه‭ ‬‮«‬التناسب‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الضوابط‭ ‬وموجباتها‮»‬‭ ‬وألا‭ ‬‮«‬ينال‭ ‬من‭ ‬جوهر‭ ‬الحق‮»‬‭. ‬ويظهر‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحدّ‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬نقد‭ ‬القضاء‭ ‬والقضاة‭ ‬سؤال‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬أساسي‭ ‬يجوز‭ ‬بشروط‭ ‬تنظيم‭ ‬ممارسته‭.‬

‮ ‬تصدّى‭ ‬المشرع‭ ‬الفرنسي‭ ‬لهذا‭ ‬السؤال‭ ‬فخصص‭ ‬في‭ ‬المجلة‭ ‬الجزائية‭ ‬فصولا‭ ‬جرمت‭ ‬التشهير‭ ‬بالقضاة‭ ‬وسلط‭ ‬عقوبات‭ ‬تصل‭ ‬للسجن‭ ‬النافذ‭ ‬لمدة‭ ‬سنة‭ ‬كاملة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تثبت‭ ‬عليه‭ ‬وتحضر‭ ‬في‭ ‬فقه‭ ‬القضاء‭ ‬الفرنسي‭ ‬والخاص‭ ‬بمحكمة‭ ‬الإنسان‭ ‬الأوروبية‭ ‬أمثلة‭ ‬متعددة‭ ‬لمؤاخذات‭ ‬جزائية‭ ‬صدرت‭ ‬فيها‭ ‬أحكام‭ ‬بالإدانة‭ ‬لأجل‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم‭ ‬ونجد‭ ‬هنا‭ ‬تخصيص‭ ‬القضاء‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬عريقة‭ ‬بحماية‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬التشهير‭ ‬مبرره‭ ‬فيما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤول‭ ‬له‭ ‬خطاب‭ ‬التشهير‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬سلبية‭ ‬تتمثل‭ ‬أساسا‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬يصنع‭ ‬الخوف‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬القضاة‭ ‬من‭ ‬التعرض‭ ‬لمراكز‭ ‬النفوذ‭ ‬أو‭ ‬الاشخاص‭ ‬الجريئين‭ ‬في‭ ‬خطابهم،‭ ‬بما‭ ‬يؤثّر‭ ‬على‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬القضائي‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬موضوعية‭ ‬ويمنعهم‭ ‬بالتالي‭ ‬من‭ ‬الفصل‭ ‬الموضوعي‭ ‬في‭ ‬المنازعات،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعتمد‭ ‬لصناعة‭ ‬حصانة‭ ‬موضوعية‭ ‬لمن‭ ‬يخشى‭ ‬القضاة‭ ‬من‭ ‬تشهيرهم،‭ ‬يمس‭ ‬بالثقة‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬القضائية‭ ‬بما‭ ‬يشكل‭ ‬إضراراً‭ ‬بسلطة‭ ‬تحتاج‭ ‬في‭ ‬عملها‭ ‬لتلك‭ ‬الثقة‭.‬

بدوره،‭ ‬وضع‭ ‬المشرّع‭ ‬التونسي‭ ‬غداة‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المرسوم‭ ‬عدد‭ ‬115‭ ‬لسنة‭ ‬2011‭ ‬المتعلق‭ ‬بالصحافة‭ ‬الأحكام‭ ‬الواجب‭ ‬مراعاتها‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬القضائية‭ ‬وفيما‭ ‬وضع‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬المحظورات،‭ (‬مثلا‭ ‬منع‭ ‬نشر‭ ‬وثائق‭ ‬التحقيق‭ ‬قبل‭ ‬تلاوتها‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬علنية‭)‬،‭ ‬فإن‭ ‬النفس‭ ‬الثوري‭ ‬الذي‭ ‬طغا‭ ‬على‭ ‬المرسوم‭ ‬حال‭ ‬دون‭ ‬تخصيص‭ ‬القضاء‭ ‬أو‭ ‬القضاة‭ ‬بأحكام‭ ‬تبيّن‭ ‬الحدود‭ ‬المسموح‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬نقدهم‭ ‬فتكون‭ ‬حرية‭ ‬نقد‭ ‬القضاء‭ ‬والقضاة‭ ‬من‭ ‬الحريات‭ ‬المكفولة‭ ‬بصريح‭ ‬نص‭ ‬الدستور‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يحدها‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬نصت‭ ‬عليه‭ ‬القوانين‭ ‬من‭ ‬تحجير‭ ‬للتشهير‭.‬

‮ ‬تجريم‭ ‬التشهير

يجرم‭ ‬الفصل‭ ‬128‭ ‬من‭ ‬المجلة‭ ‬الجزائية‭ ‬نسبة‭ ‬أمور‭ ‬غير‭ ‬قانونية‭ ‬لموظف‭ ‬عمومي‭ ‬أو‭ ‬شبهه‭ ‬متعلقة‭ ‬بوظيفة‭ ‬لدى‭ ‬العموم‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الصحافة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الإشهار‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يدلي‭ ‬بما‭ ‬يثبت‭ ‬صحة‭ ‬ذلك‭ ‬ويسلط‭ ‬عقابا‭ ‬بالسجن‭ ‬مدّة‭ ‬عامين‭ ‬وبخطية‭ ‬قدرها‭ ‬مائة‭ ‬وعشرين‭ ‬دينارا‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يثبت‭ ‬في‭ ‬حقه‭ ‬ذاك‭ ‬الجرم‭.‬

‮ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬السياق،‭ ‬يعرف‭ ‬المرسوم‭ ‬115‭ ‬لسنة‭ ‬2011‭ ‬الثلب‭ ‬بالفصل‭ ‬55‭ ‬منه‭ ‬بكونه‭ ‬‮«‬كل‭ ‬ادعاء‭ ‬أو‭ ‬نسبة‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬صحيح‭ ‬بصورة‭ ‬علنية‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬ينال‭ ‬من‭ ‬شرف‭ ‬أو‭ ‬اعتبار‭ ‬شخص‭ ‬معين‭ ‬بشرط‭ ‬أن‭ ‬يترتب‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬ضرر‭ ‬شخصي‭ ‬ومباشر‭ ‬للشخص‭ ‬المستهدف‮»‬‭ ‬ويحدد‭ ‬له‭ ‬عقوبة‭ ‬بموجب‭ ‬الفصل‭ ‬56‭ ‬منه‭ ‬‮«‬خطية‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬إلى‭ ‬ألفي‭ ‬دينار‮»‬‭.‬

‮ ‬يكشف‭ ‬نظر‭ ‬الفصلين‭ ‬القانونيين‭ ‬أن‭ ‬التشهير‭ ‬فعل‭ ‬محجر‭ ‬بقوة‭ ‬القانون‭ ‬ولا‭ ‬يندرج‭ ‬بالتالي‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭. ‬بالمقابل،‭ ‬تطرح‭ ‬مقاربة‭ ‬نصيهما‭ ‬السؤال‭ ‬حول‭ ‬المنطبق‭ ‬منهما‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يشهر‭ ‬بالقضاء‭ ‬والقضاة‭ ‬وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬موقفان‭:‬

‮ ‬أولهما‭ : ‬حقوقي‭ ‬ويتبناه‭ ‬مجتمع‭ ‬الصحفيين‭ ‬ويعتبر‭ ‬أن‭ ‬مرسوم‭ ‬الصحافة‭ ‬نسخ‭ ‬ما‭ ‬قبله‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬تجريم‭ ‬تعلقت‭ ‬بالتشهير‭ ‬وهو‭ ‬نص‭ ‬يستجيب‭ ‬للمعايير‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬المجال،‭ ‬خلافا‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬سابقا‭ ‬له‭ ‬لكونه‭ ‬لا‭ ‬يسلّط‭ ‬عقوبات‭ ‬سجنية‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يثبت‭ ‬في‭ ‬حقه‭ ‬ذاك‭ ‬الجرم‭.‬

ثانيهما‭: ‬يجد‭ ‬تطبيقات‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬الممارسة‭ ‬القضائية‭ ‬ويعتبر‭ ‬أن‭ ‬النص‭ ‬الوارد‭ ‬بالمرسوم‭ ‬115‭ ‬يخص‭ ‬ثلب‭ ‬الأشخاص‭ ‬عموما‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬أن‭ ‬الفصل‭ ‬128‭ ‬يخص‭ ‬الثلب‭ ‬الموجه‭ ‬للموظف‭ ‬العمومي‭ ‬وبالتالي‭ ‬يظل‭ ‬ساريا‭ ‬متى‭ ‬توفرت‭ ‬شروط‭ ‬تطبيقه‭ ‬ويقدم‭ ‬القائلون‭ ‬بهذا‭ ‬الرأي‭ ‬كدليل‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬المرسوم‭ ‬115‭ ‬ذاته‭ ‬يحيل‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬14‭ ‬منه‭ ‬وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بجرائم‭ ‬الثلب‭ ‬التي‭ ‬يكون‭ ‬المتضرر‭ ‬فيها‭ ‬صحفيا‭ ‬للفصل‭ ‬128‭ ‬من‭ ‬المجلة‭ ‬الجزائية‭ ‬بما‭ ‬يؤكد‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬ينسخ‭.‬

‮ ‬يبدو‭ ‬اختلاف‭ ‬القراءات‭ ‬هذا‭ ‬للنصوص‭ ‬الجزائية‭ ‬إشكاليا‭ ‬ولا‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬واجب‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬الجزائية‭ ‬من‭ ‬وضوح‭ ‬ويستدعي‭ ‬بالتالي‭ ‬تدخلا‭ ‬تشريعيا‭ ‬يوضح‭ ‬نطاق‭ ‬التجريم‭ ‬والعقوبة‭ ‬المستوجبة‭ ‬ويفترض‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬يؤول‭ ‬هذا‭ ‬التدخل‭ ‬لتكريس‭ ‬نهائي‭ ‬لمبدأ‭ ‬عدم‭ ‬اعتماد‭ ‬العقوبات‭ ‬السجنية‭ ‬في‭ ‬جرائم‭ ‬التشهير‭ ‬بما‭ ‬يلائم‭ ‬التشريعات‭ ‬التونسية‭ ‬مع‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬المجال‭. ‬ولكن،‭ ‬وبانتظار‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك،‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬القضاء‭ ‬الذي‭ ‬أوكل‭ ‬له‭ ‬المشرع‭ ‬مهمة‭ ‬السهر‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات‭ ‬أن‭ ‬يتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬تحقيق‭ ‬التناسب‭ ‬بين‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬القيم‭ ‬والضرورات‭ ‬التي‭ ‬تجيز‭ ‬تقييدها‭.‬

قاضي‭ ‬الحريات‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬خصما‭ ‬وحكما

‮ ‬يُعرّف‭ ‬الدستور‭ ‬التونسي‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬102‭ ‬منه‭ ‬القاضي‭ ‬وظيفيا‭ ‬بكونه‭ ‬حامي‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات‭ ‬ويبدو‭ ‬الاضطلاع‭ ‬بهذا‭ ‬الدور‭ ‬صعبا‭ ‬متى‭ ‬كان‭ ‬القاضي‭ ‬كمؤسسة‭ ‬أو‭ ‬القضاء‭ ‬كسلطة‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬أدت‭ ‬ممارسة‭ ‬إحدى‭ ‬الحريات‭ ‬به‭ ‬،إذ‭ ‬يخشى‭ ‬حينها‭ ‬أن‭ ‬يندفع‭ ‬القضاة‭ ‬نصرة‭ ‬لأنفسهم‭ ‬للتوسع‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬الحدّ‭ ‬من‭ ‬‮«‬الحرية‮»‬‭ ‬بما‭ ‬ينتهي‭ ‬لمنع‭ ‬أيّ‭ ‬نقد‭ ‬لهم‭ ‬ولإصدار‭ ‬أحكام‭ ‬قاسية‭ ‬تفرض‭ ‬هالة‭ ‬خوف‭ ‬منهم‭ ‬وتستعمل‭ ‬كبديل‭ ‬عمّا‭ ‬هو‭ ‬مطلوب‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬جهد‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الثقة‭ ‬بهم‭. ‬

ونخشى‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الحكم‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬بن‭ ‬بريك،‭ ‬باعتبار‭ ‬معيار‭ ‬مدة‭ ‬السجن‭ ‬والنفاذ‭ ‬العاجل‭ ‬لمنطوقه‭ ‬وما‭ ‬تخلله‭ ‬من‭ ‬ردع‭ ‬وقساوة،‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل،‭ ‬حان‭ ‬أن‭ ‬تعي‭ ‬جميع‭ ‬القوى‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬القضاء،‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬حاجة‭ ‬جماعية‭ ‬للتدرّب‭ ‬على‭ ‬أصول‭ ‬ممارسة‭ ‬الحرية،‭ ‬تلك‭ ‬الحرية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بحال‭ ‬التعسف‭ ‬فيها‭ ‬سببا‭ ‬لاستهدافها‭.‬

إضافة تعليق جديد